تخطى إلى المحتوى

توظيف التراث اليمني في المسرح

ديسمبر 6, 2011

إهـداء عـام

إلى من سهل لي مواصلة الدراسات العليا إلى من مد لي العون والمساعدة الجادة، راعي الثقافة اليمنية الأستاذ الدكتور/ محمد أبو بكر المفلحي وزير الثقافة.

إلى من شجعني بابتسامته الصغيرة على وجهه يقول لي واصل ونحن معك مشجعا لأبنائه الطلاب سعادة سفير الجمهورية اليمنية/ أحمد عبد الله عبد الإله وكذلك سعادة السفير الحالي في الجزائر الدكتور/ جمال عوض ناصر.

وكذلك لمن كان صارما في توجيهاته وقويا في ملاحظاته حريصا على أبنائه الطلاب إنه بمثابة الأب والأخ والمسؤول الدكتور/ رشاد شائع المستشار الثقافي في السفارة اليمنية وإلى جميع أعضاء سفارتنا في الجزائر.

إلى جميع الدكاترة والأساتذة وكل من علمني في الدولة الجزائرية الشقيقة.

إلى كل حر جزائري إلى زملائي الجزائريين وزملائي اليمنيين وغيرهم وبالأخص زميلي الباحث والكاتب يحيى محمد سيف الذي أفادني بكتبه في مجال بحثي، وكذلك زملائي أحمد السماوي، سليم هزاع، محمد الجمش، وليد الحطامي, محمد الماوري، عمر سواد، عنتر المعلمي، وخليل الدغيش، وعماد القرون ،و فوزي الفلسطيني .

إلى جميع المكتبات التي أمدتني بالمصادر والمراجع لإتمام بحثي يمنية وجزائرية، ولا مانع أن أذكر منها، دار الكتب اليمنية، مكتبة المركز الثقافي، صندوق التراث اليمني، دار المخطوطات اليمنية، مكتبة المعهد العالي للفنون الدرامية في الجزائر، مكتبة الآداب والعلوم الإنسانية ممثلة بعمي حسن أطال الله عمره، المكتبة المركزية في جامعة الحاج  الأخضر

إلى من مد لي يد العون وسهل لي إنجاز بحثي هذا فلكم مني جزيل الشكر والإمتنان على كل ماقدتمتموه  لي من مساعدة….

                                                                                                                                            1

                                     إهداء خاص

منطلقاً من قوله تعالى: “وقَضَى ربُّك ألَّا تعبدوا إلا إيَّاهُ وبالوالدينِ إحساناً إمّا يبلغنَّ عندَكَ الكِبَرَ أحدُهما أو كِلاهما فلا تقل لَّهما أفٍ ولا تنهرْهما وقل لَّهما قولاً كريماً”          صدق الله العظيم

سورة الإسراء رقم “17″ الآية 63″

إلى من وهبا عطفهما وحنانهما لي، إلى من بكيا كثيرا في وداعي وفرحا كثيرا في لقائي، إلى من دعيا لي أثناء الليل وأطراف النهار، إلى من كانا سندا لي في الحياة.. الغاليان على قلبي “أبي وأمي” كم أحبكما والله يطيل عمركما .

إلى من صبرت في ألبعادي         وضحت بحياتها من اجلي تنادي

 تبكي في اللقاء وفي الفراق             إلى زوجتي الغالية أم  أولادي

أمة الرزاق ونجلاء كاملات ألوصافي   

                                    وانتصار وفيروز كالبدر إذا كان صافي

إلى إخوتي وجميع أسرة السريحي أهدي لكم بحثي هذا,

ولكم جزيل الشكر 

2

المقدمة

التراث ذاكرة الشعوب وأصالته ولابد أن تكون يقظة تتلمس حضورها من خلال وجودها بين الناس، والذاكرة محملة بالدلائل والبراهين التي تعمق حسنا وإدراكنا بأهمية هذا الفن، فن المسرح، ولابد أن تكون أبرز مؤشراته محيط يمني واضح، حتى يسهل علينا فهمه ومعرفته. فعرف اليمنيون الأوائل عدة أساطير وملاحم وحكايات شعبية وأهازيج، وعادات ومعتقدات دينية تمتد إلى عصور قديمة تدل على تراث يمني عريق يحتاج إلى دراسة عميقة لهذا الموروث الشعبي والاستفادة منه واستلهامه في المسرح اليمني الذي يمتد إلى عصور قديمة وما تم اكتشافه للمسرح الدائري بجانب سد مأرب وأكده الدكتور/ يوسف محمد عبد الله عالم الآثار وما عرفه اليمنيون من عدة ظواهر مسرحية مثل فن الحكائيين والقراد والحواء كما لا يزال يفعل حتى يومنا هذا في بعض شوارع المدن العربية وبلدانها وقراها وأسواقها ومدنها، ولا يقتصر العمل على التراث في المسرح على تراث واحد مجدد دون غيره سواء تعلق ذلك بتراثنا أو تراث غيرنا من الشعوب لأننا أبناء ثقافة إنسانية متفتحة متأثرة ومؤثرة في ثقافات العديد من الشعوب وعبر مراحل مختلفة. وتبدو ظاهرة التأثير المتبادل في اللغة، والدين والتراث الأدبي والفكري، الشفاهي والمكتوب. فلا توجد ثقافة نقية بمعزل عن تأثيرات غيرها من الثقافات، فالثقافة الأصيلة لا تتناقض، بل تتطلب القدرة على المعاصرة والتفاعل مع الحاضر الراهن بكل ملابساته وعلى استيعاب خصائصه ومنجزاته. ومسرحنا سواء ما اكتشف حديثا أو ذلك الذي يعتمد إلى الماضي السحيق، يؤكد على تبادل مع المسرح الآخر أوروبياً أو آسيوياً أو إفريقياً وغربياً كان أو شرقياً شمالياً أو جنوبياً. فالتراث بمعناه الشامل الفكري أو الأدبي أو الديني، يكون أحد أهم دعائم المسرح اليمني والعربي والعالمي فالتنقيب عنه وتجميعه ودراسته وتحليله، قد تساعد عملية التجريب عليه، وهو ضرورة ملحة لا يمكن للمسرح اليمني والعربي بالاستغناء عنها. من جهة ثانية فالتجريب على التراث تأكيد واعتراف بأهمية التراث وإحياء له. لم يحدث ذلك في بداية النهضة اليمنية والعربية وإنما منذ مسيرة التحرر والاستقلال والبناء الاجتماعي وصولاً إلى المرحلة المعاصرة. فتأثير التراث على المسرح بغية المضامين والأشكال التي تلهم مجتمعنا المزيد من الثقة بالنفس وتحفيزه على التشبث بحقها في العدالة والحرية والمساواة كما يساهم التراث بالحد من التأثيرات السلبية والاستهلاكية فاكتشاف الفنان المسرحي من خلال اشتغاله على التراث إشكال يغني بها عمله على المسرحية العالمية المقدمة في اليمن والوطن العربي، ويتحول هذا الاتجاه بدوره على تراث يمني يغني تجربة الجيل الجديد. كما يساعدنا في مضامين وشخصيات وأساليب تعبيرية وأدبية لتراثنا على تغريب الواقع المعاش وخلق بنية المتلقي بهدف الحد من تأثير الاندماج، ومنح الجمهور المتلقي على القدرة على إدراك الواقع واتخاذ موقف نقدي. كما يتسنى للكتاب المسرحيين من خلال الشكل التاريخي التراثي تجسيد أشكال الصراع بطرق متعددة سواء كان ذلك عن طريق الرمز أو على الذاكرة الجماعية، بهدف زيادة فعالة للمسرح، فالاستفادة من التراث كأحداث وموضوعات وشخصيات وأفعال درامية تساهم في تطور العرض المسرحي وبصورة خاصة في بنية النص المسرحي ذاته. وتوفر لكتاب المسرحية مادة غنية يستطيع من خلالها أن يقدم نصاً معاصراً يغني به التجربة الإنسانية للكاتب والمشاهد، ولا يزال التراث يلعب دورا مهما في حاضرنا في تدعيم مواقفنا بوجه الضغوطات والتحديات الخارجية التي تهدد الإنسان في استقراره ليس في حياته المادية فحسب وإنما في الجوانب الثقافية أيضاً. فعلى الكتاب المسرحيين ألا يتناولوا التراث بطريقة تقليدية خاملة، أو إرث متعال مقدس لا يجوز المساس بتقديساته أو التمرد عليه. فلم يكن التراث وسيلة لنقد الحاضر فقط وإنما لنقد الماضي وربطه بالحاضر والتفاعل على تحديات المستقبل، فالمسرح فن متحرك يعتمد على الحضور الحي في المكان والزمان المحددين فتقديم التراث على المسرح باعتباره لحظة حية يعيد الممثل قراءتها تسمح له بقراءة مفتوحة جديدة لخلق حالة توافق مع ما يقدم على المسرح وما يحدث في الواقع. فطريقة تقديم التراث تنطوي في داخلها على لغة نقدية تعري النظرة الضمنية التقديسية للتراث وتناولاته التاريخية تكشف عن العناصر التي لم تعد تنسجم بملابسات الحاضر الثقافية والاجتماعية والسياسية، إذ شمل التقديم للظواهر المختلفة التراثية ومنها والمعاصرة وبهذا يتحرر المشاهد من هيمنة الماضي لكي يستثمر التراث في نقد الماضي والحاضر معاً، وفي استشراف المستقبل الرافض لكل ما هو راكد ومتخلف، فالمسرح العالمي الراهن بما فيه المسرح اليمني والعربي هو محصلة للتجارب المسرحية على التراث الإنساني، وتحتوي بعض نصوصه أو إبداع فنانيه على المزايا والسمات التي مهدت لتقديم أعمال فنية خالدة على مدى الأزمنة والعصور. فعلى المسرح اليمني أن لا يختفي وراء انتقاء التجربة، إنما عليه أن يسعى إلى التواصل والتفاعل مع التراث اليمني واستثماره أداة لتطور معارفه. فإذا كان التمرد والثورة تؤثر سلبيات الواقع المعاش تقود المسرح إلى التركيز على الجانب العاطفي الرومانسي للتراث، فإنها قد تؤدي في أحيان أخرى إلى الاحتكام إلى الجانب العقلي النقدي. فردود الأفعال هنا قد تكون مختلفة ومتنوعة في عصرنا الراهن، ولو أخذنا نص شكسبير على سبيل المثال لوجدناه يتغير عند الترجمة أو التفسير أو التجسيد عن عرض شكسبير ذاته ويعد بعض المنضرين المسرحيين الذين وضعوا شروطا لعملية التفسير هذه تمثل بالقدرة الإبداعية والمعرفة الفائقة، إذ قال برشت «يمكننا أن نغير شكسبير ولكن فقط عندما نمتلك القدرة على تغييره». ويشاطره بروك هذا الرأي فهو يدعو إلى نسيان شكسبير حتى نستطيع تقديمه بصورة شكسبيرية أفضل أي بإسقاط الواقع المعاش عليه وتقديمه على أنه لحظة معاشة حية فليس الهدف التعريف بشكسبير أو بشكل المسرح في عصره وإنما دعوة شكسبير لأن يعيش مجددا في واقعنا، فكل من برشت وبروك يدعوان إلى إعادة اكتشاف شكسبير واكتشاف النص وتفسيره على ضوء الواقع الراهن، وهذه الاتجاهات التي تعاملت مع النص والتراث لها ما يوازيها في المسرح العربي واليمني أيضا فالتجريب على التراث بهذا المعنى هو العمل على ردم الهوة التي تفصل التراث عن الواقع الراهن، ومد الجسور بين جميع الثقافات والتجارب المسرحية العالمية والعربية والمحلية في المسرح اليمني. فتوظيف التراث في المسرح يمكن أن يكون مرئياً أو مسموعاً أو بنيوياً نصياً. وإذا كان التوظيف المرئي والمسموع مرتبطا بالحرفة المسرحية أي الإخراج فإن التوظيف البنيوي النصي بالتأليف المسرحي. وسنقف عند بعض الكتاب المسرحيين الذين امتلكوا ناصية التأليف المسرحي ونجحوا إلى حد بعيد في كتابة نصوص مسرحية تجمع بين العرض وأدبية النص الذي يستطيع أن يعيش بمعزل عن خشبة المسرح بوصفه عملاً أدبياً يقرأ بمتعة، كما تقرأ سائر الأعمال الأدبية المسرحية فسعد الله ونوس أحد الكتاب العرب المسرحيين الذي تعامل مع التراث الشعبي الشفوي والمكتوب على حد سواء تعامل مبدع تجلى في كثير من مسرحياته مثل مسرحية (مغامرة الملك جابر، الفيل يا ملك الزمان، الأيام المخمورة، سهرة مع أبي الخليل القباني، مأساة بائع الدبوس، الرسول المحمول، مأتم انتجونا، المعتمي الزجاجي… وغيرها) وكذا الكاتب العربي الفريد فرج من مسرحياته (حلاق بغداد، على جناح التبريزي وتابعه قفه، الزير سالم… وغيرها) وكذا الكاتب العربي توفيق الحكيم ومن مسرحياته (أهل الكهف، كليوبترا، أوديب ملكا، نهر الجنون… وغيرها) وكذلك يوسف العاني، الطيب الصديقي، عبد الكريم برشيد، قاسم محمد، سعد أردش، علي الراعي، غسان كنفاني، محمود دياب، جلال الشرقاوي، المنجي بن إبراهيم ويوسف إدريس، وعبد القادر علوله ورشيد قسنطيني، وغيرهم وظفوا التراث في المسرح وجعلوا مادته تقدم رؤيتهم الفكرية والجمالية.

وكذلك الكتاب اليمنيون الذين تناولوا التراث في المسرح وامتلكوا ناصية التأليف مثل محمد عبده غانم في المسرحيات الشعرية الكاملة وهي (الظل المنشود أو العدل المفقود 1957، قيس وليلى 1957، أهل سر بعدن، سمراء العرب 1966 وهي مسرحية تاريخية تدور حول زبائر أي الملكة أروى أو زنوبيا الملكة) ومسرحياته الخمس علي بن الفضل، سيف بن ذي يزن، فارس بني زبيد، عمر بن معدي كرب، الملكة أروى. استلهم الشخصيات التاريخية في أغلب أطروحاته المسرحية وكذلك علي أحمد باكثير في مسرحية (همام، أو في بلاد الأحقاف 1934، اخناتون ونفرتيتي 1940، قصر الهودج عام 1944، الوطن الأكبر التي نشرت 1990، عاشق حضرموت 1978)، علي محمد لقمان في مسرحية شعرية بجامليون عام 1948 التزم فيها بالشعر التقليدي وكذلك الأستاذ والشاعر محمد عبد الله الشرفي في مسرحياته الشعرية والنثرية (أرض الجنتين، حريق صنعاء، الانتظار يطول، النائب يعود، السجين) وكذالك المؤلف المسرحي عبد الكافي محمد سعيد في عدد من مسرحياته منها مسرحية الفار في قفص الاتهام ، والتي سنأخذها نموذجاً في توظيف التراث اليمني في المسرح ،وغيرهم من الكتاب اليمنيين الذين استلهموا التراث في المسرح مستهدفين من خلاله عن روائعهم الفكرية والجمالية لإحياء التراث وإسقاطه على الواقع المعاش وهو يشكل إرهاصاً في تشكيل اتجاه مسرحي جديد يمكن أن يثري المسرح اليمني والعربي على حد سواء فبرغم ما بذلوه هؤلاء الكتاب وغيرهم في الإسهام في الحركة المسرحية اليمنية لكن المسرحية اليمنية لم تصل إلى العالمية بسبب نواقص في البناء المسرحي للنص الدرامي الذي ينقضه الفعل ويكثر فيه السرد والوصف، والمسرح بحاجة إلى الفعل في الخشبة ليغذي الصراع على خشبة المسرح، والتراث اليمني هو موضوع بحثنا لتوظيفه في المسرح اليمني، والتراث اليمني غني ومتنوع ولا يستطيع الباحث دراسته في بحث واحد، ولكنني أخذت من التراث اليمني كالأسطورة والحكايات والسير الشعبية اليمنية، وبصورة مختصرة، لدراستها وتحليلها وأخذ نماذج منها لإمكانية توظيفها في المسرح اليمني المعاصر.

أهمية الدراسة:       

1-     التراث اليمني جزء من التراث العربي ولا زال مادة خام ويحتاج إلى من يهتم به لتوظيفه في المسرح وإحيائه.

2-     توظيف التراث في المسرح اليمني سيساعد المسرح اليمني على النهوض من الركود الذي يعيش فيه.

3-     التجريب في التراث يحرر المشاهد من هيمنة الماضي لكي يستثمر التراث من نقد الماضي والحاضر معاً واستشراف المستقبل.

4-     المسرح اليمني بحاجة إلى المادة الخام وتوفر هذه المادة في التراث تساعد الكتاب اليمنيين على التأليف والحد من التقليد والاقتباس من المسرحيات العالمية الغربية.

5-     الدراسات في المسرح اليمني قليله وتعتبر هذه الدراسة كمرجع يستند إليها الأجيال الصاعدة وعليه نرى وضع الإشكالية التالية:

مشكلة الدراسة:

بعد الرجوع إلى المصادر والمراجع المتعلقة بالموضوع فالإشكالية إذن:”كيف يمكن استلهام التراث اليمني في المسرح اليمني المعاصر، وهل يستطيع المسرح اليمني النهوض ومواجهة التحديات في زمن العولمة”

وللإجابة على هذه الإشكالية ارتأينا وضع الفرضيات التالية:

الفرضيات:

1-     التنقيب في التراث وتجميعه ودراسته وتحليله تساعد عملية التجريب على التراث تأكيدا بأهميته وإحياء له.

2-     تجسيد الصراع التاريخي التراثي بطرق متعددة عن طريق الرمز أو على الذاكرة الجماعية يزيد فعالية المسرح.

3-     الاستفادة من التراث كأحداث وموضوعات وشخصيات وأفعال درامية تساهم في تطور العرض المسرحي.

4-     تقديم التراث بلغة تاريخية تكشف عن عناصر الحاضر الاجتماعية والثقافية.

5-     تغريب الواقع المعاش في المسرح اليمني وربط الماضي بالحاضر واستشراف المستقبل يسهم في تطوير المسرح اليمني للوقوف أمام التحديات.

6-     استطاع المسرح اليمني الحفاظ على الهوية اليمنية برغم الصعوبات التي تواجهه.

منهجية الدراسة:

كثير هي الأدوات والتقنيات التي استعملها قصد الوصول إلى المنهج في بناء الموضوع للدراسة، فجاء اختياري على المنهج الوصفي والذي يعد أفضل المناهج للدراسات العلمية وفق ترتيب منطقي من خلال الانتقال من المستوى الأكثر عمومية ومفهومية إلى المستوى الأكثر ملموسة ومباشرة ولذا سنقوم في المرحلة الأولى من موضوع دراستنا بتشكيل وتكوين الأدوات المفهومية والتحليلية لغرض توظيفها قصد الإحاطة بالموضوع في حركته الاجتماعية وبعده التاريخي أي مسار بناء المسرح اليمني وتراثه عبر الزمن، والاستفادة من الدراسات السابقة اليمنية والعربية لتوظيف التراث في المسرح اليمني وما سنضيفه إلى هذه الدراسات من دراسة بنائية لنص المسرح (التأليف) أو مسموعة ومرئية في الإخراج. وسنسعى في إثبات الفرضيات باستقصاء المعرفة التاريخية والاجتماعية في بناء المسرح اليمني، كما أن الباحث في استلهام التراث في المسرح تواجهه مشاكل كثيرة لدراسة المصادر التاريخية وتحليلها لتدعيم بنية موضوع بحثه. لذا اعتمدنا على المصادر التاريخية والمراجع الموثوق بها لإفادة مشكلة بحثنا ومن هذه المصادر كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني، كتاب الإكليل لأبي محمد الحسن بن يعقوب الهمداني، وكتاب الفلكلور اليمني لأحمد على الهمداني، لسان العرب لأبن منظور، أساطير من تاريخ اليمن تأليف حمزة على لقمان، تاريخ الأدب العربي في العصر الجاهلي والإسلامي لطه حسين، الظواهر المسرحية عند العرب على عقلة عرسان، تاريخ اليمن القديم، التاريخ العام لليمن تاريخ اليمن قبل الإسلام لمحمد يحيى حداد، الجديد في تاريخ وحضارة دولة سبأ وحمير محمد حسين الفرح، الحكايات الشعبية محمد أحمد شهاب، فنون الأدب الشعبي في اليمن، وكتاب قضايا يمنية عبد الله البردوني وغيرها من المصادر الهامة التي تم الاستناد إليها ومن المراجع الهامة التي تم الاستناد إليها وهي كالتالي توظيف التراث الشعبي في المسرح العربي لأحمد صقر، أدب الحكاية الشعبية غراء حسين مهنا، المسرح في اليمن تجربة وطموح لحسين الأسمر، سبعون عام من المسرح في اليمن سعيد عولقي، أعلام الأدب والفن المسرحي في اليمن يحيى محمد سيف، اتجاهات المسرح المعاصر وفنون العرض أحمد زكي، علم المسرحية وفن كتابتها فؤاد الصالحي، المخرج المسرحي في المسرح المعاصر سعد أردش النص المسرحي، وكتاب الإخراج المسرحي لشكري عبد الوهاب، سوسيولوجيا النص المسرحي لفيصل عبد عودة، الموروث الشعبي لفاروق خورشيد الديكور المسرحي والتشكيل عبد المنعم عثمان السير الشعبية العربية نعمة الله إبراهيم وغيرها من المراجع والمصادر التي أفادتنا في بحثنا هذا.    

فيشمل بحثنا على أربعة فصول وخاتمة، فالفصل الأول : بعنوان “المسرح في اليمن”: ويحتوي على ثلاثة مباحث. ضمناه الظواهر المسرحية اليمنية القديمة ونشأة المسرح اليمني والمراحل التي مر بها، دراسة تحليلية للظواهر المسرحية وكيف نشأ المسرح اليمني، والمسرحيات التي كتبت وعرضت بصورة مختصرة بالإضافة إلى المراحل التي مر بها المسرح اليمني منذ نشأته حتى إلى عام 1990م، الفرق التي تكونت في هذه الفترة، هذا بالإضافة.

الفصل الثاني : بعنوان “التراث اليمني”: يحتوي على مدخل وثلاثة مباحث ضمناه الأساطير اليمنية، والسير الشعبية والحكايات الشعبية اليمنية، دراسة تحليلية لتراثنا ومعرفته للاستفادة من أحداثه في حاضرنا لبنية نص مسرحي يمني، ومعرفة الطريقة التي يمكن أن نستعملها لتوظيف تراثنا في مسرحنا اليمني حتى  يصيح له خصوصياته ومميزاته.  

الفصل الثالث : ويحمل عنوان “استلهام التراث اليمني في المسرح”: وضمناه مدخل وثلاثة مباحث وهي تأصيل التراث اليمني، الكتابة المسرحية وتعاملها مع التراث، التوظيف البصري والجمالي للنص المسرحي. ويشمل هذا الفصل كيفية إيجاد نص مسرحي مأخوذ من التراث، له خصوصيته نابع من التراث اليمني، وكيف يتم تجسيده على خشبة المسرح ابتداء من المؤلف والمخرج وانتهاء بالمؤثرات الجمالية لكي يعطينا شكل مسرحي يمني له خصوصياته.

الفصل الرابع والذي يحمل عنوان “أهمية التراث اليمني في المسرح”: وضمناه ثلاثة مباحث وهي الحفاظ على الهوية اليمنية في المسرح، مواجهة العولمة في المسرح اليمني، مسرحية الفار في قفص الاتهام كنموذج لكيفية استلهام التراث في المسرح، والطرق التي استخدمها الكاتب عبد الكافي محمد سعيد في كتابة نصه المسرحي ابتداء من فكرة النص والتي أخذت من أسطورة “فأر سد مأرب” وكيفية توظيف الشخصيات التاريخية وإسقاطها على الواقع المعاصر.

ومن المشاكل والصعوبات التيى واجهتنا في مسار بحثنا كالتالي:

1-   قلة المصادر والمراجع في موضوع بحثنا نظراً لعدم تطرق باحثين يمنيين من قبل لهذا الموضوع.

2-    عدم وجود مكتبات خاصة لكتب المسرح اليمني مما يؤدي صعوبة الباحث في الرجوع للمصادر والمراجع في أقل وقت. 

3-   يوجد عدد كثير من المسرحيات اليمنية غير موثقة ومطبوعة ولازالت مخطوطة مما يؤدي صعوبة وصول الباحث إليها والاستفادة منها.

4-   قلة المراجع عن المسرح في اليمن. 

5-   عدم إعطاء الوقت الكافي للباحث للنزول الميداني إلى عدة تجارب عربية للحصول على المصادر المراجع والتجارب المسرحية العربية التي تتعلق بموضوع بحثنا.

وبرغم هذه الصعوبات التي واجهتنا في مجال بحثنا لكننا بفضل من الله سبحانه و تعالى استطعنا البحث والتقصي بكل جدية من أجل الوصول إلى نتائج إيجابية لموضوع بحثنا والكمال لله سبحانه وتعالى فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان وفي الأخير لا يسعني إلا أن أشكر الدكتور/ أحمد جاب الله الذي أفادني كثيراً في مجال بحثي بإرشاداته القيمة التي أفادتني كثيراً في مجال بحثنا هذا. و الله الموفق

تاريخ 28شوال /1432ه  الموافق 26/سبتمبر/2011م

عزيز عايض السريحي

الفصل الأول

المسرح في اليمن

1-1- الظواهر المسرحية اليمنية

إن العودة إلى دراسة الظواهر وإعادة انبعاثها مرة أخرى يعد أمراً هاماً يؤكد لنا ولغيرنا أن المسرح في المنطقة العربية واليمن خاصة قد نشأ معتمداً على جذور دينية شعبية فيقول البعض أن نشأة المسرح اليوناني قد اعتمد على جذور وبذور دينية، وتطور إلى أن أنتجت شكل المسرح اليوناني الغربي الذي يعد المقياس الأوحد للمسرح، والأمر لم يتحقق في مسرحنا العربي واليمني. وسنعلم بعد ذلك أن كل هذه الظواهر المسرحية اليمنية وكل هذه البذور لم تجتمع وتتكامل لتعزز مسرحاً عربياً يمنياً شكلاً ومضموناً.

((إن دراسة الظواهر المسرحية عند اليمنيين وتراثهم ستطلعنا على العديد من الملامح الفنية والدراسية التي جعلت الكثير من المتخصصين المحدثين يربطون بينها وبين الأشكال المسرحية المعاصرة. قد يصل الأمر إلى الربط ما بين هذه الأشكال وما يحدث اليوم على ساحات المسرح العالمي والمحلي فيما يسمى (بالتجريب )) ([1]) ومن الناحية الثانية فإن دراسة هذه الظواهر تؤكد دون شك أن اليمنيين عرفوا فن المسرح منذ زمن بعيد لا يعود كما يدعي البعض إلى القرن الثامن أو التاسع عشر بل إلى حضارة سبأ ودليل ذلك ما أكده – يوسف محمد عبد الله بعد اكتشاف المسرح الدائري بجوار سد مأرب ونقوش تثبت كيفية دخول الممثل. ولكن لا نكون مجازفين في أن اليمنيين عرفوا فن المسرح في القديم بمعناه العالمي، ولكن الظواهر المسرحية الشعبية اليمنية من أهم الأسباب التي مهدت للعقلية اليمنية فيما بعد تقبل هذا الفن إذ أن جمهورنا قد اعتاد من قبل لمشاهدة بعض المظاهر الأدائية التي يقوم بها الشاعر الشعبي والطقوس الدينية والقاص والراوي والحكواتي ليقرب المضمون في الأذهان. ((وهو عنصر يوفر للمستمع الاستمتاع بالرؤية والأداء التي يحدثها القاص أو الشاعر فيساعد على تقبل ما يسمع وكلها ساعدت على مفهوم المسرح في بيئتنا العربية وتقبلها في القرن التاسع عشر ))([2]) كما  يذكر عبد العزيز المقالح أن اليمانيين القدامى قد عرفوا نص المسرح بمعناه الحقيقي ومارسوه واستند إلى دليلين: أولاً: حضارة اليمن لابد أن تكون حضارة تكاملية الجوانب شأن كل الحضارات التي عرفتها البشرية وبصفة خاصة حضارات الشرق الأدنى والمصرية والبابلية والإغريقية.

((وجود أدلة مادية كثيرة تثبت أن المسرح وجد في اليمن كما وجد في أثينا وروما وأن شعراً ملحمياً على غرار الإلياذة والأوذسيه، كما وجدوا من الأشعار المنظومة ما يرجع تاريخها إلى ما قبل عشرين قرنا قبل الميلاد أي قبل أنجيليوس، وسوفوقليس ويوربيدس وأرستوفايس بخمسة عشرة قرنا كسفر أيوب»([3]) كما يرجحه المؤرخون أن شعبا مثل هذا لابد أن يكون له مسرح. بالإضافة إلى ((وجود المسرح الدائرة المطمور بجوار سد مأرب ويعود تاريخه إلى العصر السبئي والذي بني على غرار مسارح أثينا القديمة بكل مواصفاتها الفنية والمعمارية))([4])  حيث يفيد د. يوسف محمد عبد الله في إحدى أحاديثه العلمية ((بأنه قد تم الوقوف على تشريع يتعلق بالممثل ما له وما عليه من زمن حضارة سبأ.. فنستنتج من هذا بما أنه وجد المعمار للمسرح فإنه لابد أنه كان هناك نص لتجسيده على المسرح والنص بحاجة إلى ممثل وجوقة ومخرج (رئيس الجوقة) لإنتاج هذا العرض وعرضه، إذ كان هناك جمهور، يتم تقديم العروض المسرحية))([5]). إذاً نستنتج أن اليمنيين القدماء عرفوا فن المسرح، وتعد اليمن من الشعوب العريقة في حضارتها حيث تأسست الدعائم الرئيسية للحضارة اليمنية منذ وقت مبكر من التاريخ البشري عبر تطور اجتماعي واكب التطور المناخي الطبيعي والمحيط الجغرافي لليمن منذ ما يزيد عن 9000-4000 ألف سنة ق.م، العصر الباليوتيك، حيث أصبح من المؤكد أن الغزو الجليدي الثالث لم يشمل اليمن فيما شمله من الأرض، «ولذلك  (( فإن فترات الجفاف التي امتدت من اليمن أكثر من 10 آلاف سنة قد ساعدت في نشوء أول مجتمع بشري، فيما استفاد من انتظام الأمطار الموسمية ونمو الأحراج والغابات وجفاف المستنقعات في الزراعة وتربية الحيوانات وتدجينها وتصنيع مشتقاتها من أجل كيان أكثر استقراراً وازدهاراً))([6]) يرجع تاريخ الحضارة اليمنية إلى الألف العاشر قبل الميلاد وفي الألف التاسع ق.م وقد دلت نتائج التنقيب الأثرية على حقيقة هامة أشار إليها البروفسور “أدموند بوخنر” رئيس معهد الآثار الألماني في برلين حيث أدلى البروفسور بتصريح هام عام 1986(( إن اليمن من الأقطار الهامة للأبحاث الأثرية نظراً لوجود أقدم الحضارات فيها، وكان اعتقادنا في الماضي أن أقدم المراكز الحضارية في العالم هي مصر وبلاد الرافدين، أما الآن فقد أتضح أن اليمن من أقدم المراكز الحضارية في العالم”، أي بمعنى هذا أن اليمن من الأقدم في تاريخ الإنسانية، بل إن الهجرات التي انتقلت من اليمن إلى بلاد الرافدين ومصر في ذلك الزمن هي التي حملت مشعل الحضارة إلى تلك الآفاق».([7]) ففجر الحضارة اليمنية هو عصر حضارة عاد وقبائل الأمة الأولى من العرب العاربة، الساميين اليمانيين من 9000 ق.م إلى 5000 ق.م، وثانيها العصر الحضاري البرونزي اليعربي القحطاني 5000 ق.م إلى 3500 ق.م. وكما وصفهم ابن خلدون “أقدم الأمم من بعد قوم نوح وأعظمهم قدرة، وأول أجيال العرب من الخليقة فيما سمعناه لأن أخبار القرون الماضية من قبلهم يمتنع اطلاعنا عليها لتطاول الأحقاب ودروسها. ([8]))

( عادٌ هم بنو عاد بن عوص بن إرم بن سام، وكانت مواطنهم بأحقاف الرمل”، وقال “رمال الأحقاف بحضرموت وكانت مواطن عاد، وكانت حضرموت لعاد مع الشحر وعمان”، وقال ابن كثير “كانت عاد تسكن الأحقاف وهي جبال الرمال باليمن بين عمان وحضرموت في أرض مطلة على البحر يقال لها الشحر.

فعاد أقدم و أول حضارة في تاريخ الإنسانية بعد طوفان نوح (عليه السلام) ويدل على ذلك قول الله عز وجل في القرآن الكريم مخاطباً قوم عاد: ) أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَاذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } {الأعراف/69 :  ([9]).

فتاريخ اليمن عريق فقيام دولة اليمن اليعربية القحطانية وحضارة سبأ وحمير ومعين وقتبان وأوسان، أبو كرب أسعد، شرحبيل، ومعدي كرب، و التبع اليماني، والملكة بلقيس وسيف بن ذي يزن وغيرهم من مؤسسي الحضارة اليمنية، كان لهم الكثير و التأثير في الحضارة اليمنية والحضارات الأخرى ((ولهم من الطقوس الدينية والعادات والتقاليد التي كانت سائدة في اليمن القديم في بناية المعابد وتقديم الطقوس الدينية وتعدد الأساطير والخرافات والحكايات والأمثال والقصائد والأهازيج والفنون الكلامية والآداب الشفوية والتراث الشعبي)) ([10])، إنما تجعلنا في وقفة جادة لدراسة هذا التراث العريق القديم والجديد ووصفه موضوع دراسة لهذه الممارسات التي كان يمارسونها اليمنيون ونستطيع أن نضمها وندرسها ضمن الظواهر المسرحية فالمسرح ما هو إلا مرآة تعكس الواقع المعاش، وإذا كان المسرح الإغريقي في بداية ظهوره من الأساطير والمعتقدات الدينية اليونانية فنستطيع أن نقول أن لليمن أساطير ومعتقدات دينية عريقة قد تشكل نوع من أنواع المسرح، فما أكده أ.د. يوسف محمد عبد الله عالم الآثار: ((بأنه تم اكتشاف المسرح الدائري بجانب سد مأرب ووجود نقوش تؤكد كيفية دخول الممثل)).([11]). وبما أن هذا ليس موضوع بحثنا لدراسة التاريخ اليمني واثبات صحة المعلومات الواردة، إنما أردنا تقديم نبذة لهذه الحضارة، والحضارة لابد أن تكون تكاملية ولا يستبعد أن اليمنيين القدماء مارسوا المسرح، لكن تحت مسميات أخرى، وفي خلال إطلاعنا على المصادر التاريخية والمراجع للحضارة اليمنية القديمة والحديثة ممارسة اليمنيين عدة ظواهر مثل:

-           المعتقدات والطقوس والمعتقدات الدينية.

-           الاحتفالات الشعبية.

-           _العادات والتقاليد الشعبية

-           حلقات الشعر و الحكاية

-           فن الزوامل الشعبية

-           _فن المقامات

-           _فن الكركوس ( القرقوز ).

وسنتعرف على هذه الظواهر كل على حدة فيما يلي:

1-1-1 المعتقدات والطقوس الدينية

تحكي بعض الأساطير طابع ديني نجده في المجتمعات الريفية والبحرية في اليمن، والتي تعتبر أكثر تمسكا بالتقاليد التي يعود بعضها إلى عصور موغلة في القدم حين كان الأسلاف يعبدون الأفلاك السماوية والنجوم والقمر والشمس وغيرها، ويقدسون أرباباً محليين هم أقرب شبهاً بالأولياء، لها بقايا رواسب إلى يومنا هذا بسبب استمرار ممارسة بعض الطقوس والشعائر وتغليفها بغلاف الدين البديل ويعضها ليس من الدين في شيء، فقد كان الأوائل يقدمون القرابين والنذور لأربابهم وكهانهم ليمنحوهم البركة وليحصلوا على ما يتمنونه ولحماية أطفالهم من العين ولمساعدة الحوامل عند الوضع ولتسهيلات عمليات الغزو والهجوم والدفاع عندما تتأزم الأمور بين دولة وأخرى.(( وقد وجدت لوحة رخامية بالخط المسند لجنوب الجزيرة العربية يذكر فيها مقدم النذر أنه يهب جسمه وروحه وأولاده وممتلكاته وزوجته وكل ما يفكر فيه للآلهة “سين” وفي لوحة أخرى دون موظفان في قصر ملكي أنهما قدما سبعة تماثيل من ذهب بالنيابة عن ملك حضرموت “آل عزيلط” للآلهة “سن ))([12]).

كان البخور من لوازم الطقوس الدينية، واليمن مشهورة بالبخور، وكما ذكر المؤرخ والجغرافي اليوناني “بلاتيني” بقوله  أن قيمة البخور الدينية المقدسة تعتمد على طهارة الرجال الذين يجمعونه من أشجار اللبان (( «وكانوا يعتبرون مقدسين ولم يكن يستطيع أحد سواء كان السيد مالك الأرض بحسب النظام الطبقي في بلاد البخور ))([13])،  أ و المزارع أو الحاصد، سواء كان عبدا أو حرا،  لن يلمس شجرة اللبان إذا كانت طهارته قد نقضت بواسطة وجود امرأة أو ميت، وكانت روح الشجرة امرأة تحميها الثعابين المتقمصة أرواح الموتى، وإذا جمع اللبان بدون نجاسة فإنه يشكل وسيلة ذات أثر عظيم في القوس الدينية، «كما أن لعادة استعمال اللبان طرق معينة بالزوجي كان ينتفع بها في القصور العربية والبابلية كما ذكر “هيرودوتس وسترابو».([14]) كانت جنوب الجزيرة العربية تتكون من عدة دول هي: معين وسبأ وقتبان وحضرموت وأوسان وأخيرا حمير وبالإضافة إلى دويلات شبيهة بالمشيخات هي: تفيدوجيا ودثينة وسمعي وربعن والبون ومرائد، وقد اشتهرت جنوب الجزيرة بتجارتها الواسعة وحضارتها الذائعة الصيت حتى وصفت بأنها “أرابيا فيلكس” أي بلاد العرب السعيد ، وكان الناس يعبدون الأفلاك السماوية القمر وقرينته الشمس وابنها كوكب الزهرة وقبل أن تتحول هذه الدول إلى ممالك كان رئيس كل دولة يعرف بلقب مكرب “والذي يعني رئيس الكهنة «الذي كان يتمتع بسلطة دينية وسياسية. أي أنه كان رئيساً دينياً وملكاً دنيويا، وكان يعتبر الإله الأكبر للآلهة القمر بينما كان بقية أفراد الشعب الأبناء الصغار الذين كان خضوعهم للابن الأكبر خضوعاً للإله»([15]).

ومن النقوش التي تم اكتشافها حتى الآن أن الناس كانوا يرمزون إلى الإله القمر بقرني الوعل أو الثور لأنها أقرب شيء للهلال وكانوا يضعون القرنين فوق الأبواب الخارجية أو في أركان المنازل ويرسمون صور الهلال والشمس والنجم، منذ أقدم العصور وجدت الظواهر المسرحية عند الشعوب لأن الإنسان أراد أن يعبر عن نفسه وأن يبحث عن الغموض الذي بلغت الكون، فراح يبحث في البداية كيف يرضي الآلهة، ثم أصبح يفكر لاحقاً في طرق التسلية والاحتفالات بالمناسبات السعيدة وقد تطورت الظواهر المسرحية خصوصا عند الإغريق وشكلت بعد تطورها المسرحية اليونانية من تراجيديا وكوميديا ومأساة وأصبحت فيما بعد شكلاً درامياً. (( كان لليمنيين طقوس من رقص وغناء وإيقاع في إطار حركي له طابع احتفالي جماهيري عام ))([16]).أما في الحج في الجاهلية فكان له طقسه الخاص وتقليده في شهر ذي الحجة، وكان يتخلل الطواف الرقص كجزء من الطقوس التعبدية، فيقومون بالطواف وذبح الأضاحي للآلهة، وهذا التنوع في الحركة وما يرافقه من تطور وتغيير في التشكيل والإيقاع وفي نوعية الانفعال، هو من صلب العمل المسرحي. ولم يكن الرقص في الجاهلية للاحتفال الديني فحسب  ((كان أهل مكة والحجاز حين يحتفلون في مناسبة يحضرون الحبش للرقص والغناء وفي مناسبات مثل “استقبال كبار الوافدين يقدمون أصناف من اللهو حيث يخرج المفلسون بالسيوف والريحان وبالدفوف والغناء )). ([17])

وتعد الطقوس “vituals” وإن اقتربت للمجتمعات الأولى غير المتحضرة، فالمراسيم تبدو أنسب للمجتمعات المتحضرة، وهي على الرغم من صلتها الوثيقة بالمعتقد سواء كان دينياً أم متوارثاً عبر العصور والأجيال فإن ما يميزها عن المعتقدات أنها تكون مصحوبة بممارسات جماعية وأفعال وحركات وأغاني وألبسة تجعل منها ليست أفكارا.، والنقش الثاني (670، جام) باسم القيل (شرح وابنه مرثد بن سخيم أرباب قصر ريمان، اقبال يرسم… قدما صنما ذهبا، حمداً للإله المتعة لشفاء القيل شرح من مرض أصابه في ظفار، ومن أجل أن يستمر المقة (القمر) في حفظ بدن عبد هو (شرح) من كل بأس ونكاية ومرض ومن أجل أن يمنحها الإله ألمقة، حظوة ورضا ربهما ثاران يهنعم وابنه ملككري يهامن ملكي سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمانت ويسعدهم بالثمار والمحاصيل الهنيئة من وديانهم.(( النقش الثالث (677 جام) عن تجديد منشآت سد مأرب العظيم في عهد (ثاران وابنه ملككرب يهامن ملكي سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمانت )) ([18]) ملاحظة (جام، نقوش سبئية في محرم بلقيس، ألبرت جام، 669-671). وكان عامة العرب واليمنيين يزعمون أن “الله تعالى قد ملك الجن والشياطين والغيلان أن يتحول في أي صورة شاء إلا الغول خانتما تتحول في جميع صور المرأة ولباسها إلا رجليها فلابد أن تكونا رجلي حمار”.ذلك كانوا يعتقدون بالسعلاة، والرأي، والشق، والنسناس ونسر لقمان.، ومنذ العصور القديمة ونعني بها العصور الحجرية، عاش الإنسان على الصيد والقنص ظهرت طائفة الطقوس الدينية شحذها وإخراجها الفكر الأسطوري، (( كانت تهدف إلى تدعيم إرادة الإنسان وحثه على منازلة الكواسر وتحمل أخطارها والتصدي كذلك لأخطار الطبيعة باللامبالاة بها، ذلك أن وسائله البدائية لم تكن تستطيع أن توفر له الحماية الكافية فاتحة إلى معتقداته السحرية أو “تكتيكه الوهمي” والذي حام حول الحيوانات باعتبارها مصدراً لرزقه وقوته))([19]) ووقفة أمام ذاك، تلك الطقوس التي أداها الإنسان البدائي لفريسته المطلوبة، التي كان يقوم بها عند الصيد وكانت تبدأ بالتظاهر من قبله ومجموعته بالحزن معتقداً بذلك أنه يخدعه ويموه عليه، فينشب الحربة أو السهم في جسد الحيوان ثم تتقاسمه المجموعة حتى أصبح التظاهر بالحزن حزنا حقيقيا عندما ارتقى الحيوان إلى مرتبة الآلهة. وقد قام الإنسان بالعقائد السحرية بالطقوس السحرية تتناول كل ما يتعلق باصطياد الحيوان وذبحه. (فخداع الإنسان البدائي للحيوان، إنما تمثيل لتقمص شخصية الإنسان المخادع في المسرح الحديث لإقناع الحيوان بالحزن لكي يتم اصطياده)، فرقى الإنسان واستبداله الآلهة الحيوانية بآلهة نباتية وظهرت طقوس سحرية جديدة للحصول على المطر، كلما تعددت متطلبات الإنسان لتحسين مستوى حياته ((تعددت وتنوعت الطقوس والمعتقدات السحرية، ومع الزمن انحصر سحره في يد تلك الجماعة التي أوهمت الآخرين أنها تستطيع أن تضع الخير والشر لغيرها أن كانت بداية غير شريرة، وهي صنع الخير للإنسان نفسه صاحب الفكرة ومبدعها )) [20]) ارتبط السحر بالإنتاج الأسطوري وبالشعر وبالرقص الإيمائي وكانت الكلمة المنغمة تضرعاً الآلهة المذبوحة أو في الطقوس الأسمى تضرعاً للرياح حتى لا تعصف بالمحاصيل أو للمطر حتى يسقط فتنمو الغلال أو للغلال حتى تتفتح وتزهر، إذن فقد رافقت الزراعة طقوس سحرية جديدة معدة لإخصاب الأرض والثمر، فكل هذه الطقوس والرقصات والإيماءات إنما نستطيع أن نعتبرها شكل منه أشكال المسرح فالإيماء يولد الحركة والحركة تولد الفعل على خشبة المسرح  (( أن الفن والمسرح ظهرا مع الإنسان والمسرح ما هو إلا مرآة تعكس الواقع المعاش.)) ([21])

يعد فن الدراما والمسرح كما تشير جميع الاجتهادات قد تطور تدريجيا من أغنية تقليدية ورقصة مصحوبتان بطقوس دينية، وكما يقول الأستاذ حسين رامز محمد رضاء نظرتين دراميتين عن نوع وهدف الطقوس الدينية المصحوبة برقص وغناء واستعمال الأقنعة.

فالأول يرى بداية الدراما من الطقوس الدينية التي كانت تحتفل بانتصار قوة الحياة على الموت، كذلك الاحتفالات بالسنة الجديدة على السنة القديمة ، فإذا كان للإغريق طقوس دينية فكان للعرب طقوس دينية كسواهم من الأمم كانوا يمارسونها عند آلهتهم لعبادتها ويتقربون لها، فإن اليمنيين بشكل خاص عرفوا مختلف الديانات وتعدد الآلهة من منطقة لأخرى في قبائل اليمن القديمة وتحت مسميات أخرى ولكن تتفق في الغرض نفسه للعبادة فكانت آلهة القمر تسمى بعدة مسميات فعبد اليمنيون القدماء (الكواكب والنجوم والقمر والشمس في العصور القديمة) وكانت تقدم طقوس كما تقدم الطقوس للأمم الأخرى، كالرقص، والغناء، الإيقاع والدعاء، يقام في إطار حركي له طابع احتفالي جماهيري عام ، ورد في الأدب للألوسي (( أن عابديَّ القمر اتخذوا الإله صنماً على شكل عجل وبيده يضم جوهرة ويعبدونه ويسجدون له ويتقربون منه ويقدموا القرابين ويصومون له أياماً معلومة من كل شهر ثم يأتون له بالطعام والشراب والفرح والسرور، فإذا فرغوا من الأكل بدؤوا بالرقص والغناء وأصوات المعازف بين يديه **.([22]) ولا زال بعض هذا الفن الشعبي (الفلكلور اليمني طقوس احتفالية كرقصة السيوف التي تمارس حتى اليوم وكذلك رقصة النسر وغيرها). ، ومن الواضح أن اليمنيين في العصور القديمة مارسوا أشكالا احتفالية وطقسية متعددة كالصلوات والأدعية والشعائر الدينية والرقص والموسيقى وكلها وسائل يعبر عما يجيش في نفوسهم من رغبات وميول وعادات وتقاليد وطباع تحمل ملامح مسرحية، ففي الأصل قام المسرح من أبسط صوره كوسيلة للتعبير عن الدراما الإنسانية الناجمة عن المواجهة بين الإنسان والقوى الطبيعية الإعجازية التي يصعب فهمها وتفسيرها. وفضلا عن السيطرة عليها والتحكم فيها وإخضاعها لرغباته ومصالحه، وكثير من الشعائر الدينية وممارسة الطقوس التي تتضمن الملامح والعناصر المسرحية، تدور حول محاكاة الأحداث التي يراد وقوعها وحدوثها بالفعل وبالطريقة التي تقدم بها أثناء هذه العروض ذات طابع ديني.

1-1-2 – الاحتفالات الشعبية

المسرح اليمني له جذور ضاربة في القدم، ولم يكن ذلك المسرح الذي يمتلك مقومات المسرح المتكامل عليه في البلدان المتقدمة، إلا أن شكلاً من أشكال المحاكاة والحوار الشخصي ظهر قبل مئات السنين وظل يمارس إلى وقت قريب في كثير من مدن وقرى اليمن، ارتبط هذا الشكل المسرحي البدائي الذي كان يقدم بالفطرة وبلا إلمام سابق بأصول وقواعد المسرح في العالم، ارتبط ظهوره بمختلف المناسبات والاحتفالات الشعبية التي كانت تقام في مدن واليمن وقراها منذ مئات السنين مثل ((الأعياد وحفلات الزواج والختان والصلح بين القبائل وفي مواسم الحصاد والاجتماعات العامة… والراعي والذئب، الجمل البحري، أمير العيد، والجارية ..إلخ )) ([23]).ومن أشكال المسرح الشعبي الذي كان ظهوره وانتشاره في مدن وقرى شمال اليمن بالذات (مسبقا) كانت ترتجل العديد من العروض المسرحية مثل “الراعي والراعية” و “علي بن الجارية” و”بنت صين الصين”، و “بنت التاجر وابن الملك”، و العجوز الكاهنة””….الخ، وكانت العروض تمثل الحيوانات المختلفة والمخلوقات الخرافية يتقمص أشكالها وأزياءها أشخاص ليرمزوا إليها من خلال تقديم القصص الخرافية والغيبية “كالصياد والعظروط” و “العفريت والتولقة”، ونجد جذور هذه العروض البدائية في قصة سيف بن ذي يزن وغيرها من القصص الشعبي والخرافات والأساطير اليمنية، ((كان الكثير من هذه العروض يقدم مصحوباً بالرقص الجماعي بين الرجال والنساء، وتمثل بعض الحكايات مصحوبة بمشاهد راقصة مثل “الراعي والراعية، وبهية ورقصة المشقر))([24]). وتعد رقصة المشقر (هي رقصة للعروس تقدم أول يوم بالريحان والمشقر والشذاب مع العروس ومجموعة من النساء ولازالت سائدة في بعض القرى اليمنية إلى حد الآن) وهناك نوع آخر من الفن اشتهر في اليمن هو ((الزوامل والحال والقافية والرقصات الجماعية ورقصات في الليالي المقمرة وأيام الأعياد، فالحال يعد عادة في اليمن))([25]) عند التقاء القبائل لصلح أو لدراسة مشاكلها أو الصلح بين شخصين متخاصمين فالذي يكون له الحق يذهب الآخر إليه بعد التحكيم وقبول الحكم من الذي له الحق، يذهب الشخص الآخر مع مجموعة من قبيلته لتسريح الحكم الذي حكم عليه فيكون (كبش أو ثور..الخ) حسب الخطأ الذي ارتكبه الشخص المعتدي على الآخر مع والطبول والأهازيج (الزامل) فيقال الحال عند وصولهم وتقابل القبيلتين في صفوف يخرج شخص بإلقاء الحال، أبيات من الشعر ثم يخرج الشخص الآخر يرد عليه، في جو من التوتر أولا وبعد تنفيذ الحكم تحصل الفرجة ورقصات شعبية من كلا القبيلتين وقد يستطيع صاحب الحق العفو وإرجاع الحكم وإذا كانت بمقدرته استضافة القبيلتين وذبح ذبائح من لديه لتكتمل الفرحة ثم يجلسون، في جو من الفرحة والسرور لما فيها من حوار والصلح بين الأفراد والقبائل، وقد يقال الحال في خلال التقاء القبائل بتشاور في أمر ما، أو نجدة مظلوم…الخ. هذا بالإضافة إلى ألوان أخرى من الفن الشعبي ظهرت في عدة مناطق أخرى من إذا صحت نسبتها إلى المسرح مثل “المدرهة” (الأرجوحة) (( تقام بمناسبة سفر الحجاج إلى بيت الله الحرام…هذا اللون يقدم بكلمات خاصة تغنى بأسلوب المطرحة والترجيع أمام حشد من النساء في الحارة، وتستمر لليالٍ طويلة حتى تحين عودة الحجاج، وكذاك الرجال يلتقي الرجال مع ممارسة البرع (نوع من الرقص الشعبي) ثم المدرهة حتى أواخر الليل ويكون هذا في ليالي الأعياد ))([26]). أما إذا مات أو قتل في الطريق، فإن أخشاب الأرجوحة تنزع وتدفن في مشهد تمثيلي مأساوي مهيب….وفي الاحتفالات التي تقام بمناسبة عودة المهاجرين تقدم التمثيليات والأناشيد والأغاني ويؤدي التمثلية القصيرة ثلاثة أشخاص أو أقل حسب الحاجة. وللقبائل اليمنية من الأعراف والتقاليد في احتفالاتهم ما تتضمن ما يشبه هذا النشاط الفني المتنوع، فعندما يتجهون لصد غارة، أو لإصلاح أرض جرفتها السيول أو لمساعدة منكوب أو محتاج يلتقون في مكان يسمى (الصراخ) وفيه تلقى كلمات حول موضوع الاجتماع ويتم تبادل الآراء وانتخاب العُقَّال من بين الحاضرين من ذوي الرأي لتدارس الموضوع والبت فيه وتوزيع المهام على بطون القبائل مهما كانت المهام سلمية أو حربية، ويجري ذلك في احتفال استعراضي أشبه ما يكون بعمل مسرحي محكم البناء، وللأولاد الصغار أهازيجهم وأناشيدهم الخاصة التي تمتاز بالانتظام، كما أن احتفالاتهم الموسمية تشمل عروضاً فنية ذات نصوص مكتوبة وحركاتٍ مدروسة منها عروض “المفتاح والنجار وماء عدة، وفسيخ الإله، وشاطر شطير الطير، و الشبريزه”.. وغيرها، ومن عروضهم الفنية أيضاً ما يمثل الإمام أو الحاكم أو العامل أو الشيخ ويتعرض للدولة وجنودها وأجهزتها القضائية والإدارية. وكانت الأزياء التي يرتدونها لتمثيل هذه الشخصيات مصنوعة من الأقمشة والقراطيس (القرطاس هو مادة بلاستيكية ساشي) ومن الصفائح المعدنية ويضعون الآلات الموسيقية والسيوف والخناجر لتمثيل مشهد الحرب وغيرها، وللبنات كذلك وسائلهن في تمثيل المشاهد المختلفة في حفلات الأعراس وغيرها.

1-1-3 العادات والتقاليد الشعبية:

يروي الباحثون في المأثورات أن العادات هي الجانب السلوكي من الفلكلور في مقابل الأدب وفنون التشكيل وغيرها، باعتبارها الجانب الفكري أو الفني، وإن كانوا لا يرون الفصل بين الجانبين، لأن ذلك سيؤدي إلى غموض في فهم الفلكور باعتباره ظاهرة إنسانية متكاملة. فالعادات والتقاليد ظاهرة أساسية من ظواهر الحياة الاجتماعية الإنسانية وهي “حقيقية أصيلة من حقائق الوجود الاجتماعي وتصادفها في كل مجتمع تؤدي الكثير من الوظائف الاجتماعية الهامة، عند الشعوب البدائية كما عند الشعوب المتقدمة، وتصنف العادات والتقاليد الشعبية البدائية إلى ثلاثة أقسام هي« (ميلاد، وزواج، ووفاة) ثم الأعياد والمناسبات المرتبطة بدورة العام ثم الفرد في المجتمع المحلي». ([27]) وبالإشارة إلى كل قسم مما سبق ففي الولادة كانت هناك عادة تقام أولاً للصغار بعد الولادة ووضع القَيِّم (إمام الجامع) يده في يد الطفل اليمني وهي عادة قديمة منتشرة إلى حد ما في أحيائنا، حيث يعتقد  الآباء عن تمنياتهم لمواليدهم بالثقافة والذكاء، أو الآذان في أذن الطفل لكي يكون مسلم على الفطرة لسماعه الآذان ((تسود الفرحة عند العائلة اليمنية وما يقام في اليوم السابع من احتفال تحظر فيه النسوة وكذلك مراسيم الختان وعزومة الفال للسماح لهم بختان الطفل وذبح الذبائح في جو بهيج بين العائلة)).([28]) وفيما يتعلق بالزواج وعاداته لقد رصدت عادات الزواج عند تزويج أبناء القرية لبناتها، لأن أهل القرية لا يزوجون غريباً مهما بذل من مال أو العتاد (كما رفض أحد الجدود بتزويج ابنته بالقائد الحبشي..)، وهذه عادات كانت سائدة في كثير من القرى اليمنية ومازالت إلى حد ما حتى اليوم قبل التمدن والوعي الثقافي، وما ينتج من هذه العادة من صراع ومشاكل وحروب، فالتزاوج كان حسب الطبقات الاجتماعية، وعدم تزويج الأعلى للأدنى نسباً، ورصدت رواية “عذراء الجبل” استنكار “الحاج ناجي” إقدام “قاسم” على طلب ابنته صفية للزواج.([29]) ففي حفلة العروس ومجلس المقيل عند العريس وما يحتوي المجلس وما يدور فيه وما يدور بين العرسان، وما يشترط عليه دفعه من مال للعروس من مهور ووقت كشف وجهها، وذلك عادات استقبال العروس بذبح كبش ووضع الدم المناسب على رأس المذبوح، وتتناول امرأة مسنة شيئا من الدم ومسح ساقي العروس وهذه العادات قديمة، فهذه العادات والأفراح إنما تعطينا شيء من الفرجة المسرحية والاستمتاع وترويح عن النفس ولكن ليس بالمعنى المسرحي الحديث بل نستطيع أن نقول شكلاً (ظاهرة) مسرحية. فعلاقة الفرد اليمني بالمجتمع فهي قوية لما يتميز اليمن بترابط أسري والنعرة القبلية للتزاور فيما بينهم، وعادات (التحكيم) وهذه عادة سائدة إلى الآن  عند اختلاف شخص مع شخص آخر أو قبيلة مع قبيلة وذلك برضى الطرف الآخر بما يحكم به المحكم. أما في الموت فهناك عادات ومراسيم للموت والحداد ولباس الأسود يوحي لنا بجو جنائزي مهيب.، ارتبط التاريخ الطقسي الديني بمظاهر احتفالية تنوعت أساليبها وأشكالها لتتناسب مع طبيعة الواقع الاجتماعي حيث ((كانت تمارس عن طريق شعائر دينية وطقسية تتعلق بالآلهة وطرق العبادة تصاحبها أصوات الطبول والغناء وإلقاء الأشعار على شكل حلقة كبيرة يتوسطها (الملقي) أو أكثر من شخص فيبدأ الرقص بمصاحبة الأدعية والشعائر التي تتعلق بالعمل اليومي أو الاحتفال بالمناسبات والأعياد الدينية))([30])  (فكان هذا الشكل الاحتفالي يحمل طابعا أو معلما مسرحيا يخضع لنظام أقرب أن يكون فنيا من حيث الصياغة النثرية، وطريقة التقدم أو ما يصطلح على تسميته اليوم (بالعرض المسرحي) لذلك تعددت طرق الصياغة والتقدم في بلورة ملامح مسرحية خاصة بالاحتفالات اليمنية القديمة ومنها الطريقة الصوفية التي تشابهت مع ما كان يقدم في العراق ومصر وسوريا والمغرب العربي وفلسطين وبعض الدول العربية والتي كانت تقدم بطريقة التراتيل المأساوية التي انفصلت عن الغناء، أما الرقص الشعبي والتمثيل الارتجالي و(البانتومايم) فقد توارثه أهل اليمن منذ العهود السبئية والحميرية وقد يكون طرأ عليها بعض التعديل والتغيير حيث ارتبطت هذه الاحتفالات بحياة اليمنيين عبر موروثاتهم وفي أزمنة متعاقبة أو مختلفة حددتها حياتهم المعيشية والظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية والنفسية، فكانت تقدم المشاهد التمثيلية على وفق قصة لها بداية ووسط ونهاية يجتمع الأهالي في مساحة كبيرة أعدت خصيصا لهذا الغرض يتجاذب أطراف التمثيلية أفراد أعدوا لتمثيلها بمصاحبة بعض المكملات المسرحية كالأقنعة وجلود الحيوانات ومن هذه التمثيليات (الراعي والذئب و الذئب والجمل البحري) وغيرها، حيث تمثل شخصياتها بواعث نفسية فتبدوا التمثيلية حاملة لمقومات البنية المسرحية التي تشتمل على عناصرها))([31])  الأساسية وهي صياغة الحوار والموضوع والممثلون ومكان العرض والجمهور. أما الزوامل الشعبية فتعتبر من أهم فنون أدب الشعب اليمني الذي يرجع تاريخه إلى القرن الثامن الميلادي إبان الغزو الروماني لليمن حيث اللغة الشعبية ذات القافية التي تهز النفوس والفزع ومقاومة العدو وتعددت تسميات الزوامل ومنها زوامل الحرب والقتال وإنقاذ المستغيث التي اختلفت في المحتوى والمضمون، وهناك زوامل الترحيب والاستقبال وزوامل العادات الشعبية “وهي مستقاة من واقع النسيج الاجتماعي والعادات المتعلقة بالكرم والجود والإيثار والنخوة فضلاً عن ارتباط الزوامل بالأحداث السياسية والاجتماعية والتي احتوت على حوارات شعرية بين طرفين تلقى بإيقاعات معينة حملت أبعاد أو ملامح مسرحية اكتملت فيها اللغة والحركة والإيماءات الصامتة والعفوية.

فالحكايات والأساطير الدينية هي نوع من أنواع الأدب الشعبي اليمني ((عبرت بأسلوب بسيط عن حياة القرويين ومشاعرهم وهمومهم وعاداتهم المختلفة حيث اختلفت موضوعاتها فتناولت الشرف والأرض والحب والمرأة، والنماذج البشرية المختلفة كالمغامرات والبطولات، والتضحية وصراع الإنسان مع الآلهة، والخير والشر، فهذه الأساطير قابلة للتمسرح كالأساطير اليونانية))([32])ففي منتصف القرن الماضي ظهر في المناطق اليمنية الساحلية نوع من الحكايات جمع بين الواقع والخيال أطلق اليمنيون على تسميته (المخبر) الذي كان يسرد الحكايات في الميادين العامة والمقاهي فكانت حكاياته مستوحاة من الماضي أو من نسج خياله ينشد إنباء الناس بقصة ذات بنية مسرحية كاملة وتسلسل منطقي للأحداث يقترب من خلالها إلى الواقع اليومي المعاش وما يستظل به الناس من أحداث اجتماعية أو سياسية، ((كان الحكواتي أو المخبر يمتلك قدرة واسعة للسيطرة على المتلقين بتنوع قافيته وحفظه الأمثال الشعبية والأساطير واللهجات المتعددة، فعندما يسرد قصته في الحديدة مثلاً (ولاية) يتحدث باللهجة التهامية أو بلهجة أهل المدينة وإذا انتقل إلى مدينة تعز تحدث باللهجة التعزية وهكذا )) ([33]).

أما الحوار في الأدب الشعبي اليمني فيمتاز بعاميته وفصاحته وله ملامح درامية حيث يؤكد طه حسين “أن أول من ابتدع هذا النوع من الشعر التمثيلي هو وضاح اليمن” وقصيدته الغزلية الحوارية في معشوقته (روضة) التي صورت الأبعاد النفسية لكل من وضاح اليمن وروضة.

قالت: ألا تلجنَّ دارنا
قلتُ: فإني طالبٌ غرةً
قالت: فإنَّ القصرَ من دونِنا

إن أبانا رجلٌ غائرُ
 منه وسيفي صارمٌ باترُ
قلتُ: فإني فوقه ظاهرُ([34])

 

فالحوار لكل من وضاح وروضة يحمل تأثيرا واضحا لشخصية وضاح وروضة والذي حمل وظيفة درامية تبين البعد الإنساني الذي يحمل معاني التضحية والشجاعة والإقدام  من أجل الحب….

أما الحوار الشعري فلم تكن المعلقات وحدها والقصائد والملاحم الشعرية هي التي عرفت الحوار المسرحي التمثيلي في الأدب الشعبي اليمني وإنما كان للنثر نصيب فيه كما في النص الذي يحمل عنوان (أصوات من السماء) ((فظهور الحوار الشعري والنثري هو ظهور لبنية ألوان وصنوف الأدب الشعبي اليمني القديم والذي توفرت فيه بعض المقومات الدرامية، وللمكان المسرحي ارتباطاً ويقال بالبنية النصية وهذا ما نجده في البناء المعماري للمسرح الدائري المطمور في جانب سد مأرب الذي يعود تاريخه إلى العصر السبئي الذي بني على غرار المسرح الإغريقي)) ([35]) الحكاية الشعبية لها وظائف فهي الوعظ والتعليم وبث قيمة أخلاقية كما في الحكايات الخرافية وباقي الحكايات العامة حيث تنحصر أهم القيم التعليمية الأخلاقية التي تحاول الحكايات الشعبية بثها في مكافأة الخير بخير، ومعاقبة الشر بشر تلك الوظيفة التي كانت محور الدراما في العصور الوسطى.

((الوظيفة النفسية للحكاية الشعبية حيث يجد فيها الإنسان متنفساً له من كل أنواع الضغوط الاجتماعية، حيث تتوارى الأهداف البعيدة المكبوتة في اللاشعور خلف الحكاية، فتبرز تلك المشاعر الدفينة التي عمل التطور الحضاري على تحريمها، ومنع الفرد من مزاولتها وتبرز في الحكاية الشعبية شخوص الحكاية الوهمية، لكي تحدث في نفس المتلقي التنفس المطلوب، وهي قريبة من التطهير الأرسطي للدراما([36]).

ومن جهة أخرى تساعد الحكايات الشعبية على تحقيق الرغبات الفردية للإنسان كالهروب من ظروف بيئته، وحدوده البيولوجية، ففي وطأة الإحساس بالقيد الزماني والمكاني يحاول الإنسان في الحكاية أن يكتسب لنفسه قدرة جديدة على تحطيم هذا القيد والانطلاق من أسر الزمان والمكان ويخضع الإنسان في تلقيه لهذه الوظيفة الميكانيزم التوحيد النفسي ((هو شبيه بالتوحيد مع شخصيات وأبطال عالم الدراما، والذي عند الاتصال تتم من خلاله تحقيق الإيهام الكامل أو التوحد مع العمل الدرامي وشخصياته)).([37]) فتمثل الحكاية على عناصر عدة منها التشويق والخيال والمتعة والإثارة والحبكة وغير ذلك من العناصر التي تتكون منها الحكاية لإثارة المتلقي.

1-1-4 حلقات الشعر والحكاية:

يعد كتاب التيجان، لوهب بن منبه وكذلك كتاب مجالس عبيد بن شربه الجرهمي، فالأول يحكي قصة ملوك اليمن في قالب روائي نجد فيه الجذور الأولى لفكرة “الملاح- التائه” و”روميو وجولييت” و “أرض العماليق”، و”الأقزام وحكايات الإسكندر ذي القرنيين والخضر وغيرهم من المعالم الهامة لتاريخ الدولة التي كانت محيطة بالجزيرة العربية واليمن من ربطها بتاريخ العرب وأحوال أمتهم منذ نوح والخليل إبراهيم عليهما السلام، أما الثاني فهو عبارة عن محاضر الجلسات التي كان عقدها معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ليستمع فيها إلى قصص “عبير بن شرية الجرهمي” عن ملوك اليمن الأقدمين وأخبار الأمم السابقة كان له ولع خاص بذلك، فالمسعودي يروي عن معاوية أنه كان يستمر إلى ثلث الليل، وبعد ذلك يقعد مرة أخرى سماع أخبار العرب وأيامها والعجم وملوكها ثم ينام ثلث الليل الثاني وبعد ذلك يقعد مرة أخرى لسماع سير الملوك وأخبارها والحروب والمكايد وطريق سياسة الناس. وقد أشار عليه عمرو بن العاص رضي الله عنه ((بأن في اليمن راوياً ممتازاً لتلك الأقاصيص فلم يدخر وسعاً في استدعائه والاستماع إليه مع ترتيب عبيد يدونون كل ما يصدر منه فكان نتيجة ذلك الكتاب المذكور )). ([38])

فكما وجدت شخصية الراوي قديماً في المسرح اليوناني منذ القرن السادس قبل الميلاد ظهر قانون يشترط تلاوة أشعار هوميروس بواسطة مجموعات متعاقبة من رواة الشعر في الأعياد الأثينية التي تجري كل أربع سنوات (( إن الراوي شخصية مسرحية عرفت منذ القدم وقد استمر دور الراوي في المسرح في العصور الوسطى)) ([39])، ووصولاً إلى العصر الحديث، وشخصية الراوي في أدبنا العربي واليمني خاصة شخصية نمطية وجدت قديماً، ونستطيع أن نعثر في أدبنا اليمني على نماذج تشبه مقطوعات المحاكاة وهي الحكايات الشعبية وهي لا تختلف كثيراً عن مضمون المحاكاة الحديثة، والتي تتضمن أسلوب المحادثة والحوار كما أنها تقلد في أجزاء منها أنماط مختلفة من الشخصيات (العرب في العصر العباسي مثلاً) فالراوي حين يروي ويقص سير الأبطال والحكايات الشعبية والأساطير حيث أنه جرت العادة على أن ينشد الرواة الحكايات الشعبية في الساحات العامة وفي المقاهي لإمتاع الجماهير وأحياناً تعد وظيفة الراوي من وسائل الاحتفالات في المناسبات الدينية كالموالد، وفي المناسبات الاجتماعية كالاحتفالات بالزواج أو الختان أو ولادة الأبناء. وأن ((الراوي يتناول في سرده الكل ويقتصر على حكاية الماضي وحده ويظهر في صورة حكيم يستعرض الأحداث في هدوء وتدبر ويهدف في أسلوبه إلى تهدئة السامعين حتى ينصتوا إليه ويطلبوا الإنصات عن طيب خاطر كما أنه يوزع الاهتمام عليهم بالتساوي ويتقدم إلى الأمام وإلى الخلف حسبما يشاء لإثارة الموضوع وجلب الجماهير )).([40]) وكما هو معروف عن اليمن بحضارتها ووجود المادة الخام من الأساطير والملاحم والحكايات الشعبية (( كانت مادة خام للقاصين تسردها في الشوارع وفي المجمعات السكانية والتجارية ولاشتهار اليمن بالتجارة في التاريخ وفي قصور الملوك وغيرها..)). ([41]) فنستنتج أن اليمنيين مارسوا هذا الشكل من الفن كشكل مسرحي ليس بمعنى المسرح الحديث ولكن توفرت فيه خصلة أو صفة من المسرح الحديث وهي شخصية الراوي وحركاته والنص الذي يستند إليه وكذلك الارتجال في النص، أما من ناحية الجمهور فتتحقق له المتعة والإضحاك والتأثر والشفقة وأخذ موقف معين من إزاء الشخصية الشريرة. و كل هذه التأثيرات قد يحققها الممثل في العصر الحديث من ناحية التأثير على الجمهور وجلبه وإمتاعه لإيصال رسالته الفنية ومعايشته مع الشخصية المسرحية في تقمص الممثل لدوره لأي شخصية ما. ، فكان هؤلاء القاصُّون يتمتعوا بطلاقة اللسان وخفة الحركة في الأداء والتغيير في نبرات الصوت لتصوير الموقف وإقناع الجمهور بما يلقى عليه من سيرة بن هلال، امرئ القيس والحروب الأولى والأوس والخزرج ومواقف الأبطال في هذه الحروب، والافتخار بالقبيلة وفرسانها وتصوير الموقف البطولي في المعارك والافتخار بالأنساب  ((احتفالاتهم بزيارة قبور الأولياء وقبر ابن علوان وقبر حسان الشاذلي وغيرهم..)). ([42]) فكان للقاصين خيال بارع لرسم هذه المواقف وشد الجمهور للاستماع إليهم وإمتاعهم، ويعتبر هذا من وظيفة المسرح الحديث هي (الإمتاع، التربية، الإضحاك…) فتوفرت أحد هذه الصفات في هذا الشكل المسرحي ألا وهو في شخصية الراوي والتي تكون بمثابة الممثل الواحد (منلوج- ميلودراما)، فتطور هذا في المسرح الحديث في تطوير بنية النص المسرحي العالمي فاختلفت وظيفة دور الراوي وكيفية بناء الشخصية المسرحية فنياً وأدائياً فاستخدام بريخت* مثلاً للراوي في مسرحياته الملحمية يختلف عن غيره من الكتاب الذين يستخدمون الراوي في أعمالهم.

1-1-5 الزوامل الشعبية:

تعد الزوامل الشعبية من أهم فنون الأدب الشعبي اليمني، ومنها ما هي معروفة القائل وقائلها يسمى( البدّاع ) وهو يبتدع الزامل، ويكون هذا المبدع واحداً، أي يبتدع الزامل بمفرده، وقد يكون أكثر من شخص واحد يبتدعون زاملاً واحداً، وأغلب الزوامل التي نشأت في البيئة القبلية اليمنية، وهي ما تعرف عن أحوال الشعب من أفراح ومن خير وشر ومن أخلاق وقيم ومن سلوك اجتماعي ومن أهداف وتطلعات وغير ذلك، والسؤال المطروح متى وكيف نشأت هذه الزوامل وما أصلها؟.

يمكن الإجابة على هذا السؤال كما يقول الكاتب حسين الأسمر (( أن نشأة فن الزوامل ترجع إلى القرن الثالث الميلادي إبان الغزو الروماني على اليمن بقيادة “اكتوفيوس” المشار إليه و “فيانوس” أما أصل الزوامل فيرجع إلى أصل خرافي))([43]). وحول هذا يقول عبد الله البردّوني في كتابه “فنون الأدب الشعبي في اليمن” (( «روى المعمرون أن بعض القبائل فرت في سنة “فيانوس” إلى كهوف الجبال خوفاً من هجوم المعتدي وفي هداة الليل سمعت أصوات جهيرة كثيرة العدد بديعة تردد باللغة الشعبية “الزامل” يهز النفوس ويرنح قامة الصمت وعندما أصغت إليه القبائل حفظت ذلك الزامل: وهو كالتالي:

قبح الله وجهك يـا ذليـل      عـاد بعد الحرايب عافيـة

عند نسب الحرايب ما نميـل    بـاتجيك العلـوم الشافيـة ([44])                                                     

فكانت تسمع أصوات الزاملين فتثير الفزع، فخرجت القبائل المختبئة من مخبئها فلا ترى أحداً فتسمع أصواتا وضجيجا وتشاهد أمواج الغبار، فتأكد المختبئون من اشتعال الحرب بين الجان فيهيجهم ذلك الزامل فاجتّذوا الخوف واندفعوا لمقاومة العدو، فكلمة “زامل” وجمعها “زوامل” تعني العد أو الكثرة في الأصوات أو الاختلاف من عدة أصوات يشكل نغماً وإيقاعاً متميزا، له جرس موسيقي خاص به، وقد يكون “الزامل” من بيت واحد من الشعر العامي أو الفصيح وقد يكون بيتين أو أكثر، وأغلب “الزوامل” لا تتعدى أربعة أبيات شعرية بثمانية أسطر، ومن المعروف أن فن الزوامل توارثته الأجيال اليمنية جيل بعد جيل، وأغلبية الزوامل المشهورة في اليمن مجهولة المؤلف، وتختلف طريقة وأسلوب أدائها من قرية إلى قرية ومن قبيلة إلى أخرى، فهناك زوامل سريعة الحركة، قصيرة النفس، عند الأداء خصوصاً، وفي زوامل الحرب والحث على القتال وكذلك عند إنقاذ المستغيث، وهناك زوامل للصلح فيما بين الأفراد فيما يحصل عندهم من شجارات، وزوامل صلح بين القبائل وتلاقيهم لأمر ما، ((فأنتقلت الزوامل إلى الجزيرة العربية عن طريق اليمن في حوالي (200) سنة قبل الهجرة الإسلامية ودون على الحجارة والجلود )) ([45]).

فتختلف الزوامل من زامل لآخر حسب الذي يقال فيه الزامل، فمهدت أعمال الشعراء بطريقة هذا الزامل إخماد فتن كبيرة بين أشعارهم الطريق أمام المصالحة ونبذ الخلاف وقضايا الثأر وساعدت على ترسيخ المعاهدات، والمواثيق، وهذه جوانب إنسانية تستحق الاهتمام بها، في قضايا الناس وهمومهم وقضايا الساعة، أشادت بالقبائل وبالكرم، وبالترحيب بالضيف وفي الزواج، والحث على القتال، وإنقاذ المستغيث مثل:

بـارق برق من عندكم     واسقي في البلايد عندنا

غض القنـا من عندكم     و القاطفين من عندنـا ([46])

وهناك زوامل تمتاز بأداؤها  البطي في الحركة وطويلا في النفس مثل:

وحنا لا عدينا فالعدو منكوس      يا محلى صغر والمجاري فوق جعد الروس

ومثلما تختلف الزوامل الشعبية اليمنية في طريقة الأداء والنطق سرعة وبطئاً وصعوداً وهبوطاً، تختلف أيضاً في المحتوى والمضمون، وإذا لاحظنا طريقة آدائها والحركات التي تصاحب الزوامل، فإننا نجد أنفسنا أمام ملمح مسرحي آخر، ينبع من العادات الشعبية اليمنية وما يشمل عليه من حوار شعري ممتع ومعبر عن الحالة المراد تعبيرها بطريقة نغم خاص، وإيقاعات مميزة تعبر بوضوح وببساطة عن محتوى الزامل، وموضوعه وترتفع إلى مستوى الحدث، عندما يجتمع أناس وأهل القرى تلبية لأية مناسبة.

1-1-6 فـن المقامـات:

تعد المقامات أحد الأجناس الأدبية السردية المطعمة أحياناً بالشعر التي تميز بها أدبنا العربي، وهي نوع من القصص الخيالية، تبنى على الشخصيات والأحداث والخطب والحوارات، تصاغ بلغة جميلة، والمقامات كما وصفها بديع الزمان الهمذاني المتوفى سنة 398 هـ، تحتوي على شيخ يقوم بدور البطل، وراوي يحكي لنا مغامرات ذلك الشيخ الذي يبرز دائماً، كرجل ذكي وذي إطلاع أدبي واسع، لكنه يختار ((الكدية (أي التكسب بالجملة والكلام البليغ) للحصول على المال، والتسهيل للوصول إلى مآربه، ويصحب معه غلام أو فتاة وحيله)) ([47]).فالمقامة تكون قصة قصيرة مسجوعة، وحكاية بليغة، ينقلها الراوي من صنع خيال الكاتب، يتكرر في جميع المقامات، بصورة وكأنه قد عاش أحداثها، لها بطل إنساني مشرد شاذ ظريف ذو أسلوب بارع وروح خفيفة، يتقمص في كل مرة شخصية معينة، يضحك الناس أو يبكيهم أو يبهرهم ليخدعهم وينال من أموالهم.ومن مقامات بديع الزمان الهمذاني “المقامة الحلوانية”([48])، وبعد أن توفي بديع الزمان الهمداني بحوالي مائة عام وضع القاسم بن علي الحريري (446-516 هـ) خمسين مقامة فاقت شهرتها مقامات بديع الزمان الهمذاني وتعد أفضل نموذج لهذا الجنس في اللغة العربية «بما تحتويه المقامة من ألغاز وحيل لغوية»([49])، فتأثر الكتاب العرب بفن مقامات بديع الزمان والحريري كابن الصيقل والجزري صاحب (مقانات الزينية) وناصيف اليازجي مؤلف (مجمع البحرين) ومنهم من تحرر عن القواعد التي وضعها بديع الزمان الهمذاني، فمثلا الزمخشري لم يضع رواياً أو شيخاً كما اختفت مقامات (الكدية) التي تعد من أهم العناصر المميزة في المقامة، وبذل أقصى جهده من أجل إبراز قدرتهم البلاغية من خلال التزام السجع واستخدام البديع. ، ففي اليمن اكتشف أهل الأدب فن المقامة في وقت مبكر ((نتيجة لإعجابهم الشديد بمقامات الحريري، فقام بعضهم كالأديب علي بن علي الحضرمي، محمد بن أبي القاسم الحباني، بإفراد مجلدات عدة لشرحه))([50]). كما ألف الكتاب اليمنيون مقامات عدة يعود تاريخها إلى 1250 عام فيقول يحيى محمد سيف في كتابه “أعلام الأدب والفن المسرحي في اليمن” (( تعد المقامات الحوارية التي تعددت أسمائها (كالمحاورة، والمفاخرة، والمساجلة) التي تزخر بها المكتبة اليمنية ويرجع تاريخ البعض منها إلى أكثر من 1250 عاما كما يذكر الحبشي))([51])، ومنها:

1-    إفراط الذهب بين الروضة وبير الغرب: لمؤلفه عبد الله بن علي الوزير المتوفي 147هـ/728م.

2-    الزقاق المنفوخ في مناظرة الحية والجوخ. ([52])

3-    مغامرة بين الرفاق بين القهوة والقات والتنباك: للأديب محمد العنسي المتوفى عام 1770م. ([53])

4-    مفاخرة بين القات والقهوة لمؤلفها السيد عبد الهادي السوري وعلي بن عمر الشاذلي. ([54])

وغيرها من المقامات. وكما تؤكد المصادر بأن الأديب سعد بن سعيد المنجوي هو أول من كتب المقامات في اليمن وذلك في منتصف القرن السابع للهجرة، إلا أن مقاماته الخمسة والعشرين، والتي ذكرها با مخرمة في كتابه (تاريخ ثغر عدن) ومنذ ذلك الحين ألف الأدباء اليمنيون كثيراً من المقامات ذات القيمة الأدبية الرفيعة، إلا أن معظمها ظلت محبوسة للأسف في دار المخطوطات والمكتبات وقد تفضل الباحث عبد الله محمد الحبشي في عام 1984م بجمع أربعة وعشرين مقامة لكتاب يمنيين مختلفين ونشرها في كتاب أسماه (مقامات من الأدب اليمني) عام 1987م، فأشتهرت بعض المقامات اليمنية منها (المقامات النظرية ذات الألفاظ الجوهرية) لمؤلفها اليمني أبو بكر بن محسن با عبود ونهج الذي وصفه كما في مقامات بديع الزمان الهمداني، طبعت مقامات با عبود ولأول مرة في مجلة الحكمة عام 1990م أربع مقامات فقط، ويستطيع القارئ من خلالها التعرف على معظم السمات المميزة لمقامات با عبود (( مع العلم بأنه ولد با عبود في القرن الحادي عشر للهجرة في بلدة بور الواقعة بين مدينتي سبئون وتريم في وادي حضرموت، سافر إلى الهند في سن مبكرة واستقر في مبناسورت الذي يقع شمال مدينة بمباي، وأنهى هناك تأليف “المقامات النظرية ذات الألفاظ الجوهرية” عام 1128هـ )) ([55])

فعناصر المقامة تكون كالتالي:

1-              فكرة قضية اجتماعية يطرحها الأديب ويناقشها عبر مقامته.

2-              المكان والزمان.

3-              الشخصيات وأهمها الراوية أو الراوية والبطل (البطل لا يظهر في جميع المقامات بعكس الراوية) هذا بالإضافة إلى شخصيات أخرى.

4-              أحداث تكشف عن مضمون المقامة.

5-              الاختلاف في الأداء اللغوي، بين رقة وعذوبة، تعقيد وخشونة.

مقامة (وصف الدنيا) للأديب أحمد بن محمد المحضار: تصور هذه المقامة ما جرى لسائح يمني أثناء اغترابه في الهند، وجاوة، ومصر، وتركيا، تجسد ظروفه بأسلوب رمزي، فيصور المؤلف “الدنيا” في شخص امرأة عجوز عاش يهتم بها العشاق، لكنهم فشلوا بالزواج منها، وذلك لأنها تطلب خمس جواهر مهراً لها… وكما يتضح من خلال المقامة أن الجواهر الخمس لم يكن المقصود بها سوى الدين، والحياء، والعقل، والمروءة، والنسب، وفي ختام المقامة تجد العجوز عاشقاً يوفر لها صفات الجواهر تلك ما عدى واحدة ولم يوضح لنا الكاتب سبب عدم الحصول عليها))([56]).

((كما نجد في المقامة الحوارية (سلافه العدس وزهرة البلس) والتي اكتشفت في ديوان الشاعر اليمني «علي بن حسين الخفاجي المتوفى سنة 1180 هـ- 1760))([57])،  والذي يصف فيها المؤلف حال المجتمع بحس اجتماعي مرهف، وتحتوي هذه المقامة 96 بيتاً باللهجة المحلية، يصور مجتمع النساء والمشاجرات ولاسيما العجائز والفتيات تجسيد رمزي صراع بين الحديث والقديم.

وفي الخاتم لا يسعني إلا أن أقول بأن الأدب والفن اليمني عرف فن المقامة، وألف الكتاب اليمنيون العديد من المقامات اليمنية التي عالجت الأوضاع الاجتماعية اليمنية في ذلك العصر، شعراً ونثراً، ومارسوها تطبيقاً كبقية الشعوب العربية الأخرى.

1-1-7 _ فـن الكركوس (القرقوز):

 كان للمسرح اليمني نصيب من مسرح العرائس ولكنه لم يدخل اليمن بشكله المنظور اليوم، إلا أن بعض ملامحه كانت توجد بشكل بدائي في مسرح حنبص “الكركوس” وجمعها “كراكيس” حيث كانت تعرض بعض العرائس من خلف ستار صغير يلعب بها الفنان “حنبص” بأصابعه ويحركها كيفما أراد مصاحباً حركتها ببعض العبارات التي كان يمثلها بصوته المتلون وبموهبته الفطرية. فعرف اليمنيون مسرحية “السيد حنبص” فيجدر بنا أن نقدم خلفية عنها قبل شرح موضوعها لتوضيح المضمون الذي تهدف إليه من وراء اتخاذها لهذا العنوان أو الاسم، حنبص- شخصية اشتهرت في اليمن وبالأخص في محافظة (عدن) كان صاحبها يمتلك كل الوسائل التمثيلية والترفيهية وقد عرف حنبص هذا (أو حميص) في أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعينات وكان يستخدم وسائل مسرحية بدائية ويمارسها بطريقة ارتجالية أمام عامة الناس في الشارع أو في الموالد والمناسبات (الزيارات) كان حنبص يحمل أدواته على ظهره ويتجول بها في أماكن التجمع في الشوارع والأسواق وكانت هذه الأدوات بما يسمى (بصندوق الدنيا) أو شيئاً مصغراً لمسرح خيال الظل….كان حنبص يضفي عليها بشخصيته البارعة وموهبته الفطرية رونقاً يلفت إليه الأنظار وحيثما كان يعرض (بضاعته) كان يحصل على أجر زهيد يدفعه الناس الذين يتجمهرون أو يتجمعون من حوله لمشاهدة العرض…وكثير ما اشتهر بتقديم نمر المحاكاة أو التقليد للشخصيات الأخرى من أقوالها وأفعالها لإضحاك الآخرين ونقدهم على حد سواء. فتطبع بها فنه وراجت زمناً جعلت منه شخصية معروفة للكبار والصغار في كل حي وشارع، هذا المسرح الجوال الذي أوجده حنبص في مدينة عدن كما يذكرنا مع الفارق بمسرح “تيسيس الايكاوي” عند الإغريق…وبمختلف أشكال وأنواع المسرح الجوال في مصر ودول المغرب العربي وبعض الدول العربية والهند وغيرها وبالإضافة إلى مسرح حنبص الجوال أوجد حنبص أيضا ما عرف بمسرح “الكركوس” وبطله حنبص…، والكركوس كلمة لا تستبعد مأخوذة من الأراجوز “القرقوز” وهي في الأصل كلمة تركية…ثم تطور هذا الفن ليصبح فيما بعد ما هو معروف الآن بمسرح العرائس.، وكان حنبص يعرض فنه هذا “فن مسرح الكركوس” داخل سرادق يبنى خصيصا في مناسبات الزيارة (الموالد) والأعياد، ويحظى بالإقبال والنجاح والرواج…ومع هذا النجاح والرواج لهذا الشكل المسرحي (( أصبحت شخصية الكركوس بالمقابل شخصية شهيرة جداً أو معروفة. وهكذا أصبح صاحبها لما كان هذا النوع من المسرح ساخراً وتهكمياً فقد تطورت كلمة “كركوس” في أذهان الناس وصارت تعني البهلوان، وتطلق على أي شخصية يراد السخرية منها، واشتقت منها كلمة “الكركسة” والفعل “يتكركس” أي “يتبهذل” أو يظهر من الأفعال ما يستوجب السخرية منه))([58]) .

1-2    نشأة المسرح اليمني الحديث و روّاده:

اليمن كغيرها من البلدان العربية لم تعرف التمثيل المسرحي بالمعنى المتعارف عليه إلا في بداية القرن العشرين فإنها ربما تكون قبل ذلك بقرون قد عرفت التأليف المسرحي مسجلة بذلك سبقاً على جميع البلدان العربية، ويرجع التاريخ بقرون كما سنأتي على ذكر ذلك لاحقاً، (( ويرجع تاريخ أول نص مسرحي مكتوب إلى منتصف القرن السادس عشر الميلادي ))([59]). كما يروي الأستاذ عمر عوض بامطرف في مؤلفاته ومخطوطه عن الهجرة اليمنية للشيخ الفقيه عبد الله بن عمر بامخرمة. وسنذكر ذلك لاحقاً، فقد بدأ ظهور المسرح اليمني في اليمن عام 1904 على يد فرقة تمثيل هندية قدمت إلى عدن برئاسة شخص يدعى (جملت شاه) مصطحبة عدداً من الموسيقيين والمغنيين والممثلين وكذلك عدد كبير من الحيوانات الأليفة والطيور كالطاووس والحمام والعصافير المغردة والملونة، فالعلاقة التي كانت تربط بين اليمن والهند أدت إلى ظهور المسرح في اليمن على يد فرقة هندية استمر بعده على يد فرق هندية أخرى، فكانت عدن مستعمرة من الاستعمار البريطاني (جنوب اليمن سابقا) وكانت الهند مستعمرة كذلك من الاستعمار البريطاني وكانت عدن (جنوب اليمن) تتبع الهند مالياً وإدارياً يسري عليها ما يسري على الهند من أنظمة وقوانين يسنها المستعمر حتى كانت العملة في عدن (الروبية) الهندية، وهذه الظروف ((جعلت الصلة وثيقة بين البلدين وعلى اتصال دائم ومستمر كاد أن يصل إلى حد الاندماج وكانت الجالية الهندية من أكبر الجاليات في عدن، فأثرت وتأثرت، ومن السهل أن تتقارب الأمزجة والأذواق وأن يؤدي هذا التأثير المتبادل إلى تشكيل ذوق عام أو يمكن وصفه بأنه إحساس مشترك إن جاز التعبير)).([60]) وبما أن المسرح الهندي عريق وظهوره قديم فنستنتج بأنه أثر على ظهور المسرح اليمني قبل هذا التاريخ وعرضت عروض مسرحية قبل 1904 على أيدي فرق هندية وذلك لإشباع احتياجات الجالية الهندية في اليمن لتقديم لها ألواناً من الفنون فلم تكن ظروف تلك الأيام تسمح بأدائها محلياً بالاعتماد على أبناء المنطقة أنفسهم، ومن نتائجها الإيجابية أنها حفزت أهالي المنطقة بعد ذلك على تكوين فرقهم المسرحية الفنية الخاصة بهم، والمضي قدماً نحو إيجاد مسرح يمني يلبي احتياجاتهم بالاعتماد على النفس، وهكذا كانت فرقة (جملت شاه) المسرحية الفنية ((تعد أول فرقة فنية تدخل عدن حسب المصادر التي تم الرجوع إليها عام   1904))([61])، كما أسلفنا، وكانت في طريق عودتها من إفريقيا لتقديم عروض فنية هناك، فاستقبلت الجالية الهندية الموجودة في مدينة عدن الفرقة وأقامت لها مسرحاً خاصاً في بناية اشتهرت فيما بعد باسم (سينما مستر حمود) في منطقة القطيع بكريتر – أمام نادي التنس، قدمت الفرقة مسرحية تاريخية باللغة الهندية ((نالت الإعجاب الشديد من جمهور المشاهدين، الذين أذهلهم أن يروا أمامهم قصراً من قصور مهرجانات الهند الفخمة البناء البديعة التنسيق، كما أذهلهم أن يشاهدوا حديقة بأشجارها الباسقة وورودها المتفتحة وطيورها المغردة على أغصان الشجر، وعندما انتهت المسرحية باحتفال السلطان بنصره على خصمه في الحرب ، فحلقت الطيور فوق رؤوس المشاهدين فزاد ذلك من غبطتهم وإعجابهم، وجعلهم يتلهفون إلى مشاهدة المزيد من هذه العروض المسرحية، فحاول المطربون اليمنيون مع عازفين هنود بوجود فريق واتخذوا لهم مقراً بجوار المعبد شارع البورصة في كريتر، ثم أتت فرقة مسرحية هندية عام 1908 بعد انقطاع لمدة ثلاثة أعوام وجلبت معها كثير من لوازم المسرح من ستائر ومناظر متعددة ومصابيح إضاءة وقناع (وجه مستعار) وملابس وغير ذلك من لوازم المسرح، وكانت الفرقة تتكون من الرجال فقط وأقامت لها مسرحاً في بناية (قهوجي) المعروفة في شارع القطيع لكريتر وعرفت باسم (الناتك) في ذلك التاريخ وسميت بعد ذلك بالمسرح الملكي، وقدمت مسرحيتين بعنوان (خذاه حق) أي (الله حق) والثانية باسم (شيرى وفرهاد) وهي تشبه مسرحية (قيس وليلى) (أو روميو وجولييت) والتي تنتهي وهما جالسان كل منهما في قبره وعليهما حلتان كأنهما من حلل الجنة وتتشابك أيديهما بأعذب الألفاظ والمعاني عن حبهما وتمجيد لإخلاصهما، هكذا قال المسرحي محمد عبد الله الصائغ وهو من رجال المسرح القدامى. وعلى هذا الأساس ((فإن نشأة المسرح اليمني الحقيقية لم تتحقق إلا في عام 1910م عندما تكون (أول فريق يمني للتمثيل في عدن))([62]) بطلب الحكومة ويعرضه على جمهور المشاهدين لمسرحية  ( بوليس قيصر) للكاتب الإنجليزي الشهير شكسبير على مسرح صغير أقيم في ميدان التنس في كريتر كتمثيل وعرض به ممثلون يمنيون بداية تاريخ المسرح اليمني الحديث ومثلت باللغة العربية، وقد ظل المسرح اليمني في البداية معتمداً على المسرحيات الأجنبية المترجمة الهندية منها والإنجليزية، نظراً لاستعمارها لليمن (جنوبا) في ذلك الوقت، وبعد ذلك تطور إلى إعداد الروايات العربية التاريخية للمسرح ((أول فريق من الشباب وكان أحد أعضائه المؤرخ عبد الله يعقوب، وقدم الفريق عدد من المسرحيات القصيرة الإنجليزية وكانت أشهر مسرحية قدمها الفريق باللغة العربية “روميو وجولييت” لوليم شكسبير*)) ([63]) وفي عام 1914 اشتعلت نيران الحرب العالمية الأولى فركد النشاط المسرحي وتكون فريق مسرحي آخر قدم مسرحية (شهداء الغرام) لنجيب حداد، ونالت المسرحية كثيراً من الاستحسان، ومنذ ذلك الحين اشتد إقبال الشباب على المسرح وبدؤوا في تكوين الفرق المسرحية، لأنهم وجدوا في المسرح الترفيه والتسلية لقتل الفراغ والانطلاق من قيود الاستعمار والحالة الاجتماعية البائسة، وبدؤوا في وسيلة التثقيف للمجتمع وبدأ عصر المسرح ومهمته في المجتمع لإيصال رسالة وترفيه المجتمع اليمني ثم ركد المسرح مع الحرب العالمية الأولى حتى عام 1967 تكون فريق مسرحي برئاسة (محمد أحمد حيدرة ))([64]) الذي قدم مسرحية (مصارع الآباء) وهي مسرحية تعالج العلاقة بين الأبناء والآباء وتصور النتائج السيئة في قسوة الآباء على الأبناء والنتائج المترتبة من ذلك للحفاظ على الأسرة اليمنية من التفكك نظراً للظروف القاسية التي تمر بها الأسرة اليمنية، وتكونت فرق غير دائمة للمناسبات الاجتماعية وأكثر ما تكون في رمضان لوجود الجميع في الليالي متسعاً للسهر والتمرين لحفظ الأدوار وأدائها حتى يأتي العيد أحيت الفرق أسبوعاً مسرحياً لم يركد المسرح لمدة شهرين حتى عيد الأضحى، الذي تتبعه (زيارة الهاشمي) في خامس أيام العيد([65]) وفي عام 1926-1930 تكونت عدد من الفرق المسرحية وقدمت عروض مسرحية نالت الإعجاب والمعارضة نظراً لجهالة بعض الأشخاص للتحريض على المسرح نظراً لخروج الممثلين بشخصيات النساء مثلاً في مسرحية (صلاح الدين الأيوبي) عام 1929 وقذفوهم في العرض الثاني بالحجارة ولكن الإنتاج المسرحي كان ضعيفاً لا يتعدى مسرحيتين في العام. فكانت مسرحية (صلاح الدين الأيوبي) لمحمد علي عثمان تشجيعية وتحفيزية للتعبير عن مشاعر الشعب واتجاهاته السياسية ضد المستعمر يقبلها في كل حفلة من حفلاتها واستمرت تقدم عرضين في الأسبوع لمدة أربعة عشر أسبوعاً.و بداية العشرينات عرفت الفصول الهزلية على المسرح ولعل الكثيرين من المسنين يذكرون الفصول الهزلية التي قدمها كوميديا عدن الشهيران آنذاك (عبد القادر صالح، وعبده عكبار سعيد) ويذكرون نكتة (حوج يا حيدرة) النكتة التي عاشت بعد سنين طويلة ومازالت ترددها الألسن كلما جاءت مناسبة للغمز على المنافق والكذاب في مدينة (الشحر) وبرز مهرج ساخر يدعى (ابن دحمان) قدم عروض في الحفلات التي يقيمها السلاطين عروضاً ضاحكة للترفيه ليحصل على بعض المال وكسب مودتهم، وقدمت مسرحتين هما (فتاة الغار، عجائب الأقدار) في كريتر عام 1922م فريق من الممثلين بقيادة (عبد الله الصائغ) الذي اعتكف زمناً يقرأ روايات (جورجي زيدان) وقدم مسرحية (وفاء العرب) والتي نالت نجاحاً لم تحققه أية مسرحية من قبل ((عرضت أكثر من سبعة أسابيع في العام. وكان نجاح فريق الصائغ شجع كثيراً من الفرق الفنية أبرزها فريق بقيادة حسين السوقي الذي قدم مسرحيتي (مجنون ليلى، وفتاة الأندلس) لجورجي زيدان بين عام 1933-1934م ونجح في إظهار عدد من الممثلين الشباب)) ([66]). ففي عام 1933 إذ اعتمدت العروض في ذلك الوقت على المسرحيات التاريخية والغرامية  ((نظراً لعزول الشعب في ذلك الوقت من الأمة العربية ووجود المستعمر والحكم الأمامي الظالم))([67]). وكان يوجد في المسرحيات الغرامية ترويح عن النفس والافتخار بأمجاد الماضي وحب الانتماء وقوة الصبر وبشاعة الظلم، وكانت لغة الكثير من المسرحيات العربية شعراً أو نثراً مسجوعاً، والتي كانت اللغة السائدة عند غالبية الكتاب مما يفسر لنا شدة إقباله في تلك الفترة من حياته على قراءة الكتب التاريخية والروايات التي تشد الشعب إلى ماضيه (( كسيف بن ذي يزن، وعنترة بن شداد، وأبي زيد الهلالي والتي كانت تخلق لديه متنفساً في وجدانه في الشجاعة والإقدام والكفاح)).([68])  وبعد عام 1934 تكونت عدة فرق مسرحية كالفريق الكشفي وفريق نادي الصباغين، كذلك فرقة العروبة للتمثيل، الفرقة القومية للتمثيل عام 1940، فرقة التمثيل العدنية غير المحدودة في مارس 1943م، فريق مسرحي في مدرسة بازرعة عام 1944(كريتر)، هيئة لجنة التمثيل بقيادة المخرج المسرحي محمد عبده الرقمي، وهي امتداد لفرقة الصباغين. فرقة الخور (في حي الصيادين) لرئاسة سالم مقر، الهيئة العربية للتمثيل التي أسسها علي صالح مسيبلي في عام 1958م، فرقة المصافي الكوميدية في الخمسينات، فرقة هيئة الفنون والتمثيل عام 1961م ومن مؤسسيها محمود أربد وعبد العزيز يوسف خان ومحمود حمزي وغيرها من الفرق المسرحية التي ظهرت في هذه الفترة )).([69]كان للمسرح المدرسي دور في المسرح ففي العقد الأول من هذا القرن (1330هـ/1913م) خلال آخر سنوات الاحتلال التركي لشمال اليمن وذلك بعد عودة بعض اليمنيين إلى ما كان يعرف بالاستانة “اسطنبول” حيث حاول هؤلاء مع بداية افتتاح المدارس في اليمن أن (( قدموا بعض التمثيليات ليؤديها طلبة المدارس ويعرضونها في احتفالاتهم على الناس ولكن هذه التجربة لم تلقى بالترحيب نظراً لقساوة الحكم الإمامي (شمال اليمن) فأجهضت قبل أن تترك أثراً يذكر في مسيرة المسرح اليمني. وكل ما قدم تمثيليات تصور بعض الأحداث الإسلامية البارزة ولا نستطيع أن نثبت تفاصيل نشاطات تلك المرحلة فيكون مستحيلاً لعدم تدوينها.))([70]) وعلى هذا الأساس يمكن القول أن نشأة المسرح المدرسي الحقيقي من (شمال اليمن) في مطلع الأربعينات من هذا القرن العشرين وبالذات في العاصمة صنعاء وفي مدينتي تعز و الحديدة، وكان للمدرسين السوريين والمصريين والفلسطينيين والعراقيين دور كبير في إنشاء المسرح المدرسي، وبرغم ظهور المسرح في تلك المدن لكنه ظل مقصوراً على المناسبات ولم يذكر شيء عن وجود نشاط مسرحي جماهيري خارج الإطار المدرسي في ذلك الوقت، ويرجع هذا الغياب التام للحركة الفنية عموماً والنشاط المسرحي الجماهيري بشكل خاص إلى السيطرة الرجعية الكهنوتية للحكم الإمامي المستبد الذي عمد إلى خنق الكلمة الصريحة والنقد البناء و((حرم التجمع الشعبي ومنع أي شكل من أشكال النشاط الاجتماعي أو الفني خوفاً من انتشار الوعي بين صفوف الجماهير وتلاشي ظلام الجهل الذي عمل على تعميقه وتثبيته كأساس للحفاظ على سلطته)).([71]) ومن النشاطات المسرحية المدرسية يروي لنا الأستاذ عبد المجيد القاضي، وهو أحد الكتاب المسرحيين والأدباء المعروفين “أنه قد شارك وهو في التاسعة من عمره في عام 1939 في مشهد مسرحي فكاهي قدم في مدينة تعز في تلك السنة بميدان “الصرفي” وقدمته المدرسة المتوكلية الابتدائية (مدرسة الإرشاد) وقد لعب الأستاذ القاضي دور “الأعمى” في ذلك المشهد التمثيلي الذي أخرجه الشيخ أحمد محمد النعمان مدير المدرسة. وكانت هذه المدرسة تشارك في الأعياد والمناسبات بتقديم عروض مسرحية مقتبسة عن سير أعلام العرب والبطولات الإسلامية ولاسيما تلك التي تمجد بطولات الأئمة العلويين وعلى رأسهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبحضور الإمام أحمد الذي كان ولياً للعهد آنذاك ((كان بعض الوعاظ من الفقهاء يعمدون إلى اللجوء إلى أسلوب التمثيل عند إلقاء بعض مواعظهم الهامة في ميدان الصرفي بتعز. وكان الواعظ يخرج إلى الميدان ويلتم حوله الناس في انتظار موعظته يكلف أتباعه بأن يمثل دور زيد بن علي وآخر دور الحسين بن علي…وهكذا)).  ([72])أما بالنسبة للصحابة والخلفاء والشخصيات الإسلامية الأخرى يأتي الفقيه أو الواعظ (الراوي) إليهم أما للثناء عليهم وعلى أعمالهم الحسنة، أو لمحاكمتهم على أخطائهم وسيئاتهم ليقضي به قضاء. ((كانت تقدم التمثيليات في الاحتفالات وعند انتهاء العام الدراسي بمواضيع التاريخ والأساطير وألف ليلة وليلة والأحداث البارزة في التاريخ والإسلامي ومختلف الطرائف العربية والأساطير الشعبية والخرافات السائدة.)) ([73]) كما كان أحد رواد المسرح المدرسي مثل (أحمد المروني، حسين المقدمي، زيد عنان، البراق، عبد المجيد القاضي، والشاعر والكاتب المسرحي محمد الشرفي وغيرهم) ويقول  عبد العزيز المقالح “أتذكر (( أنه في نفس تلك الفترة أي الأربعينات والخمسينات، أعد لأول مرة مسرح حقيقي بساحة([74]) المدرسة الثانوية بصنعاء توفرت للمسرح عناصر التجهيز من خشبة وستائر وديكور…الخ، وقد مثلنا عليه العديد من التمثيليات أشهرها “طارق بن زياد”، التي ظلت حديث الناس لفترة طويلة وفي حارتنا في باب شعوب قدمنا العديد من العروض والمسرحية المأخوذة من الأساطير التي تتحدث عن الحيوانات والجان والسحرة والعجائب…وكانت تلقى الإعجاب، وكنت أشاهد هذه العروض في حارة “الفليحي”، كما وجد هذا النشاط المسرحي في كل من الحديدة وتعز، أي مسرح الحارة في تلك الفترة)). حيث كان أولاد بعض حارات المدن الرئيسية وأغلبهم من تلاميذ المدارس يجتمعون ويتفقون على تقديم بعض العروض المسرحية أو الفواصل التمثيلية لأهالي الحارة، وكانت تحضى بالإقبال من الأهالي برغم براءتها، ولم يكن الريف بعيداً عن مثل هذه النشاطات المسرحية البدائية فكانت تشهد في كل عيد أضحى خاصة بعض التمثيليات التي تصور العادات والتقاليد أو تصور بعض الحيوانات ومنها تمثيلية (السعلة) أو الجمل، ويقول علي بن علي صبره (( أن طلبة المدرسة الشتوية بصنعاء عرضوا عرضاً مسرحياً بعنوان “غزوة اليرموك” وحققت نجاحا كبيرا، ولبسوا الملابس الفرنجية وغيرها من جمالية العرض))([75]). فقدمت المدارس عدة عروض مسرحية في الأربعينات على مدى عشر سنوات منذ 1947 العديد من المسرحيات نذكر منها: غزوة اليرموك، فتح القادسية، انتصار العرب وهزيمة الفرس، صلاح الدين الأيوبي، فتح الأندلس (قدمت بمناسبة دخول الإمام صنعاء)، طارق بن زياد، موسى بن نصير، صقر قريش، موسى والخضر، حلاق بغداد العرندس، جابر عثرات الكرام، مصرع كيلوباترا، وقصة جحا وحماره، عبد الرحمان الناصر، أبو موسى الهادي، يوسف الصديق، وحاتم الطائي، المروءة والوفاء، شهامة العرب، وبلاد الأحقاف، ليلة العيد، وأم القرى، انتصار العدالة، الأمين والمأمون، رجل الوهام، سقوط غرناطة، الجريح، هاملت، أوديب، إسلام عمر، اليرموك، العدالة، السيد، حمامه….الخ، فجميع هذه المسرحيات وغيرها عرضت في الأربعينات والخمسينات منها لكتاب يمنيين وعرب أجانب (( فمنها المشبعة بالقيم والمثل العربية ومنها اجتماعية انتقاديه مزج أصحابها بين الجانب السياسي والاجتماعي، وكوميدية مفعمة بالتلميحات النقدية التي تمثل رغبات الجمهور ومنها المرتجلة ذات الطابع الخطابي الوعظي والذي يرى أحد النقاد بأنها من الأعمال المسرحية التي تتوفر فيها شروط البناء الدرامي من حيث الشخصيات والحدث وفق الظرف التاريخي الذي ظهرت فيه)).([76]) ويقول الدكتور عبد العزيز المقالح “كان عيب المسرح المدرسي أنه كان مجرد أداة تنبيه ولفت نظر إلى فن المسرح وعيبه أنه موسمي يقام في المناسبات المختلفة في أغلبه، ومع ذلك فقد كان يحاول باجتهاد أن يربي أذواق الناس ويعودهم على تقبل المسرح ويعمل على خلق حس مسرحي ولو في أضيق الحدود، ويقول عبد الله البردوني الشاعر والأديب اليمني الكبير في كتابه “قضايا يمنية” في فصل بعنوان “المفترقات في خطنا الفكري” أنه لم يكد يمضي عامان وبعض العام على بداية الخمسينات حتى بدأت الثقافة اليمنية ترتدي ألواناً مغايرة، فقد بدأت الخمسينات تخصب بالحس الثوري، أو بأصداء الثائرين…وأطلت براعم جديدة من المحاولات الفنية فبدأت المسرحيات التاريخية تشارك القصائد الشعرية أو تحل محلها، وقد نشأت المسرحيات في المدارس الثانوية، والأعياد وليس لها علاقة بموضوع المناسبة فهي مستمدة من التاريخ ((كان الفن يبرهن على عراك في النفوس ينفس عنه الصراع الوهمي على الخشبة، ومن جهة ثانية أن مجتمعنا بدأ بمسرح ذهني، ويميل إلى الفن الحواري المبسط، بدلا من الشعر المركب ولو نمت تلك البذرة بدون انقطاع لكان مسرحنا على حال أفضل، لأن هذه البداية كانت فاتحة المسرح في كل العواصم العربية تقريبا)).([77]) ومن هنا نستنتج أن مسرحنا  اليمني أو المدرسي كان في نضال مستمر ضد المستعمر البريطاني وقسوته وقهره أو ضد الحكم الإمامي الظالم المستبد لقمع حرية الكلمة والتعبير عنه ((إن مسرحنا مر بعدة ظروف ومراحل حسب الظروف السياسية والتاريخية))([78]) للبلاد وأجاد في دوره حسب الكم الهائل من العروض المسرحية التي عرضت وذكرناها سابقاً سواء كانت التاريخية أو الاجتماعية لنقد الظلم والاستبداد من المستعمر الغاشم أو الحكم الإمامي الظالم وأعطى دوره في تثقيف المجتمع وترفيهه والتشبث بقيمه وتاريخيه مستمداً من تاريخ أبطاله وأجداده وغرس الروح الثورية في المجتمع من أجل الاستقلال والثورة.

1-2-1 النص المسرحي اليمني:

يمكن أن نطلق على بداية ظهور النص المسرحي في بداية وجود المسرح وظهوره 1910، لأول عرض مسرحي يمني بشخصيات يمنية لفرقة التمثيل في عدن بمسرحية “بوليس قيصر”، أما فيما يتعلق بالتأليف (( فقد سبق هذه الولادة بقرون كما يروي بعض المهتمين كما نشأ من العصر السبئي ))([79]).

خيل لبعض الأدباء المحدثين أن وضاح اليمن* قد استكشف الشعر التمثيلي،وإليك هذه الأبيات التي تروي لنا الحوار لكي ينطلق لخيالنا لنضيفها على خشبة المسرح ، لتجسيد هذا الموقف الدرامي ونضع الشخصية الأخرى التي في مجلس الشاعر سيكون هناك موقف درامي رائع وخلق الجو المناسب لهذا الموقف الدرامي (( يكون فيه الخوف والحب والشجاعة ليتفوق الحب على أي شيء في الحياة ))([80]).

قالت: ألا لا تَلجـَنَّ دارنـَا     إنّ أبانـــا رجّـلٌ غائـرُ

قلت: فإنـّي طالـبٌ غـرّةً     منه وسيفـي صـارمٌ باتـرُ

قالت: فإنّ القصرَ من دُوننـا     قلتُ: فإنّـي فوقـَه ظاهـرُ

قالت : فإنّ البحرَ من دوُنِنا     قلتُ: فإنّـي سابـحٌ ماهـرُ

قالت : فحَولي  إخوةٌ سبعـةٌ     قلـتُ: فإنّي غالـبٌ قاهـرُ

قالت : فليثٌ رابـضٌ بيننَـا     قلـتُ: فإنّـي أسـدٌ عاقـرُ

قالت : فإنّ اللهَ مـن فوقِنـَا     قلتُ: فربّـي راحـمٌ غافـرُ

قالت: لقـد أعيتنـا حُجّـة    فَأتِ إذا  مـا هَجـع السامـرُ

فـاسقُط علينا كسقُوط الذي    ليلـةَ لا نــاهٍ ولا زاجــرُ([81])

هذه أبيات من شعر وضاح اليمن (( فتن الأدباء الحديثون وقالوا عنه مخترع الشعر التمثيلي إلى جانب تراثنا الأدبي القديم، ونسوا أن الحوار ليس هو التمثيل، بل هو أصل مادة التمثيل التي يتعامل معها الممثل ويجسدها على الخشبة)).([82]) كما عرف اليمنيون التأليف المسرحي قبل ظهور المسرح اليمني الحديث بقرون كما سيأتي ذكر ذلك، ويرجع تاريخ أول نص مسرحي مكتوب إلى القرن منتصف السادس عشر الميلادي كما يروي الأستاذ عمر بامطرف في دراسته التي أورد فيها “لمحات من تاريخ المسرح اليمني (( كانت لنا صلة بالمسرح قديما تأليفا وتمثيلا وقد انقطعت هذه الصلة ولم تتطور لأسباب تحتاج إلى من يتفرغ للبحث عنها، وكشفها ومعرفة مداها وأسباب انفصالنا عنه))([83])، ويسوق دليلاً على معرفتنا القديمة للمسرح والتي تعود إلى منتصف القرن السادس عشر الميلادي كما ذكرنا سابقاً من خلال نص حواري مسرحي أثبته المؤرخ اليمني المعروف الأستاذ محمد عبد القادر بامطرف في مؤلف له ومخطوط عن الهجرة اليمنية، ومؤلف هذا الحوار الشيخ الفقيه عبد الله بن عمر با مخرمة ، كان الحوار أصلاً مكتوباً بخط المؤلف نفسه وباللهجة العامية الحضرمية وقد ورد في مخطوط له، وقد أعاد كتابته الأستاذ محمد عبد القادر با مطرف في مؤلفه عن الهجرة اليمنية إلى اللغة العربية الفصحى لأسباب فنية حتى يسهل فهمه على القارئ العربي…وكان موضوع حوار الشيخ بامخرمة عن الهجرة اليمنية. كونها مشكلة خطيرة من مشاكل الحياة الاجتماعية اليمنية ولا تقتصر على جيل من الناس بل إنها صالحة لكل زمان ومكان، ونظراً لعدم قدرة الكاتب الاتصال بالمجتمع مباشرة عن طريق الكتابة لتفشي الأمية ((خطر للمؤلف مخاطبة الناس لا بالكلمة المسموعة ولا المقروءة، فاتخذ من التمثيل سبيلاً للاتصال بالناس فكتب حواره المسرحي بعنوان (حضرموت وابنها) فالابن رمز إلى المهاجر من أبنائها.)) ([84]) كما يقول عمر عوض بامطرف أسند الشيخ بامخرمة الأدوار إلى فرقة متخصصة في التمثيل للأدوار المرتجلة الفكاهية لتجسيدها الحوار على خشبة المسرح لفرقة عرفتها مدينة الشحر في ذلك الوقت (لم تتوفر المراجع عن نشاط هذه الفرقة) وما علينا إلا أن نتبع نموذجا من الحوار للنص المسرحي (حضرموت وابنها).

الأم حضرموت: الآن وقد اختار الله والدك إلى جواره فألقِ نظرة على مخلفاته.([85]) فنلاحظ جمالية الحوار بين الأم والتي ترمز إلى (الأرض) وإلى ابنها الذي يرمز إلى (الجيل)، والأرض بحاجة لأبنائها الشباب لكي يبنوها ويكتسوا بكسائها ويأكلوا خيراتها، فتوفر في النص الخصائص الفنية للشخصية من خلال الحوار، والموقف الدرامي يتطور فيه الحدث للوصول إلى الأزمة، فمضمون النص يصور لنا الوضع الاجتماعي المعاش، وبصورة غير مباشرة من عواقب الهجرة، وإصرار  الولد العاق بالهجرة وترك الأم وحيدة ليس هناك من يرعاها بعد موت والده فتكون نهاية النص كالتالي:

ابن حضرموت: إني سوف أهاجر لأجلب السعادة لبلدي.

الأم حضرموت: بالعكس إنك سوف تشقيها لأنك سوف تطلب منها لدى عودتك إليها من الهجرة ما عودك عليه المهجر من رائحة مزيفة؛ إن بلدك لن تقدم ذلك لك أبداً ومن هنا سوف تثور نقمتك على بلدك وستنكر عليها شحتها في غير ما سبب يدعو إلى ذلك، فكر قليلاً يا بني إنك لست وحدك الباقي في حضرموت، ضم يدك إلى أيدي إخوتك والمقيمين هنا واحفظوا أرضكم من الضياع والانحراف، لا تترك بلدك في وقت هي في أمس الحاجة إليك انظر إلى تلك النخلة الشامخة إنها سوف تلعنك إذا تركتها تموت عطشاً وسوف تطلب القصاص منك يوم القيامة، لقد أكلت ثمرتها الطيبة ستعيش عزيزة وها أنت اليوم تدليها قبرك، لقد كانت لها بوالدك علاقة عائلية متينة، كان رحمة الله عليه يتعهدها بالري والعناية وكانت هي تقابل جميله بجميل أوفر له ولي ولك وللآخرين…ألا ما أكرمها الأرض الطيبة، (وجالت في عيون حضرموت الدموع وتتساقط على التربة فابتلعتها ذرات الطين وكأن شيئا لم يكن بين حضرموت وابنها العاق) ([86])

الحضرمي: إنني لا أرى إلا مسحاةً وجبلاً ومحراثاً ودلواً وذلك الثور الهزيل الرابض بجانب المزرعة الجافة.

الأم حضرموت: تلك هي وسائل إنتاج رزقنا إنها تدر الخير الوافر إذا حركتها وبعثت فيها الحياة..وإنها هموم الرجال يا بني هي التي تفجر الصخور عيونا فإلى العمل…إلى الحركة بارك الله فيك.

الحضرمي: وماذا سأجنيه في تحريكها ؟

الأم حضرموت: سوف تأكل لحمها في عيدي شوال وذي الحجة، إضافة إلى السمك الذي تأكل منه كل يوم تقريباً.

الحضرمي: إنني أرغب في المزيد من اللحم إنني أحب أن آكل اللحم الكثير..إن ابن عمي في المهجر لا يأكل إلا اللحم، إنني سوف ألحق به..وأي كساء سوف تقدمه لي مخلفات المرحوم والدي إذا حركتها؟

حضرموت: ملابس بيضاء خفيفة لا تختزن الحرارة ولا تخنق الجسم إنها إزار وقميص قصير وكوفية خفيفة تقيك وهج الشمس.

الحضرمي: ما هذا الجنون..إنني أريد فوطة زاهية اللون وقميص طويل من فوقه صدرية مزينة بالحرير وعمامة من الصوف تحتها طاقية زنجبارية موشاة بالحرير وحذاء مزركش الصنع ذا صوت شجي يصدر منه حينما أدوسه تحت قدمي….وما هي الكسوة التي سوف أخلفها بزوجتي مخلفات الوالد رحمه الله.

حضرموت: قميصاً من قماش الصولي الأحمر وآخر من الكارة للصلاة وبركالة للعمل في الحقل وخمارين أسودين.

وهذا ما أكده محمد عبد القادر بامطرف))  بصحة هذا النص تؤيد وقائع تاريخية حقيقة جرت فعلا ورآها الناس أو سمعوا بها وتيقنوا من وقوعها.

فالنص المسرحي اليمني مر بعدة مراحل قبل ثورة سبتمبر 1962 وثورة 14 من أكتوبر1962، ((كان الكتاب اليمنيون يقتبسون مسرحيات من المسرح الهندي والإنجليزي وتجسيدها على الخشبة كأول مسرحية ظهرت في اليمن عام 1904 (يوليس قيصر) وغيرها))([87]) ثم الرجوع إلى المسرحيات التاريخية أو الشخصيات التاريخية مثل مسرحية (صلاح الدين..وسيف بن ذي يزن وغيرها ثم الارتجال لظواهر اجتماعية ومعالجتها بأسلوب كوميدي ساخر  ثم انتقلوا إلى المرحلة الثالثة والتي تعد الأهم في تاريخ المسرح وهي التأليف مستمدين تراثهم وتاريخهم لطرح المواضيع على خشبة المسرح ((كما ظهرت مسرحيات اجتماعية النقدية مزج أصحابها بين الجانب السياسي والاجتماعي ))([88]) ومسرحيات كوميدية مفعمة بالتلميحات النقدية التي تمثل رغبات الجمهور، فمضامين النص المسرحي الذي التزم بها الكتاب المسرحيون اليمنيون منذ مرحلة البداية والتجريب وحتى اللحظة بالعديد من القضايا الاجتماعية والسياسية الوطنية والقومية والإنسانية، كقضية إحياء البطولة وبزوغ الروح اليمنية والعربية والدفاع عن الأبطال التاريخيين، والنضال ضد المستعمر والحكم الإمامي الظالم، وتأكيد الهوية الحضارية والثقافية العربية ورفض التجزئة والعزلة والدفاع عن القضايا العربية وعلى رأسها القضية المركزية الفلسطينية، والدعوة إلى الثورة والتحرر والوحدة، وفضح سلبيات الإمامة والاستعمار، والدفاع عن الثورة وحماية منجزاتها، وقضية الإصلاح الاجتماعي، والأرض، والفلاح، والبحر، والصياد والمالك القطاعي، والمرأة، والغربة والأمية والتعليم ومقاومة الخرافات والتهريب والرشوة، والهجرة والتسيب المالي والإداري والمحسوبية والجشع، والثأر والتعصب بين القبائل، وقضية الطفل والمجتمع والحرية والديمقراطية، حيث كان من الطبيعي أن يتجه الكتاب المسرحيون إلى هذه المواضيع ومعالجة الكثير من هذه الأمراض التي تتفشى في([89]) المجتمع وخاصة المشكلات المزمنة الموروثة من عهد الإمامة والاستعمار وعهود الانحطاط والظلام، الذي عاشته اليمن كغيرها من الدول العربية ومعالجة النعرات القبيلة والثأر وهي من أهم المشاكل التي تواجه المجتمع اليمني.

التي كانت لها صدى في أذهانهم أو أدركوا بأنها الداء الذي يجب معالجته. وحافظوا على الالتزام الإيديولوجي الواعي الثوري 26 سبتمبر 14 من أكتوبر ومكتسبات جماهير الشغيلة والكادحين الفقراء وقد تطرقوا في مضامين أعمالهم الفنية إلى تعرية الواقع الاجتماعي المتخلف وكشف أوجه الخلل فيه، ودعوا إلى ضرورة التغيير الثوري لصالح القوى الطبقية والثورية الكادحة كما استفادوا من التوظيفات الفنية والجمالية في الأدب التقدمي المعاصر فجاءت أعمالهم المبدعة آية في الأصالة اليمنية والمعاصرة الثورية الملتزمة لقضايا شعبهم، وواقعهم اليمني الساخن (( أخذوا في استشراق المضامين المستوردة والقوالب الفنية الجاهزة والأشكال التعبيرية المعلبة وتعرضوا في أدبهم لقضايا ميتافيزيقية وفلسفية مجردة غلب عليها الطابع التأملي الذاتي الصرف، كما عرضت قضايا الاغتراب الاجتماعي والحضاري والعبث والعدم وهي من القضايا المطروحة في الأدب الغربي (مسرح العبث)).([90])  قدم المسرح الكثير من المسرحيات الغرامية والتاريخية كونه يجد في المسرحيات التاريخية جسراً يربطه بتاريخه ويعيد له ذكرياته وأمجاده التي يتطلع إليها بقوة تحت وطأة معاناة من جهل وسياسة استعمار وحكم إمامي ظالم لفصله عن ماضيه وواقعه ومستقبله، ((كان يجد في المسرحيات الغرامية والتي كثيرا ما تجسد الظلم إلى جانب النبل مع قوة الصبر والاحتمال تصويراً لأخلاقه وتعبيراً لنفسه الطموحة لنيل استقلاله وحريته)) ([91]) فكانت لغة المسرحيات في الثلاثينات شعرا أو نثرا مسجوعا ونجدها عند أغلبية الكتاب المسرحيين ([92]) إلى صياغة المسرحية الواقعية المستمدة من الواقع الاجتماعي، حيث تعد مرحلة الاقتباس هي المرحلة المهمة في صياغة البنية النصية وإيجاد حركة مسرحية تعمق الحس الذهني وتدفع بالوعي وتحفزه للتأليف لدى  المهتمين بالحركة المسرحية وانفتاحهم على الثقافات والاتجاهات المسرحية المتعددة، فلجأ الكتاب اليمنيون لذلك للاستفادة منها في عملية الصياغة النصية ولتعريف الجمهور بالتقاليد والأسس المسرحية الحقيقية، لذا يرى الدكتور عبد الغفار مكاوي بقوله “إنه بدون الاتصال بالتجارب المسرحية العالمية والعربية لا يمكن أن يكون هناك مسرح يمني جيد فالمسرحية اليمنية (المحلية) وحدها غير كافية لتجعل لدينا مسرحا يمنياً ناجحاً، لذلك تتحدد مقومات النص المسرحي الجيد في طريقة معالجته للمشكلات التي يعاني منها المجتمع والإنسان على حدٍ سواء بأسلوب فني متميز ولغة جيدة وحبكة متقنة والتركيز على ما هو ضروري، ووجود الفعل المسرحي الذي يؤدي لرد فعل لزيادة الصراع بين الشخصيات حتى التأزم ووقع الحدث ثم التدرج إلى النهاية المقنعة والمرضية للجمهور، تعميق الرؤية الحضارية والقيم الاجتماعية والإنسانية الحقة، وتعد اللغة إحدى أهم عناصر البناء للنص المسرحي سواء كان النص نثراً أو شعراً، فالحوار المسرحي لا قيمة له في ذاته بل بما يوحي به، فالدراما العظيمة تتكون من ثلاث عناصر هامة جمال اللفظ ثم التصور الصادق لما يحدث حولنا وداخلنا ثم الفكرة.

1-2-2 رواد المسرح اليمني:

أشهر الكتاب المسرحين اليمنيين:

*/ علي أحمد با كثير: شاعر كبير وروائي وصحفي وكاتب مسرحي شهير وأحد أبرز وأهم كتاب المسرحية النثرية في الوطن العربي.

مراحل تجربته المسرحية ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: تأثره بكتابة شوقي قبل أن يرحل إلى القاهرة فألف مسرحية (همام) أو (عاصمة الأحقاف) 1934 بدايته في التأليف المسرحي. ([93])

المرحلة الثانية: مغامرته التاريخية باستعمال ما أسماه بالشعر المرسل في الكتابة المسرحية ولم تدوم طويلا.

المرحلة الثالثة: المسرح النثري أو الشعري وبعبارة أدق المسرحية المنظومة.

أهم أعماله الشعرية أربع مسرحيات شعرية هي (همام أو في بلاد الأحقاف، روميو وجولييت، أخناتون ونفرتيتي، قصر الهودج والتي يسميها (أوبرى) غنائية) مع أنها لا تختلف عن همام ولا عن مسرح شوقي الشعرية كما يقول الدكتور عبد العزيز المقالح.

أعماله النثرية: كتب ما يقارب السبعين مسرحية ذات الفصل الواحد ضمن بعضاً منها في كتبه المسرح السياسي كما كتب ما يزيد عن عشرين مسرحية من النوع الطويل منها (( إبراهيم باشا، مسمار جحا، شهر زاد، شيلوك الجديد، الفرعون الموعود، إبراهيم باشا، إمبراطورية في المزاد، عودة الفردوس، هاروت وماروت، الفلاح الفصيح، قطط وفئران، الدكتور حازم، الزعيم الأوحد، أبو دلامة)). ([94])

من أبرز سمات أعماله:

  1. إن فكرة الإنسان تكمن وراء معظم أعمال با كثير المسرحية وينقلها إلينا عبر مسارب نفسه الشقيقة السامية.
  2. أنه يطرح لنا الغموض في العالم، وهو يعاني أحزان الآخرين وينقلها إلينا عبر مسارب نفسه الشقيقة السامية.
  3. تعامل بوعي مع التراث والوعي بالعصر وتحويل الشخصية التاريخية أو الأسطورية إذا شئنا إلى شخصية معاصرة تفكر بمنطقنا وتعاني حيرتنا وتبحث عن الحل لمشاكلها مثلنا.([95])                                    
  4. عانى با كثير من المسرحية الشعرية والتضارب القائم بين الشعر والمسرح، وجعله يرى أن النثر هو اللغة الطبيعية للمسرح والحوار هو وسيلة المسرح لتجسيد الصراع على الخشبة.

*/ القاضي عوض عبد الله شرف: أعد وألف العديد من الأعمال المسرحية التي اعتبرها النقاد بأنها أعمال جيدة وتمتلك الكثير من مقومات الفن المسرحي (النص) ومن أهم تلك الأعمال المسرحية الجيدة والهادفة، مسرحية يوسف الصديق (يرى البعض أنها مأخوذة من القصة الدينية المعروفة) عرضت عام 1939 من قبل فرقة الصباغين، مسرحية الخيانة والوفاء، عرضت عام 1939 وأخرجها محمد عبده الدقمي.([96])

*/ عمر عوض بامطرف باحث ومؤرخ مسرحي، إعلامي، ممثل، كاتب درامي، وهو من أحد أبرز الحركة المسرحية اليمنية، ((ينسب له الفضل الأول في عملية تجميع وتوثيق تاريخ المسرح اليمني الحديث))[97]). ووضع أفكاره في العديد من الأعمال المسرحية منها “أميرة الأندلس، لاشتراك مع الرائد الصائغ، الشيخ بكار، صابره، ست البيت، جسد البطولات، التي صدرت 2002م.

*/ محمد عبد الله الصائغ: أحد رواد الحركة المسرحية في اليمن المتميزين، مؤلف ومخرج مسرحي وممثل موهوب ونادر، ونادرا ما تجتمع هذه الصفات في شخص وتوفرت لدا (استانسلافسكي) أسس فرقة مسرحية (الصائغ المسرحية) في عدن (كريتر) عام 1933م ورأس فريق تمثيلها.

أعماله: أعد وألف العديد من المسرحيات منها ((وفاء العرب، الأميرة فينوس عام 1928م وضحايا الحب والوفاء عام 1935، أميرة الأندلس، عنترة بن شداد، أبو زيد الهلالي، قيس وليلى، وغيرها.))([98]).

*/ محمد عبده الدقمي: أحد الرواد المسرحيين الأوائل الذي وضع لشخصيته الممثلة شخصيات حقيقية على خشبة المسرح، وسهر على عملية البناء والتشييد لإعلاء بنيانها، وتولى عملية الإخراج لها والتمثيل في أغلبها ومن تلك الأعمال(( مسرحية جزاء الخيانة، مقتبسة من مسرحية عطيل لشكسبير وقدمتها فرقة هيئة التمثيل عام 1948م، مسرحية غرام في قصر معاوية، فتاة الحرب..وغيرها))([99]).

*/ حسين سالم باصديق: مثقف وقاصٌّ كبير ومن أحد الرواد والبارزين الناشطين أسس المسرح المدرسي فألف ومثل، مسرحي وناقد وباحث مسرحي أسهم في كتابة عديد من المقالات والدراسات والأبحاث التي نشرت في الصحف والمجلات اليمنية، وفي مختلف الجوانب السامية، ومن مسرحياته ((بائع البطيخ، الذكرى الأليمة، فرح العيد، الحرمان، الطالب الفقير، الأمل الذي ضاع، من نور إلى نور، دعوة العلم، الطبيب، العربة السوداء، السر….وغيرها)، أبرز أعماله: (أنت يا بلقيس) قدمت في عدن 1983، وحش وبشر، الباحثة السد )) ([100]).

*/ محمد الشرفي: شاعر وكاتب مسرحي ظهر في مطلع الستينات من القرن العشرين ككاتب مسرحي، ماضياً في طريقه الصعب يجتاز الفيافي، يطوي خطى الدرب المسرحي به تناقضاته الغربية…تتصدر بكثرة أعماله في المسرح الشعري في اليمن ألف أكثر من خمسة وعشرين مسرحية شعرية ونثرية ومسلسل وتمثيلية هي: مسرحيات (( في أرض الجنتين، حريق في مدينة صنعاء، الانتظار لن يطول، الغائب يعود، العشاق يموتون كل يوم، لليمن حكاية أخرى، موسم الهجرة والجنون، الكراهية بالمجان، العجل في بطن الإمام، المرحوم لم يمت، وهي شعرية))([101]).

ومسرحيات أخرى نثرية (الطريق إلى مأرب، المعلم، الحارس، موتى بلا أكفان، السجين قبل الأخير، التحدي، الذهب، حكايا ومشاهدات السندباد اليمني الجديد، فلسطين الانتفاضة، مملكة السعادة، صنعاء في قبضة الشيطان). ومسلسلات إذاعية منها (بكاء العصافير، الدخول من النوافذ الخلفية، المحنة والألم )) ([102]).

مميزات مسرحه: خلق ما يمكن أن نسميه المسرح الثوري واتجه إلى لون من المسرح الواقعي، الذي يسمح له بحرية طرح القضايا واختيار القالب الملائم لها، حيث يتم مشاركة المتلقي في الأحداث التي تقع على خشبة المسرح، والعلاقة بين المتلقي والنص، كما يعمل في المسرح الحديث ((يوضح الهدف التعليمي ورسالة النص وقوة تماسك النص وتسلسل الأحداث حتى يقوى الصراع لوصوله إلى أزمة التوتر لتغذي الحدث وتدعمه حتى يصل إلى نهاية المسرحية))([103]) .

*/ محمد مثنى: كاتب مسرحي وصحفي وروائي وقصصي مبدع وأحد رموز المسرح اليمني الحديث ولد في مدينة الحديدة حوالي مطلع الأربعينات من القرن الماضي وبدأ ككاتب مسرحي في الستينات، وأسس فرقة المسرح الوطني بالحديدة، والتي ضمت عددا من الشعراء والكتاب والفنانين المبدعين ومن مؤلفاته المسرحية صراع مع الحياة أو صراع مع الفقر والذي أخرجها بنفسه لفرقة “اليمن” في الحديدة عام 1968 وتقديم عروضها على مكتب مسرح الإعلام الجديدة، ومسرحية “القادمون مع الفجر”، وتعتبر من أبرز أعماله المسرحية الجديدة وقد أخرجها المخرج والممثل المرحوم محمود العمراني لفرقة المسرح الوطني صنعاء في سبتمبر 1979م ومسرحية قوس النصر، ونظراً لجودة هذه المسرحية حصلت على جائزة المرحوم هائل سعيد أنعم للإبداع الأدبي لعام 2000م.

وهو أبرز مؤسسي فرقة (القاهرة) للمسرح ومريد النشاطات بالفرقة، وقد أخرج وألف العديد من المسرحيات السياسية والاجتماعية والكوميدية لفرقة القاهرة في أبريل عام 1974م ومن أهم أعماله ((أجمل هدية، كاتب عرض حالات، نقطة في محيط، الجرثومة، أول شرارة، ملحمة الشهيد، المرتزقة، ملحمة الثورة، البلطجي، الأستاذ سرحان، عام 1966م)).([104])

*/ محمد لقمان: صحفي وكاتب مسرحي وقصصي من أوائل الكتاب المسرحيين في اليمن الذين ظهروا في مدينة عدن في الأربعينات، ألف العديد من الأعمال المسرحية منها (مفتاح الباب الخلفي، محسوب، هزيمة الشيطان، البيت المسكون، ليلة العيد).

عبد المجيد القاضي: قاص وروائي وكاتب وممثل مسرحي كان له دور بارز بين كتاب المسرح اتسم الكاتب بغزارة الإنتاج وشدة المثابرة، واستطاع بجهده أن يثبت لنفسه مكانة بارزة بين كتاب المسرح وتمكن من خلال ممارسته المستمرة للكتابة والإطلاع الواسع في المجال في الذي يكتب فيه أن يطور إنتاجه الذي يتضح من خلال إنتاجه القديم والجديد، بشهادة الكثير من النقاد والمهتمين بقضايا المسرح اليمني ألف أكثر من ثمانية عشر مسرحية عرضت معظمها على خشبة المسرح بعدن ولعب دور البطولة في تمثيل البعض منها كما سيأتي ذكرها وهي ((شنشن شعرة المسلمين، السيد حنبص، البخيل، الضحية، قبلة الاعتراف، المشروي، الجزاء، بداية ونهاية، الخائفة، هدى والبديلة، المهزلة الكبرى، فجر العودة، السلطان شعفل، بنت الدودحي، الفتى المنصور، فلسطين، النخلة ذات الضوء الأحمر) وأغلبها مسرحيات ميلودراما. ([105])

*/ علي صالح مسيبلي: مخرج وممثل مسرحي موهوب ومؤسس فرقة الهيئة العربية للتمثيل في منطقة البريقة 1958م من عمال وموظفي شركة مصافي النفط (البريطانية).([106])

وقد أخرج وألف العديد من المسرحيات منها (بين نارين، آراء الشيطان، فتاتنا اليوم، اللقاء الأخير، هل قتلت أخي، جريمة في الليل، الأرض) وتنتمي جميعها إلى المدرسة الواقعية في أسلوبها المباشر والطابع البوليسي، بالإضافة إلى تأليفه للعديد من المسرحيات الاجتماعية والسياسية كمسرحية شهيد الوطن عام 1968م، ومسرحية الوجه المشطور، قدمتها فرقة المصافي الكوميدية 3 نوفمبر 1972، البيت الخالي، الأرض وهي مسرحية كتبها المسيبلي بالعامية ((تتناول مآسي وظلم واضطهاد شبه الإقطاع للفلاحين الفقراء وقدمتها فرقة المسرح اليمني 1972م وأخرجها فيصل عبد الله.)) ([107])

*/ عبد الله الحيفي: مؤلف ومخرج مسرحي وكاتب درامي وتلفزيوني ظهر في بداية السبعينات من القرن العشرين ألف لفرقة المسرح اليمني في صنعاء والذي يعد من أهم مؤسسيها، ألف أحد عشر عملاً مسرحياً العديد من التمثيليات الإذاعية والتلفزيونية استلهم مضامينها من الواقع الاجتماعي والسياسي اليمني فكتب المأساة الإنسانية شعراً ونثراً التي تتعامل بآفاق حياة منظورة وآمنة ومستقرة وتهزم كل الشرور والآلام وتعرية الممارسات والسلوكيات والعقليات المنحرفة عن الصواب وتشخيص الأمراض والمشاكل الاجتماعية والسياسية بأسلوب فني رائع فيه قوة الجراءة في معالجة مواضيعه ((مما أدى إلى منع بعض أعماله ومصادرتها ))([108]) وبرغم ذلك واصل الحيفي في إبداعه ومن مسرحياته (الجزاء، الخبز والعلم، مدرسة المغفلين، الضمير في إجازة، شيء لابد منه، إبليس وشركاء، انتهى اللعب يا ذكي، لكل شيء نهاية، القدس يا ملك الزمان، الهذيان بصوت عالي). وهناك الكثير من الرواد الذين لم أذكرهم في بحثي هذا قدموا للمسرح اليمني الكثير من الإعمال المسرحية الرائعة كتابةً وإخراجاً، لهم الأثر الخالد في مسار المسرح اليمني منهم من قد وافتهم المنية ومنهم ما زالوا يقدموا عطائهم وخبراتهم القديمة والحديثة.

1-3  المراحل التي مر بها المسرح اليمني:

واجه المسرح اليمني الكثير من الصعوبات ومر بمراحل تاريخية متعددة منذ نشأته فالاستعمار البريطاني في جنوب اليمن وفي شماله الأتراك فهذه الظروف تدلنا على صعوبة حركة مسرحية نشطة، وفي بداية ظهورها ورغم ذلك عرف اليمنيون المسرح الحديث في عام 1904 كما أسلفنا برغم الظواهر التي كان يمارسها كشكل من الأشكال المسرحية في تراثنا العريق، فالمسرح يخضع بعض الأحيان أو أغلبها إلى المراحل التي يمر بها المجتمع والأحداث السياسية وحرية الرأي لطرح المواضيع الإنسانية والاجتماعية على الخشبة وهذا ما أفتقر له اليمنيون في بداية ظهور المسرح الحديث في اليمن، ورغم ذلك استطاع اكتشاف وتقديم عروض مسرحية، تكوين فرق مسرحية برغم الظروف التي كان يعاني منها اليمن شمالاً وجنوباً من هيمنة المستعمر (جنوباً) وحكم إمامي ظالم مستبد (شمالاً) لقمع الحريات وانتشار الأمية وعزل اليمن ثقافياً وعدم التفتح لثقافات الشعوب الأخرى، حتى قيام ثورتي 26 من سبتمبر 14 من أكتوبر المجيدتين فأصبح للمسرح شأن آخر وبرز العديد من الكتاب والمخرجين المسرحيين وتكونت عدة فرق مسرحية، وكما يقول شاعرنا وأديبنا الأستاذ عبد الله البردُّوني ((إذا كان في الاستعمار أي خير فهو إثارة ردود الأفعال عليه لأن وجوده ينبه الوطنية الغافية في النفوس ويستنفذ الصراع ويحلي طعم الاستشهاد، حتى يصبح الموت من أجل الحياة أعظم من الحياة))([109])  وهذا المقال الذي يثير فينا الحمية الوطنية وتضحية من أجل حياة كريمة. ، فالصراع في الحياة إنما يجسد على خشبة المسرح بكلمات وفعل ورد فعل لخلق جو مناسب للشخصيات لتأثيرها على الجمهور وتعليمه وترفيهه وهذا هو هدف المسرح، يحمل رسالة سامية يتأثر بالظروف الاجتماعية والسياسية التي يمر بها أي مجتمع. ومن هذا المنطلق نستطيع أن نقسم المراحل التي مر بها المسرح اليمني حسب المراحل التاريخية إلى خمس مراحل لنسلط الضوء على أهمية كل مرحلة في تاريخ المسرح اليمني وبصورة مختصرة.

1-3-1 مرحلة الاكتشاف والتقليد 1904-1926:

امتازت هذه المرحلة باكتشاف المسرح على يد فرقة تمثيل برئاسة شخص يدعى (جملت شاه) فعرف اليمنيون المسرح على أيدي هندية، ولا يستبعد أن اليمنيين عرفوا المسرح من قبل الاستعمار البريطاني كما يفيد الأستاذ الكبير عبد الله البردوني في كتابه قضايا يمنية في محتواه الحركة الوطنية ما لها وما عليها”(( لقد بني في عدن المسارح والمسابح والمراقص والبارات ودور السينما التجارية ولم يكن يتبن مدرسة تخرج تلاميذ قادرين على حمل راية الوطن))([110]) ونستنتج من هذا أن الاستعمار لم يشجع على التعليم لكنه اهتم بالمسرح وما إلى ذلك ولكن في مضمون الكلام أنه لم يشجع على قيام المسرح، فالمسرح كان لسد حاجاتهم ورغباتهم الاستعمارية، ولكننا نقف عند هذا ونقول هل عرف اليمنيون المسرح من البريطانيين؟ سيكون هناك جدل ونقاش للإجابة عن هذا السؤال ونظراً لعدم وجود مصادر تثبت صحة ممارسة اليمنيين قبل تاريخ 1904 للمسرح، وأثبتت المصادر أن الهنود هم أول فرقة مسرحية في اليمن لسببين:

1-     الهند كانت مستعمرة بريطانية وكذا جنوب اليمن، فالتجارة وفرض هيمنة الاستعمار على البلدين أدى إلى ظهور فرق هندية مسرحية في اليمن.

2-   وجود جالية هندية في جنوب اليمن وبذلك لابد من إشباع حاجاتهم الروحية.

فعرف اليمنيون هذا الفن وأعجبوا به وقلدوه برغم أن العرض باللغة الهندية، فبدأت عدة محاولات من اليمنيين الذين يعودون من المهجر ولكنها لاقت بالفشل، حتى عام 1910م (( كونت أول فرقة مسرحية من طلبة مدرسة حكومية وقامت باقتباس مسرحية “يوليس قيصر” لشكسبير وتم عرضها وهي البذرة الأولى للمسرح اليمني ))([111])، وظل المسرح اليمني في هذه المرحلة معتمدا على المسرحيات الأجنبية المترجمة الهندية منها والإنجليزية، وبعد ذلك توجه إلى إعداد الروايات العربية التاريخية المشهورة “كقيس وليلى، شعراء الغرام” لنجيب حداد و “في سبيل التاج” للمنفلوطي، سيف بن ذي يزن، عنترة بن شداد، أبي زيد الهلالي، صلاح الدين الأيوبي، ألف ليلة وليلة، وقص جحا….الخ ، فيستلهمون أبطال مسرحياتهم من بين الرموز والقادة التاريخيين في اليمن والوطن العربي من منظور قومي عربي إسلامي  (( كشخصية عمر بن الخطاب، عمر بن عبد العزيز، صلاح الدين الأيوبي، معاذ بن جبل، عقبة بن نافع…الخ )). ([112]) هذا بالإضافة إلى يمننة وتقديم بعض الأعمال المسرحية الكلاسيكية للكاتب المسرحي البريطاني شكسبير كمسرحية “يوليوس قيصر، ماكبث، عطيل، هاملت، والتي تم تقديمها على وجه الخصوص في محافظة حضرموت.، ونظراً إلى عزل اليمن سياسياً عن أشقائه من بقية الأقطار العربية، ((وجد في المسرحيات التاريخية جسراً يربطه بتاريخه، ويعيد أمجاده التي يتطلع إليها بقوة وهو يعاني تحت وطأة ما عاناه من ظلم من الاستعمار في جنوب اليمن والأتراك في الشمال بسياسة استعمارية مخططة لفصله عن ماضيه وواقعه ومستقبله وتقسيم أراضيه)).([113]) عرضت الفصول الهزلية على المسرح، ولعل كثير من المسنين يذكرون عبد القادر صالح، وعبده عكبار سعيد ويذكرون عبارة (حوج يا حيدرة) وهي النكتة التي عاشت بعد ذلك سنين طويلة ومازال يرددها كبار السن، ومهرج آخر اشتهر (ابن دحمان) في مدينة الشحر الذي كان يقدم حفلات للسلاطين لترفيههم ليحصل على بعض من المال.

1-3-2  _ مرحلة التأسيس والترفيه 1927-1944:

امتازت هذه المرحلة بتكوين عدة فرق مسرحية فبعد مسرحية شهداء الغرام عام 1926، تكون فريق آخر برئاسة محمد أحمد حيدرة والذي قدم مسرحية “مصارع الآباء” وهي مسرحية تعالج العلاقة بين الأبناء والآباء وتصور النتائج السيئة من سوء التصرف من قبل الآباء وقسوتهم على أبنائهم مما يؤدي إلى ضياع الشباب، فمعظم نشاط الفرق المسرحية التي تكونت في هذه الفترة لم يتعدى مسرحية أو مسرحيتين في العام نظرا للظروف الصعبة التي كانت تمر بها البلاد وظروف هؤلاء الممثلين المحبين لهذا الفن ألا وهو المسرح، فقدمت مسرحية “صلاح الدين الأيوبي” عام 1929م، ((كانت هذه المسرحية بداية اتجاه المسرح للتعبير عن مشاعر الشعب واتجاهاته السياسية مما جعله يقبل عليها في كل عرض تقدمه واستمرت تقدم عرضين في كل أسبوع لمدة أربعة عشرا أسبوعا، لاهتمامها بالمقاومة السياسية ضد المستعر البريطاني)).([114]) وقدم نادي صلاح الدين مسرحية “القائد المغرم، فتاة الغار، وعجائب الأقدار” على التوالي عام 1933م وشكل فريق برئاسة محمد عبد الله الصائغ وقدم مسرحية “وفاء العرب” والتي لاقت نجاحا ًكبيراً، ((تكون فريق آخر بقيادة حسين السوقي الذي قدم مسرحيتين “مجنون ليلى، وفتاة الأندلس” في عام 1933-1934، ونجح في إظهار عدد من الممثلين.)) ([115]) كان الكتاب اليمنيون يقومون عادةً بتأليف واقتباس وإعداد ومسرحة الأعمال المسرحية في العشرينات من القرن العشرين كمسرحية “صلاح الدين الأيوبي” لمحمد علي عثمان عام 1929، “الأميرة فينوس” لمحمد عبد الله الصائغ 1928، “القائد المغرم” للنعمان 1939، “وضحايا الحب” للصائغ عام 1935، ومسرحية “يوسف الصديق” للقاضي عبد الله شرف 1939، “زهرة الحب، وعنترة بن شداد” للأستاذ أحمد عبدو عام 1937-1939.

ففي هذه المرحلة برز عدد من المخرجين والممثلين والكتاب المسرحين الذين تألقت أسماؤهم في سماء المسرح اليمني واستطاعوا أن ينشطوا حركة مسرحية برغم الظروف التي كانت تمر لها البلاد ومتطلبات الحياة.مثل: محمد عبده الرقمي، القاضي عبد الله شرف، عبد الله أبكر حسين، أحمد عبد الله خان، عبد المجيد القاضي، أحمد محمد نعمان، علي أحمد با كثير، عثمان سوقي، محمد عبد الله الصائغ، عبد الله الذماري، محمد عبد الله عبيد….، وممثلين مثل: مسعود عوض، حسين بن حسين عبد الله، علي محمد محمد الربغي، وعبد الحميد فارع، عبده قاسم، محمد صالح سعيد، سعيد سالم اليافعي، عمر حكيم، عبد الله خان…الخ )). ([116]) كما ظهر في هذه الفترة المسرح المدرسي وأقيمت عدة عروض وتكونت عدة فرق مسرحية، كما هدف المسرح في هذه الفترة إلى التحرير الثقافي الجديد حيث كان يسعى لإيجاد جمهور يتمكن من ترسيخ هويته الثقافية في (جنوب اليمن) وإلى الافتخار بأمجاد الأبطال والشخصيات التاريخية، وذلك لزراعة الروح الثورية لدى المواطنين ضد الحكم الإمامي الظالم والاستعمار. كما هدفت المسرحيات إلى محاربة الآفات الاجتماعية وتنمية الجانب الأخلاقي، ((في هذه الفترة بدأت الحركات الثورية وبدأ الثوار والأدباء في أداء واجبهم أمام الوطن))([117]) حتى ضد أبنائه الذين يساعدون الظلم والاستعمار وكما يقول الشاعر محمد محمود الزبيري في أحد أشعاره:  

العسكريّ بليدٌ بالأذى فَطِنٌ                    كأنَّ إبليسَ للطغيانِ رباه ([118])

 كان  الشعب يعاني من حرمان الحقوق الشرعية وقسوة العسكري التابع للدولة على المواطن في شمال اليمن ولما عجز الشعب عن تحقيق طموحه الحقيقي استغل كل بادرة لإثبات وجوده وشعور الكبار بالضرورة إليه، قال القاضي عبد الله الشماخي في كتابه (اليمن الحضارة والإنسان) بعد الانقلاب الدستوري والمفاوضات مع بعض زعماء القبائل للإقتناع بالوضع الدستوري وكان –أي الشماخي- من ضمن المفاوضين خارج صنعاء، ((كانت المفاوضة تدل على مهارة يمنية موروثة لاستغلال الإمامين للشعب في صنعاء وفي حجة الإمام يحيى وابنه أحمد)). ([119]) وفي جنوب اليمن عانى المسرح من الرقابة الاستعمارية للنص وفرضت في هذه الفترة الرقابة لأول مرة على المسرح وأصبحت سيفاً على رؤوس الكتاب والمخرجين والفرق المسرحية ثم تطورت هذه الرقابة للحد من النشاط والتأليف المسرحي بأشكاله المختلفة لتصل إلى الصحف والمجلات والتي تزايد ظهورها في ذلك الوقت وبرغم ذلك واصل النشاط المسرحي دوره في أداء رسالته الفنية لإشباع رغبات الجمهور وإقباله لمشاهدة العروض المسرحية والتي ((كانت تعرض في عدن مما جعل بقية المناطق المجاورة لها حضور هذه العروض وتكون العودة كل ليلة سيراً على الأقدام غالباً))  ([120]) كما ازداد نشاط المسرح في هذه الفترة، فبعد عرض مسرحية “الخيانة والوفاء” التي قدمتها فرقة الصباغين في عام 1940 ثم مسرحية “عجائب الزمان” من إخراج أحمد حيدر والتي أثارت دهشة أكبر الفرق المسرحية والمهتمين بالمسرح آنذاك بما تضمنته من مناظر خلابة، خصوصا مشهد الحرب والذي دخلت به اثنتا عشرة فتاة بملابسهن الحريرية، نظراً لعدم مشاركة العنصر النسائي في المسرح ولأول مرة تظهر اثنتا عشرة فتاة على خشبة المسرح كحدث فني يميز هذه الفترة، ثم عرضت في عام 1943م فكتب الشيخ عبد الله محمد حاتم في جريدة “فتاة الجزيرة” (26 سبتمبر 1943) مقال عن المسرحية قال فيه (قدمت مسرحية عجائب الزمان وتعتبر رواية تاريخية أخلاقية غرامية لها مغزى سام وفيها روعة وجلال، وتخللتها فصول فكاهية أضحكت الجمهور أبرزها محاورة بين رئيس ومرؤوس بالعامية والدارجة…) (( الفرقة تمثيلية برئاسة علي قاسم لاميو ومساعديه محمد عبده الدقمي، وسعيد سالم يافعي)).([121]) كما تأسست فرق مسرحية مثل: فرقة العروبة والتي استلهمت نشاطها المسرحي برائعة شكسبير “عطيل” والتي أخرجها الشاعر الشعبي المعروف مسرور مبروك، وقدمت عددا من المسرحيات التاريخية والاجتماعية العربية والعالمية.

1-3-3 مرحلة النقد والمواجهة 1945-1962م:

لم يكن مسرح ما بعد الحرب في عموم نشاطه متميز بخاصية معينة تميزه مما سبقه فقد ظل في إطاره العام ومضمونه منذ نهاية الحرب، وإذا برزت بعض العروض هنا وهناك وصادفت شيئا من النجاح فإن ذلك لا يعد كونه صدفة غير مقصودة لأن المستوى النوعي لن يتطور كثيرا، فكانت العروض تنصب في الغالب على إبراز البطولات والشهامة وإدانة الشر لصالح الخير وبث المواعظ والعبر وقدمت عروض مسرحية تستحق ذكرها لما كان لها من نقد الوضع الذي كان يسود ومن هذه المسرحيات مسرحية (الشعب والقيصر) لعثمان سوقي التي تعرضت للكثير من المصاعب والعراقيل قبل عرضها وحذفت منها الرقابة الاستعمارية بعض المشاهد وكذلك مسرحية (طرفيشة) لمسرور مبروك، و(في سبيل التاج) وعدد كبير من المسرحيات التي وظفت لشد الهمم واستنهاض الشعور الوطني وتنوير الجماهير إلى جانب ذلك الكم الهائل من المشاهد الكوميدية المرتجلة ((كانت تتخلل كل العروض المسرحية وتحمل في ثناياها نقداً مريراً للأوضاع الاجتماعية والسياسية الخاطئة وسخرية لاذعة من الكثير من الظواهر السلبية والأوضاع الحكومية الخاطئة التي كانت سائدة آنذاك.)) ([122]) وتمتاز هذه الفترة بالبحث عن النوعية والنصوص المحلية لامتعاضها على الواقع المعاش وتنوير الشعب ضد المستعمر الأجنبي والحكم الإمامي الظالم، ونستدل على ذلك بعدد من الصحف والمجلات التي أشادت بتشبع النص المسرحي وبناية المسارح لما له من أهمية في تثقيف الشعب وعلى ضرورة إيجاد النص المحلي الذي يعالج قضايا الناس اليومية المعاشة ويعكس واقعهم وهمومهم ولا يبتعد بهم عن الواقع المعاش محلقاً على أجنحة الأحلام والخيالات إلى عوالم وهمية أو عهود غابرة، (( يستحب نصوص تترجم الواقع المعاش وربط الماضي والحاضر واستشراف المستقبل.)) ([123]) و من بين تلك الصحف والمجلات في تلك الفترة نقتطف قبل أن نواصل استعراضنا لأهم النشاطات المسرحية في هذه المرحلة.في 19 سبتمبر 1948 أجرت جريدة “فتاة الجزيرة” لقاء مع المخرج المعروف الفنان (عثمان سوقي) أشار فيه إلى أن العقبات التي تواجه المسرح هي عدم مشاركة المرأة في النشاط المسرحي، وقال أنه يعتقد (( أن مستقبل المسرح سيكون له التعاون وشارك فيه المثقفون بإنتاجهم من خلال التأليف للمسرحيات المحلية التي تمس الحياة اليومية للشعب وتعالج معاناته حتى يكون المسرح أداة إصلاح في البلاد زاهرا إذا توفر))([124]). وطالب في تشكيل هيئة مسرحية للنهوض بشؤون الدراما في البلاد، هذا الاهتمام من قبل الصحافة بالمسرح دل على المكانة التي بدأ المسرح يحتلها في الحياة الثقافية، وعلى الرغبة الكاملة من الشباب المتحمس لتطور الحركة المسرحية لتحتل دوراً فاعلاً في حركة البلاد الفنية المتنامية وكذلك “صحيفة النهضة” في أغسطس 1953 أيام تقطع النشاط المسرحي يقول «لدينا فرق فنية وموسيقية وإقامة ندوات …..ولكن ليس لدينا مسرح….وبعبارة أخرى لم تقم محاولات جديدة لإنشاء مسرح في عدن (المقصود إنشاء مسرح في عدن بخشبته وتكوين فرقة خاصة به متفرغة للتمثيل) وتختتم الصحيفة كلمتها بالتأكيد على أن المسرح اليوم ضرورة اجتماعية :فهو تربية شعبية مثلى ومجال مفيد ومسل لقتل الفراغ وما أكثره في المجتمع، وفي العدد اللاحق لنفس الجريدة المذكورة الصادر في 13 أغسطس 1953 مضت الصحيفة تعالج نفس الموضوع، مستهلة قولها “نحن نطالب بقيام المسرح في بلادنا لافتقارنا إلى هذا اللون من الفن بشكله المطلوب الذي يبرز المواهب المدفونة لدى الكثير من شبابنا…والأهم من هذا أننا على خشبة هذا المسرح سنتمكن من معالجة مشاكلنا الاجتماعية والخلقية وغيرها، رب مسرحية فكاهية أغنت عن ألف موعظة منبرية”، ونستطيع أن ندرك هذا من السياق المطالبة تنصب في الأساس على قيام دار للمسرح وإيجاد نصوص محلية، وكذلك نشرت الصحيفة في العدد الصادر في 3 سبتمبر 1953 بنفس الموضوع بالمطالبة بقيام مسرح متطور بعنوان “فكرة المسرح سابق لأوانها” وكذلك عددها الصادر في 20 أغسطس 1953 بقلم محمد إبراهيم الماس بعنوان “يجب أن توجد المسرحية قبل أن نوجد المسرح”.

وفي 15 يناير 1956 نشرت صحيفة “اليقظة” مقالاً تسائلت فيه، إذا تأسست لدينا فرقة مسرحية متفرغة فهل يقدر لها النجاح ودوام الاستمرار والصعود والبقاء ..؟

 وقبل أن نبحث في وجود المسرح علينا أن نبحث عن العبقري الذي سيكتب للمسرح…و يجب أن ينزل المسرح إلى مستوى الناس ويرقيهم إلى مستوى الفن النظيف لا ينقض عليهم”.و يطالب المقال بتبني فرقة مسرحية وتشييد مسرح وتمويل فرقة مسرحية محترفة، مما يؤكد أن المسرح يعاني من ضيق مالي يعرقل تمويل نشاطه ودعمه.

وبعد عشرة أشهر تقريبا تعود الصحيفة نفسها بتاريخ 13 نوفمبر 1956 إلى تكرار نفس المقالات، وكذلك في تاريخ 29 ديسمبر 1956 كتبت الصحيفة مقالا بعنوان “المسرح أول الغيث”، حثت فيه الجمهور على تشجيع المسرح الذي بدأت بوادر الاهتمام به تتجمع، ويشير المقال أن الفنان المشهور محمد مرشد ناجي سيسهم في حفل فني ساهر ويقدم فيه نص كوميدي محلي ضاحك لأول مرة على الخشبة، كما سيساهم الفنان الكبير عبد الحليم حافظ والفنان أحمد قاسم في الحفل ببعض الأغاني لإنجاح الحفل”، وعدة مقالات في نفس الصحف وغيرها للاهتمام بالمسرح وما يمثله من توعية المجتمع لإيصال الفكرة له وحل مشاكله الاجتماعية والاستعمار أكبر إشكالية عليه.

وفي هذه الفترة نشأ المسرح المدرسي في مطلع الأربعينات في مدينة صنعاء وتعز والحديدة وحضرموت…الخ، (( كانت العروض تاريخية تخلل فيها الرمزية للنقد للوضع الاجتماعي والحكم الإمامي والاستعمار))([125])، كانت الوسيلة الوحيدة لإيصال الرسالة إلى المجتمع خوفاً من الحكم الإمامي الظالم والاستعمار الغاشم، وتأسست في هذه الفترة أحزاب سياسية لمقاومة المستعمر والحكم الإمامي الظالم مثل: حزب الأحرار عام 1944 الذي أسسه كلا من أبي الأحرار محمد محمود الزبيري ورفيق كفاحه أحمد محمد النعمان، والذي تحول اسمه إلى “الجمعية اليمنية الكبرى” عام 1946م، (( أصدرت صحيفة “صوت اليمن” وفوضت الجمعية حسين البنا في التحدث فيها في كل الشؤون لاستمرار الكفاح حتى قيام الثورتين في اليمن)).([126])  فتضافرت جهود الأدباء والمثقفين والمسرحيين والشعب من أجل الحرية، وسنذكر بعض العروض والتي قدمت في هذه الفترة، قدمت مسرحية “علي بيك الكبير” علم 1944، مسرحية “الوطن” عام 1946، “عجائب الزمان”، “الخيانة والوفاء”، “جزاء الخيانة” مأخودة من مسرحية عطيل لشكسبير، “غرام في قصر معاوية” من إخراج محمد عبده الدقمي، “مصرع الظالمين” “الشعب والقيصر” إخراج عثمان سوقي، “غرام في قصر الرشيد” عام 1950، “روميو وجولييت” 1957، “وفاء العرب”، “قصر الهودج” لعلي با كثير، “فتاة القيروان”، “حواء الحديدة”، “قيس وليلى”، “النعمان بن المنذر”…..الخ (( تكونت عدة فرق مسرحية مثل: العروبة للتمثيل، والفرقة القومية، فريق مسرحي في مدينة بازرعة ، الهيئة العروبية للتمثيل، فرقة المصافي الكوميدية، وفرقة الصباغين…الخ )) ([127]) كما ظهر نشاط مسرحي في الخمسينات وسط العمال والموظفين من محبي وعشاق المسرح والقيام ببعض النشاطات التمثيلية المرتجلة في أوقات الفراغ بعد ساعات الدوام الرسمي.

فنستنتج من هذا النشاط المسرحي والفرق المسرحية نشطت في ظروف صعبة ولكنها واصلت مهمتها حتى أعلنت ثورتي 26 سبتمبر 1962م، و 14 من أكتوبر 1963م.

1-3-4 _ مرحلة ما بعد الثورة والاستقلال 1963-1990:

يمكن القول أنها مرحلة جديدة من عمر المسرح اليمني فبدأت تتشكل وتظهر ملامحها الجديدة التي أثمرت انعطافاً جذرياً في مسيرة المسرح اليمني، ومن الطبيعي أن تكون رسالة المسرح اليمني امتداد للمهمة التي قام بها قبل الثورة التحريرية من الاستعمار المتمثلة في حماية الشخصية الوطنية ومحاربة الآفات الاجتماعية فبعد قيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 في شمال واليمن وبعدها ثورة الربع عشر من أكتوبر 1963 في جنوب اليمن، أدخت قوات الاحتلال البريطاني التلفزيون إلى عدن، وقامت ببعض الإصلاحات الأخرى بهدف إخماد الثورة واستمالة الجماهير وإلهائها عن قضيتها المصيرية بالإصلاحات الزائفة المرتجلة، وكانت تجهيزات التلفزيون ناقصة محدودة البث والإمكانيات بسيطة دليلاً  على أن الاستعمار لم يكن جاداً في مشروعه الذي لم يبنى له مبنى متين وتجهيز سليم وأرادت سلطة الاحتلال لفت الأنظار واستمالة الناس لصرف نظرهم عن الثورة، لذلك ارتجلت ذلك المشروع ونفذته على أساس غير متين فجاء ناقصاً يشكو من قلة الإمكانيات والتجهيزات التي تؤمن العمل بصورة لائقة وتضمن له البقاء طويلاً لحشر محطة التلفزيون واستوديوهاتها وكل ملحقاتها في إحدى البنايات القديمة (استؤجر) لهذا الغرض فوق أحد تلال التّوَّاهي ((أنشئت تلك المحطة التلفزيونية على هذه الشاكلة قد كان من حسن حظ المسرح وربما أيضاً من سوء حظه))([128]) أدى إلى ظهور المسرح التلفزيوني بتلك النوعية الفريدة من نوعها في العالم كله، ومن سوء حظه لغياب المسرح الحي التي يعيشها الممثل بين جمهوره وهذا يؤدي إلى غياب المسرح الحي وقلة جمهوره وتشجيع المسرح التلفزيوني، والزيادة الرقابية على النصوص المسرحية المعروضة وربما يكون هنا الحذف في المشاهد الغير مرغوبة لدى المستعمر ((كان المسرح وعروضه تخدم السلطات الاستعمارية، إضافة إلى قلة إمكانيات تلك المحطة من تسجيل وتوثيق وحفظ))([129])  الأعمال المسرحية المتعددة والمتنوعة التي قدمت على شاشة التلفزيون في ذلك الوقت، فكان التلفزيون تجاري في ذلك الوقت يحقق للدولة أرباح طائلة من مردود الإعلانات التجارية، ((وبرغم ضعف الإمكانيات الشحيحة ولد مسرح التلفزيون وما لبث أن احتل مركز الصدارة بين برامج التلفزيون الحية كلها)).([130]) أما في صنعاء وباقي مدن شمال الوطن فقد توقفت حتى النشاطات المسرحية التي كانت قبل ذلك تظهر وأصبحت تظهر على فترات متقطعة وفي مناسبات بسبب انشغال  الناس بالأحداث التي تلت ثورة 26 سبتمبر والمؤامرات التي استهدفتها وبرغم ذلك واصل المسرح مسيرته برغم الظروف التي تمر بها البلاد وتم تقديم عرض مسرحية بعنوان “اللاعبون بالنار” كتبها للمسرح الشاعر إبراهيم صادق وقدمت عام 1963، بدار السينما (26 سبتمبر) في أول عيد للثورة وحضرها رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء في شمال الوطن سابقاً في ذلك الحين وقدمتها فرقة نادي الفنون الشعبية المسرحية بالحديدة ((تستعرض المسرحية مساوئ وفساد العهد الإمامي الرجعي وتنبه مهن المتآمرين على العهد الجديد.([131]) كما قدمت مسرحية (الشيخ الرهيب) من تأليف وإخراج الرائد أحمد البعداني وهي تعالج مشكلة الثالوث الإمامي (الفقر-الجهل-المرض) حسب إشارة الأستاذ حسين الأسمر في كتابه (المسرح في اليمن تجربة وطموح)، وذلك لمجموعة من هواة المسرح بإشراف إدارة الشؤون العامة والتوجيه المعنوي فرع الحديدة.، لقد أولت إدارة الشؤون العامة والتوجيه المعنوي في صنعاء في بداية السبعينات من القرن الماضي عناية كبيرة بالفرقة وأظهرت حرصها بتشجيع الكوادر الفنية فيها لتقديم المزيد من العروض المسرحية الناجحة، ((أنشئت صالة عرض مسرحي صغير في مساحة مقرها في صنعاء))([132]) وهذا يؤكد لنا اهتمام القائمين في الإدارة الخاصة بالمسرح، بإدراك ووعي القائمين عليها بما له من دور فعال وأحد الدعائم الأساسية الهامة في بناء نهضتنا الحديثة، وقامت في بداية السبعينات باستقطاب بعض الممثلين العاملين في فرق الهواة وتوظيف عدد من الكوادر والمواهب من غير العسكريين (نظراً لوجود فرقة خاصة بالتوجيه المعنوي وهي تتبع الجيش) للعمل ضمن الفرقة المسرحية التابعة لها وحرصت على توفير المناخ المناسب لهم والمتطلبات اللازمة والضرورية لإنتاج الأعمال المسرحية ذات المستوى الجيد، ((حرصت الإدارة على تأهيل أعضاء الفرقة في المجال المسرحي نظرياً وتطبيقياً وقدمت الفرقة أكثر من عشرين عملاً مسرحياً متميزاً كلها من تأليف كتاب يمنيين (سنذكر ذلك لاحقاً بالأعمال المعروضة في هذه المرحلة)) ([133]) وكما يذكر  الأديب عبد الله البردّوني عن مرحلة ما بعد الثورة في كتابه قضايا يمنية ((بدأ المثقفون اليمنيون يلتفتون إلى الينابيع التي جاءت منها سيول الأحداث، وأفواج الناس أدى التيار الذي امتدت منه الأفكار وبفعل إفاقة الحس الوطني تزايد حب الثقافة اليمنية، وحب المزيد منها وبالأخص ثقافة هذا العصر، لاتصال حلقاته، ولانبثاق بعضه من بعض، فتوالت المجلات الشهرية، تعنى بفلسفة تاريخنا المكتوب، وكتابة غير المكتوب، لأن لكل أمة تاريخاً مكتوباً، وتاريخاً يحلم بالمراد))([134])، ولعل ما لم يكتب، أهم مما حملت الكتب إلى الآن، لأن أغلب المكتوب سجل للأحداث الرسمية وسيد الأئمة، ووزرائهم وشعرائهم…و قد أثار هذا الاتجاه ثلاثة أسباب:

1-     استقراء الواقع، واستبدال الجديد من الموروث.

2-     أن من يجهل أمسه، يضيع غده، لأن الغد لا يأتي فجأة وإنما من إرهاصات الأمس واليوم.

3-     زيادة البعثات الدراسية من اليمن إلى العالم، وبالعكس واهتمام العالم بهذا المكان من شبه الجزيرة العربية لسببين الأول وجود نظامين مختلفين في الشطرين، الثاني قرب شطري اليمن من منابع الطاقة.

4-     فلا يكاد يمني ينزل أي شعب إلا والأسئلة تحيط به وتلاحقه، عن وطنه عن ثوراته وثرواته، أعلام حركاته نوع فنونه، تطورات آدابه، إمكانيات مستقبله ، فلا يجد اليمني مخرجا من الإحراج، إلا بمعرفة ثقافة وطنه باعتبارها سد التعبير، لأن لكل مواطن دولة، أدرى بثقافة وطنه وأطوار أجيالها، لكل هذه الأسباب وغيرها كثر تركيز اتجاه المثقفين والفنانين…و يختم قوله ((أن الستينات والسبعينات حتى الآن تكون مفترقا جديدا يتجه من الوطن وإليه، فيستعيد كل حي دفنه الركام، ويبرز فناً وثقافة جديدة الروح والسمات على أخصب تربة وتحت أنقى مناخ))([135]) كما نشأت مؤسسات المجتمع المدني وقد لعبت جملة من العوامل في نشوء مؤسسة المجتمع المدني التي تقوم في العادة على أكتاف الصفوة أو الطليعة في المجتمع وتقدم أولئك إلى مبعوثين للدراسة في الخارج وسيتبين للباحث أنهم قد تصدوا، كما لعبت المنتديات الأدبية والمراكز الثقافية دورا هاما في إذكاء الوعي الوطني والقومي والديني والثقافي ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

  1. نادي الأدب العربي.
  2. مخيم أبي الطيب.
  3. نادي الإصلاح العربي في التواهي (كريتر).
  4. نادي الشباب الثقافي ونادي الخريجين.

ونشأت تنظيمات سياسية منها:

الجمعية الإسلامية والجمعية المدنية، كما نشأت التنظيمات النقابية والنسوية والطلابية وتزامن ذلك مع صدور الصحف والمجلات الناطقة باسم تلك التنظيمات. وكان لثورة 26 سبتمبر 1962م في الشطر الشمالي سابقا تأثيرا مباشرا وملموسا فساعدت ثورة 14 أكتوبر 1963 وذلك أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم على المستعمر البريطاني، وأعلنت دمج الجبهة والقومية من أبناء الشمال والجنوب تحت (جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل في 13 يناير  1966)). ([136]) فإذا أردت أن تتحدث عن اليمن فلابد أن تذكر شخصية مهمة ألا وهو الأديب والشاعر ورئيس حزب الأحرار محمد محمود الزبيري، وإذا تحدثت عن الثورة والأدب والفن ستذكر الزبيري، كشاعر ((أشعل ثورة اليمن بشعره وأفاد مسيرتها بشعره أيضا، ولقب بأبي الأحرار وشاعر الثوار….الخ ))([137])  فشاعرنا وأديبنا كان له دور وطني يستحق ذكره في نضاله في تغيير الواقع المعاش إلى جانب المناضلين والثوار في شمال اليمن سابقا.،ففي هذه المرحلة عند رجوعنا إلى الخارطة للحركة المسرحية اليمنية سنجد أن رواد الحركة المسرحية أصبحوا وزراء ووكلاء…الخ، وقادة عسكريين ورؤساء جامعات وعمداء للكليات، والقضاء، وكتاب وممثلين وإداريين وسياسيين، كانوا رواد الحركة المسرحية منذ الخمسينات حتى بعد الثورة والاستقلال.، ونذكر منهم (( عبد الفتاح إسماعيل، جعفر محمد علي أحد الأعضاء المؤسسين لفرقة المصافي عدن، أحمد حسين الغشمي، حمود العمري، الشهيد علي عبد الغني من أحد الناشطين في المسرح المدرسي في مدرسة دار الأيتام (كان يقوم بإعداد التمثيليات التي كانت تقدمها المدرسة كأعياد النصر، أعياد الجلوس، وفي الاحتفالات بمناسبة العام الدراسي)، أحمد محمد نعمان، عبد المجيد القاضي…. وغيرهم.)) ([138])

الفرق المسرحية التي تكونت في هذه الفترة هي كالتالي:

فرقة أبناء الجنوب، فرقة أضواء المسرح، فرقة الشموع، فرقة هيئة الفنون والتمثيل التي أسسها عام 1961 كل من محمود أربد وعبد العزيز يوسف خان، محمود حمزة عام 1964 بعد تقديم ثمانية عروض مسرحية (توقفت)، فرق المسرح في الحديدة أسسها جماعة تتبع نادي الفنون الشعبية ((فرقة اليمن، فرقة المسرح الحديث تأسست عام 1969، ضمت أغلب عناصرها هيئة الفنون للتمثيل واستمر نشاطها المسرحي حتى عام 1973، ثم اتجهت نحو الأعمال الإذاعية والتلفزيونية، فرقة المسرح الشعبي))([139]).  ضمت عناصر أبناء الجنوب (أبناء الجنوب للتمثيل) واستمر نشاطها من عام 1969 حتى عام 1973م، فرقة الآمال للتمثيل تشكلت عام 1969 بالمعلا بعدن وقدمت نفس العام مسرحية (صوت من الماضي)، فرقة نادي شباب الجنوب وقد شكلت في الشحر بحضرموت، وفي لحج شكلت الفرقة العربية للتمثيل عام 1969م، وقدمت العديد من الأعمال من تأليف وإخراج حسن عطا.([140]) وفرقة المحافظة للتمثيل شكلت في أبين عام 1969/1970، فرقة مصنع الغزل والنسيج صنعاء شكلت عام 1969، وتتبع مصنع الغزل والنسيج وانظم إليها بعض عاملات وعمال المصنع واستمر نشاطها حتى عام 1972، فرقة المسرح اليمني وتشكلت في يونيو عام 1971 في عدن وضمت بعض الممثلين من الفرقة القومية للمسرح من هواة التمثيل الموهوبين وعلى رأسهم رئيس الفرقة فيصل عبد الله، ويرى الباحثون والمهتمون أنها من أهم الفرق المسرحية اليمنية كونها رسخت تقاليد وأسس فن المسرح لبنائية العرض الدرامي واستمرت حتى عام 1975، فرقة المسرح اليمني للتمثيل أنشئت في صنعاء عام 1971 واستمر نشاطها حتى عام 1975. ([141]) والفرقة الشعبية للفنون المسرحية المكلا، فرقة سمعون الشحر، فرقة باردام للمسرح والرقص سيئون وهي تابعة للمجلس العمالي بمحافظة حضرموت، فرقة الشؤون الاجتماعية والعمل شكلت عام 1974 في صنعاء بدعم من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وقدمت مسرحية (شمس النهار) للكاتب توفيق الحكيم، (( فرقة القاهرة المسرحية تأسست عام 1970 وتغيرت إلى فرقة نجوم المسرح في أبريل عام 1974م([142])  وفرقة وزارة الزراعة المسرحية أسسها عام 1974 الرائد والمخرج والكاتب والممثل محمد عبد المنان خلال عمله هناك، فرقة المسرح الوطني تأسست عام 1976 واتخذت وزارة الثقافة والسياحة في عدن بتأسيس فرقة المسرح الوطني بإدارة المخرج والكاتب المسرحي عبد الله مسيبلي، فرقة المسرح الوطني صنعاء تأسست عام 1976 في صنعاء وأصبحت تابعة لوزارة الإعلام والثقافة بموجب قرار رسمي بالإضافة إلى فرق أخرى رسمية في العديد من مدن ومحافظات الجمهورية. ([143])

فرقة المسرح الوطني بالحديدة تأسست عام 1978 وكان مؤسسها علي الحرازي ويحيى محمد سيف، وحسن علوان، ومصطفى العيسي وغيرهم، وفي عام 1983 أعيد تشكيلها تحت إشراف الخبير المسرحي الفلسطيني حسين الأسمر، فرقة المسرح الوطني تعز، تأسست عام 1983 تحت إشراف الخبير المسرحي المصري إميل جرجس هذا بالإضافة إلى فرق المسرح الوطني التي شكلت في عواصم المحافظات الرئيسة.([144]) فجميع هذه الفرق المسرحية قدمت عدة عروض مسرحية وغيرها من الفرق نذكر بعض المسرحيات التي قدمت حسب الجدول التالي:

عنوان المسرحية

اسم المؤلف

اسم المخرج

اسم الفرقة

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

قصة الثورة

شهيد الوطن

صورة من الماضي

في خدمة العامل

خائن في خط الثورة

هاملت

يوليس قيصر

القصر والرصاص

انتصار الحق

الجريمة والعقاب

ثورة

تاجر البندقية

ميلاد الثورة

صورة من الماضي

طريق الهلاك

الملك والحيوان

القاعدة والاستثناء

على طريق الاشتراكية

يونيو وتاريخ

حضرة المدير

فلسطين عربية

الجنرال والبرلمان

رأس كبش ولا غرارة جراد

تنبع من بين العصر

كلا له عالمه الخاص

ليلة العيد

الجزاء (1970)

الخبز والمعلم

محمد مدى (البانتويم)

علي صالح مسيبلي

//

//

//

شكسبير مقتبسة

//

//

//

//

//

شكسبير

مقتبسة من أعمال برتولد برخت

//

//

//

//

الفنان حسن عطا

//

محمد علي محمد الضحياني

//

محمد الشهاري

//

//

محمد الزرقة

//

عبد الله الحيفي

//

محمد مدى

عبد الله مسيبلي

//

//

//

محمد عوض با مطرف

//

//

//

//

//

//

//

//

//

//

//

الفنان حسن عطا

//

علي محمد الضحياني

//

محمد الشهاري

//

//

محمد موسى

عبد الله الحيفي

عبد الكريم المرتقى

رؤوفة حسن

الفرقة القومية

فرقة الآمال للتمثيل

//

//

//

نادي شباب الجنوب

//

//

//

//

//

فرقة العروبة للتمثيل

//

//

//

//

//

الفرقة الشعبية للتمثيل

//

فرقة عمال مصنع الغزل والنسيج

فرقة الغزل والنسيج

//

//

فرقة التوجيه المعنوي

//

فرقة المسرح اليمني

//

اسم المسرحية

اسم المؤلف

اسم المخرج

اسم الفرقة

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

مدرسة المغفلين

الضمير في إجازة

شيء لابد منه

شمس النهار

مجلس العدل

المهرجون

فجر الجياع

محاكمة البطل الذي لم يحارب

أغنية على الممر

أنت يا بلقيس (عن وحدة الشعب اليمني)

وحوش وبشر

الكنز

موكب الثورة

أول مايو

الجبل

الأرض

المحاكمة

الزحف الأحمر

الأم

ثورة الشباب

الشيخ الكبير

الموج وصخور الشاطئ

الميكرفون

شرف العائلة

قرقاش

عبد الله الحيفي

//

//

توفيق الحكيم

//

محمد مدى

محمود أربد

الممدوح عدوان

علي سالم

حسين با صديق

//

جمال الشيخ

ألحان وغناء احمد قاسم

حسين السيد

علي صالح مسيبلي

حسين السيد

الفنان يحي مكي

//

توفيق الحكيم

احمد عبد القادر با مطرف

//

//

//

سميح القاسم (فلسطين

يحي المقدمي

//

//

//

محمود أربد

//

//

علي الرخم

//

//

//

فيصل عبدالله

احمد قاسم

حسين السيد

فيصل عبد الله

فيصل عبد الله

حسين السيد

فيصل عبد الله

فيصل عبد الله

محمد عوض با صالح

//

//

//

//

//

فرقة المسرح اليمني

//

//

فرقة الشؤون الاجتماعية والعمل

المسرح الحديث

//

//

المسرح الشعبي

//

//

//

فرقة المسرح اليمني

//

//

//

//

//

//

//

فرق محافظة حضرموت

//

//

//

//

//

اسم المسرحية

اسم المؤلف

اسم المخرج

اسم الفرقة

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

سعدون

المهرج

من أجل أبي

المقدم

المجنون

سور الشحر

حرب الأرادي

الأم

الرجل الذي ضحك على الملائكة

الوطنية

الجرة المحطمة

وقائع الدقائق الأخيرة

أصابع بلا بصمات

الشهداء السبعة

النبراسة

ريف بلادي

يونيو والتاريخ

تعليم المرأة

ناس مجهولي الهوية

العقل الكبير

الرقابة العمالية

السفير المتجول

الطريق مسدود

محمد عوض با صالح

محمد الماغوط

عبد الرحمان الملاحي

أ. حسين أبو بكر المحضار

سالم بكر با ذيب

محمد عبد القادر با مطرف

//

مكسيم غوركي

علي سالم

سالم عبد الإله الحبشي

محي الدين الدمياطي

//

//

حسين ألو بكر المحضار

محمد عبد الله حسن

سالم عبد الإله الحبشي

محمد عوض با صالح

//

//

عبد الرحمان الملاحي

سالم بكر با ذيب

عوض سالم با عطب

عوض سالم با عطي

//

عمر حسنون

//

//

سالم أبو بكر با ديب

احمد عبد الله حسن

عمر مرزوق

فرقة محافظة حضرموت

//

//

فرقة سمعون حضرموت

//

//

//

فرقة بارادم

فرقة بارادم

//

//

//

فرقة المسرح اليمني

//

//

//

فرقة العروبة المسرحية (لجح)

//

فرقة اليمن الجديد (أبين)

فرقة الآمال

فرقة المسرح الحديث

فرقة المصافي الكوميدية

اسم المسرحية

اسم المؤلف

اسم المخرج

اسم الفرقة

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

الحصاد

مصير صرصار

وحوش وبشر

صراع على مأرب

هيفاء

مأساة إنسان على المسرح + جيفار

الأب والأسرة

المهرجان

الزواج المنحوس

هكذا ينام العالم

أنشودة الرجال

من هو

خديجة

عصا موسى

المهزلة الإدارية

صلاة الملائكة

هل كان إيفانوفيتش موجودا

أجمل هدية

كاتب عرض حالات

نقطة في محيط

الجرثومة

جورج باكسوت

اليمن

الوجه المشطور

الفراشة

عبد الرحمان الملاحي

حسين يالم با صديق

عبد المجيد القاضي

معين بسيسو

أحمد محمد الشميري

من شعر محمود درويش

ناصر فضل

توفيق الحكيم

لناظم حكمت

محمد قاسم مثنى

//

//

//

//

حسن عطا

علي الرخم

فيصل بحتو

محمود اربد

ناصر فضل

أحمد با فقي

جميل محفوظ

محمد قاسم مثنى

//

//

//

أبو بكر القيسي

الفرقة الرشعبية للمسرح (لحج)

فرقة المصافي الكوميدية

المسرح الشعبي

اليمن الجديد

الفرقة الشعبية للمسرح (لحج)

فرقة الآمال (لحج)

الفرقة الشعبية للمسرح (لحج)

فرقة القاهرة المسرحية

فرقة العروبة المسرحية (لحج)

فرقة المسرح الحديث

فرقة اليمن الجديد

فرقة المسرح الشعبي

فرقة القوات المسلحة

فرقة المصافي الكوميدية

فرقة المسرح الحديث

فرقة القاهرة المسرحية

//

//

//

//

فرقة القوات المسلحة

فرقة المصافي الكوميدية

فرقة الآمال المسرحية

اسم المسرحية

اسم المؤلف

اسم المخرج

اسم الفرقة

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

ليلى في سمحان

الانتفاضة

الأم

العذراء

عائلة في خطر

انتصار عقيدة

الشيطان الأعور

الأميرة والأقزام السبعة

الشرارة

فتاتا اليوم

وي زرعتوه احرقون

التركة

عائد إلى الوطن

رجال الجبل

الاستجابة

الشمعة المضيئة

خمسة أغسطس

الفتى منصور المنصور

العاشرة ليلا في سمعان

أوديب ملكا

القرار

علي حسين خلف

محمد عبد المنان + عتيق سكاريب

برتولد برخت

صالح الوحيشي

أحمد محمد الشميري

حميد نعمان

أحمد العلواني

عبده علي بعيص

على أحمد العلواني

علي صالح مسبيلي

علي أحمد يافعي

سعيد عولقي

أحمد سبف ثابت

كمال الدين محمد

سالم الجحوشي

فيصل بحصو

صالح الوحيشي

عبد المجيد القاضي

علي حسين خلف

سونكبيس

برتولد برخت

جميل محفوظ

محمد عبد المنان

فيصل عبد الله

أنيس شاكر

عبد الله مسيبلي

إخراج فرقة 14 أكتوبر

عبد الجليل همداني

أبو بكر زين عرس

ألحان احمد محمد ناجي

علي صالح مسيلبي

أحمد الربدي

علي الرخم

جميل محفوظ

سالم الجحوشي

فيصل بحصو

أنيس شاكر

أبو بكر القيسي

جميل محفوظ

أحمد محمد الشميري

محمود أربد

فرقة الآمال المسرحية

فرقة الآمال المسرحية

اتحاد عمال الجمهورية

وزارة الإسكان المسرحية

المصاف الكوميدية

فرقة 14 أكتوبر

فرقة عشرين نوفمبر

مسرح الطفل

المسرح الوطني

//

//

أشيد

اتحاد نساء اليمن

فرقة الإسكان

فرقة الشرق

فرقة المسرح الطليعي

طلبة معهد الفنون الجميلة

فرقة محافظة لجح المسرحية

اسم المسرحية

اسم المؤلف

اسم المخرج

اسم الفرقة

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

القاعدة والاستثناء

صنعاء مدينة مفتوحة

القوي والأقوى

ليلى والمجنون

الخيانة والوفاء

عبد الرحمان الناصر

أغنية علي المهر

الملك هو الملك

الطريق إلى مأرب

انتهى اللعب با ذكي

الفار في قفص الاتهام

اليسك

أنشودة السبعين

لكل شيء نهاية

أبو جعفر المنصور

خالد بن الوليد

الناصر صلاح الدين

الأسعار بين الأمس واليوم

مطعم القصيد لصاحبه الحاج محراد

عيادة الأمراض المستعصية

الشمس

ريف بلادي

الاستجابة

يوم في حياة واحد

على المعاش

برنولد برخت

محمد عبد الولي

سعيد عولقي

صلاح عبد الصبور

محمد عبده الرقهي

طلعت حرب

علي سالم

سعد الله ونورس

محمد الشرقي

//

حسين الأسمر

عبد الكافي محمد سعيد

عبد الكافي محمد سعيد

//

صالح عباد الخولاني

//

//

//

//

//

سالم عبد الله الحبشي

//

سالم الجحوشي

سالم أبو بكر با ذيب

محمد اريد

عبد الله مسيبلي

أحمد محمد الشهيري

عبد الله السلامي

أحمد الفميش

إسماعيل خليل

علاء الدين كوكش

//

عبد الكافي محمد سعيد

محمد حميد العلقي

حسين الأسمر

//

صالح عباد الخولاني

//

//

//

//

//

كمال سالم الحامد

عمر مرزوق حسنون

سالم الجحوشي

سالم أبو بكر با ذيب

فرقة أكتوبر المسرحية (عدن)

//

فرقة المسرح الوطني

معهد الفنون الجميلة

فرقة 14 اكتوبر

فرقة محافظة لحج المسرحية

اليمن الجديد

فرقة 14 أكتوبر المسرحية

فرقة المسرح الوطني

//

//

//

فرقة المسرح الوطني + فرقة التوجيه المعنوي

فرقة التمثيل الكلية الحربية

//

//

//

//

//

فرقة بارادم المسرحية

//

فرقة أشيد

سمعون للمسرح (الشحر)

اسم المسرحية

اسم المؤلف

اسم المخرج

اسم الفرقة

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

المجنون

الحلاق

الأسد والغار

الوعي

خلف المريا

كل له عالمة

نور العين، الجندومة

مكتب خدمة الوطن مقتبسة من المفتش العام

طاهش الحوبان

الصراخ في محكمة الصمت

العراف

آدم الثاني عشر

الأسباب

الدكتور لبيب

أصوب اللعبة

الحضيض

ستة في زنزانة

عرس البيارق

فطومة

سالم أبو بكر با ذيب

//

أديب قاسم نعمان

أحمد دهمش

//

محمد الزرقة

محمد الزرقة

أحمد عبد الله سعد

حسين اللوزي

صبري الحيفي

علي احمد الأسدي

//

عادل ناصر

عادل ناصر

عبد العزيز عباس

//

فيصل صوفي

فيصل العامري

سالم أبو بكر با ذيب

//

أبو بكر القيسي

عبد الله الحيفي

عد الرحمان الغابري

محمود هادي

منصور الفبري

حسين الأسمر

د. علي سيف المشرقي

صفوت الغشم

هائل قائد الصلوي

محمد الرخم

محمد الرخم

 عبد العزيز عباس

//

جميل محفوظ

العربي السوداني

رفع الله البشير

فرقة سمعون (الشحر)

//

فرقة مسرح العرائس

فرقة القوات الجوية المسرحية

فرقة المسرح اليمني

فرقة التوجيه المعنوي المسرحية

(صنعاء)

الفرقة الشعبية للمسرح

فرقة المسرح الوطني

//

معهد الفنون الجميلة عدن

فرقة المسرح الوطني

//

//

//

فرقة أكتوبر

//

فرقة المسرح الوطني حضرموت

المسرح الوطني الحديدة

تمتاز هذه الفترة أن المسرح اليمني تقدم من ناحية النص والتمثيل والإخراج وذلك لعدة أسباب نذكر منها:

  1. حرية التعبير  وجدت بعد الثورة والاستقلال مما أدى إلى زيادة الإنتاج والتطلع على التجارب المسرحية العربية والعالمية.
  2. تأسيس معاهد لتكوين ممثلين كمعهد الفنون الجميلة عدن (يحتوي على قسم خاص بالمسرح)، ومعهد الفنون الجميلة في الحديدة…وغيرها.
  3. ابتعاث طلبة للدراسة في الخارج سواء في الدول العربية أو الأجنبية وأفادوا المسرح اليمني بعد عودتهم إلى اليمن بما اكتسبوه من تجارب وتقنيات حديثة في المسرح. ([145])
  4. الاطلاع على نصوص عربية وأجنبية ساعدت على الاقتباس والتأليف للكتاب والمخرجين اليمنيين.
  5. تكونت عدة فرق ونوادي مسرحية في هذه الفترة مما أدى إلى زيادة الإنتاج المسرحي.
  6. تنظيم عدة مهرجانات مسرحية لتبادل الخبرات والقدرات الفنية.
  7. ظهور فرق مسرحية مدرسية مكونة من صغار الطلاب تقدم أعمال مسرحية موجهة أصلا للصغار…وهذا شجع مسرح الطفل والاهتمام به.
  8. إقامة اتحاد للمسرحيين اليمنيين، وكذلك نقابة الغنائيين المسرحين اليمنيين.
  9. نوقشت جميع القضايا الاجتماعية والسياسية والإنسانية ساعد على التجريب وإحياء الأفكار على خشبة المسرح. ([146])
  10. إنشاء قاعات عروض ومراكز ثقافية.
  11. تكوين فرق وطنية خاصة بالمسرح الوطني.
  12. بروز عدة كتاب و مخرجين وممثلين جدد في هذه الفترة.
  13. دخول المسرح في إطار الاحترافية، عكس ما كان في الأربعينات والخمسينات.
  14. اهتمام السلطات بهذا الفن الذي هو فن المسرح أبو الفنون وتشجيع الكوادر الفنية.
  15. المشاركة في المهرجانات المسرحية الدولية والإفادة والاستفادة من التجارب والعروض المسرحية التي تعرض فيها من قبل الدول المشاركة.

و بهذا يمكن التأكيد على أن المسرح قد لعب دور فعال وساير مجمل تطورات الوضع على المستويين الداخلي والخارجي وكسب مزيدا من الجمهور. ([147])


[1]- أحمد صقر، توظيف التراث الشعبي في المسرح العربي ، مركز الإسكندرية للكتاب ، 4 شارع  د. مصطفى مشرفه ، مصر ، ص19

[2]-المرجع نفسه ،ص50

[3]- حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح ، مطابع المنار العربي ، الجيزة ،   ط1، أكتوبر 1991 ، ص45.

[4]- يحيى محمد سيف،  أعلام الأدب والفن المسرح في اليمن ، الهيئة العامة للكتاب، صنعاء،اليمن،رقم الإبداع 249،2006 ، ص 6-7.

[5]-يحي محمد سيف، المختصر المفيد في المسرح العربي الجديد،المسرح في اليمن ، الإمارات العربية المتحدة،أبو ظبي ، المجلس الوطني للإعلام،الطبعة الأولى،1420-2009 ، ص7.

[6] – علي بن علي صبره ، اليمن الوطن الأم ، وزارة الإعلام والثقافة ، مشروع الكتاب 9/2 ، اليمن ، الطبعة الاولى اليمن  ، 1407 ، 1981ص 11.

[7] – محمد حسين الفرح ، الجديد في تاريخ دولة وحضارة سبأ وحمير ، المجلد الأول_ اصدارات وزارة الثقافة والسياحة 2004 ،  صنعاء_اليمن ، ص61  ، 62

 [8] –   المصدر  نفسه ، ص 69

[9] – سورة الأعراف،الآية 69.

 [10] – يحي محمد سيف ، أعلام الأدب والفن المسرحي في اليمن  ،  ص 7.

[11] –  المرجع نفسه _  ص 6.

[12] – حمزة علي لقمان ،  أساطير من تاريخ اليمن ، دار الميسرة،الطبعة الثانية 1988/1989، ص 22-23.

[13] – ، حمزة علي لقمان ،  أساطير من تاريخ اليمن ص 11-12.

[14]-   المصدر نفسه ، ص 23-24.

[15]- -المصدر  نفسه ، ص 61.

[16] –  يحيى محمد سيف ، أعلام الأدب والفن المسحي في اليمن  ،  ص 7.

[17]-  سولين دكاش ، عاشوراء كظاهرة من الظواهر المسرحية عند العرب ، مجلة تحولات  ،الصفحة الرئيسية،العدد التاسع ، 15  شباط 2007.

[18] – محمد حسين الفرح ، الجديد في تاريخ وحضارة دولة سبأ وحمير ،   ص 603-60.4.

[19]  - حمزة علي لقمان ، أساطير من تاريخ اليمن ،  ص 21-23.

[20] – حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح،المرجع السابق ، ص 12-14.

[21] – ثريا منقوش ، سيف بن ذي يزن بين الحقيقة والأسطورة ، إصدار وزارة الثقافة والسياحة 2004. ، اليمن  ، ص 35

[22]- يحيي  محمد سيف ، المختصر المفيد في المسرح العربي الجديد،المسرح في اليمن  ، أبو ظبي ، المجلس الوطني للإعلام ، الإمارات العربية المتحدة ، الطبعة الأولى 1430-2009 ، ص 6.

-[23]حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح ، ص 15 إلى 91.

 -[24]سعيد عولقي ، سبعون عاما من المسرح في اليمن ، ص  27 ، 28.

-[25] حسين الأسمر،المسرح في اليمن تجربة وطموح  ، ص 20.

-[26] سعيد عولقي ،المرجع نفسه، ص  33…

[27]- إبراهيم أبو طالب ، الموروثات الشعبية القصصية في الرواية اليمنية ، إصدارات وزارة الثقافة والسياحة ، صنعاء ، اليمن  2004. ، ص46

-[28] المرجع  نفسه ،    ص 47.

[29]- المرجع  نفسه ، ص  48.

[30]-  سعيد عولقي ، سبعون عام من المسرح في اليمن ، ص 35

[31]-. فيصل عبد عودة ، سوسيولوجيا النص المسرحي ، إصدارت وزارة الثقافة والسياحة ، صنعاء ، اليمن 2004 ، ص 32

-[32]   حسين الاسمر ، المسرح في البمن تجربة وطموح ،  ص 23.

-[33] سعيد عولقي ، سبعون عام من المسرح في اليمن ، ص 28 ، 29.

-[34] حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح ، ص 33.

-[35]  المرجع  نفسه ، ص 34.

-[36] علي عقلة عرسان ، الظواهر المسرحية عند العرب ، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، مطبعة الكاتب العربي ،  دمشق،1998، ص 80 ، 81.

-[37] كمال الدين حسن،التراث الشعبي في المسرح المصري الحديث ، تقديم مختار السويفي،الدار المصرفية اللبنانية،الطبعة الأولى ،1413 /1993  ، ص 76 ، 77

 -[38]موسى الصباغ ، القصص الشعبي العربي في كتب التراث ، دار الوفاء الدنيا للطباعة والنشر، الإسكندرية مصر ،  2006 ، ص85

 -[39]فوزي فهمي، المفهوم التراجيدي والدراما الحديثة، مكتبة الأسرة ، مصر ،  ص 16 ، 17.

 -[40]أحمد صقر، توظيف التراث الشعبي في المسرح العربي،  ص43.

 -[41]علي عقلة عرسان ، الظواهر المسرحية عند العرب ،  ص 6-7.

 -[42]حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح ، ص 13.

*  بريخت:  Bertolt Brecht برتير بريخت ولد عام 1898م وتوفى في برلين عام 1956م عن عمر ناهز 58 عاما رائد المسرح الملحمي أحد اكبر الشخصيات تأثيرا في المسرح العالمي تعدت شهرته ألمانيا حتى كافة أنحاء العالم تولى النادي الألماني، حاصل على جائزتين متتاليتين للسلام، له العديد من أعمال من أشهر أعماله (بعل، ذاك الذي يقول لا، طبول في الليل، الرجل هو الرجل، الأم، الأم الشجاعة وأبناءها، الإنسان الطيب في سيشوزان، دائرة الطباشير القوقازية) ، أنظر كتاب  المسرح التجريبي من ستلانسلافسكي إلى بيتربروك ،ص 99،100.

 -[43]حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح ، ص 20.

 -[44]عبد الله البردوني ، فنون الأدب الشعبي في اليمن  ، دون ناشر، د,ط ، د. ت ، ص 160.

 -[45]سعيد عمر فرحان ، الجذور التاريخية لرقص الزوامل اليمنية ، المساعد الشخصي الرقمي:تاريخ الدخول21_ 08_2011 الساعة30 .3

http/ :www.saiban.info/rb/archire/indexphp/t-6590.html

 -[46]حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح ، ص 21.

-[47] مسعود  عشيوش، مقانات باعبور ، الملحق الثقافي ، صحيفة الثورة ،2/06/2005. تاريخ الخول 18_08_2011م ، الساعة 1

           http/ :www.yemenitta.com//baabood.htm

 -[48]علي عقلة عرسان ، الظواهر المسرحية عند العرب ، ص 303.

[49]_ ،http/:www.remenstudemnts.com/vb/showingead.php?T=22908

 -[50]مسعود  عشيوش ، مقامات باعبود ،  ص 3.

 -[51]،يحيى محمد سيف ، أعلام الأدب والفن المسرحي في اليمن ، ص 8.

 -[52]عبد الله الحبشي ،  مجلة الثقافة الجديدة ، العدد 74 عام 1979، عدن ، اليمن ، ص 69.

 -[53]سعيد عولقي ، سبعون عام من المسرح في اليمن  ، ص 26.

 -[54]سعيد عولقي، سبعون عام من المسرح في اليمن  ، ص 26.

 -[55]مسعود عشيوش ، مقامات باعبود ،  ص 4.

 -[56]أحمد سعيد  الريدي ،  مدخل لدراسة بداية النص المسرحي اليمني ، مجلة الحكمة ، العدد 127 نوفمبر 1985، ص 59.

 -[57]يحي محمد سيف ،  أعلام الأدب والفن المسرحي في اليمن  ، ص 69.

 -[58]سعيد عولقي  ، سبعون عام من المسرح في اليمن ،  ص 84.

 -[59]المرجع نفسه، ص18 ، 19.

 -[60]حسين الأسمر ،  المسرح في اليمن تجربة وطموح ، ص 70.

2 -سعيد عولقي ، سبعون عام على من المسرح في اليمن ،  ص19

[62]  -يحي محمد سيف ، أعلام الأدب والفن المسرحي في اليمن  ، ص 13.

*  شكسبير: وليام شكسبير ولد 1561م توفي 1616م، كبير شعراء الانجليز كان ممثلا وكاتبا مسرحيا سرد في مسرحياته أغوار النفس البشرية وحللها في بناء متناسق جعلها أشبه من السنفونيات الشعرية، له العديد من الأعمال من أشهر أعماله (تاجر البندقية وكوميديا الأخطاء، هاملت، عطيل، روميو وجولييت، لوليوس قيصر، ماكبيث، الملك لير).(انظر الموسوعة الحرة، ومنتديات جريدة شروق للإعلام دبي)

[63] – سعيد عولقي ، سبعون عام من المسرح في اليمن ، ص 35.

 - [64] يحيى  محمد سيف ، المختصر المفيد في المسرح العربي الجديد المسرح اليمني ، ص 4.

1- حسين الأسمر، المسرح في اليمن تجربة وطموح ، ص 70 ، 71.

[66]  - سعيد عولقي ، سبعون عام من المسرح في اليمن ، ص 36 ، 37.

 -[67]يحي محمد سيف ، أعلام الأدب والفن المسرحي في اليمن  ،  ص 13.

[68]- سعيد عولقي ، سبعون عام من المسرح في اليمن ، ص 38.

[69]- المرجع نفسه ، ص 19.

[70]- حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح   ، ص53.

[71]- سعيد عولقي سبعون عام من المسرح في اليمن ، ص 92.

[72]- يحي محمد سيف ، أعلام الأدب والفن في المسرح اليمني ، ص 79.

[73]- حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح ، ص 54.

[74]- سعيد عولقي ، سبعون عام من المسرح في اليمن ، ص 93-94.

[75]- حسين الأسمر، المسرح في اليمن تجربة وطموح، ص 54.

[76]- سعيد عولقي ، سبعون عام من المسرح في اليمن ،  ص  93 ،  94     .

[77]- عبد الله البردوني ، قضايا يمنية ، دار الفكر ، دمشق ، الطبعة الخامسة  1416ه ، 1996م ، ص 236.

[78]- محمد الشرفي ، مسرحيتان من مواسم الهجرة والجنون والعشاق يموتون كل يوم ، مطبعة عكرمة ، دمشق ، الطبعة الأولى ، ص 10.

[79]- يحيى محمد سيف ، أعلام الأدب والفن المسرحي في اليمن ، ص 31.

*  وضاح اليمن: لقب وضاح اليمن لجماله وبهائه اسمه عبد الرحمن إسماعيل بن عبد كلال بن داذ أبي حمد،من أحد القبائل اليمنية تسمى خولان ابن عمرو… الهيمسع بن العرنجج وهو حمير بن سبأ،ولد في العصر الأموي وعاش في خلافة الوليد بن عبد الملك،أستاذ بالشعر والغزل وقيل تآمر الخليفة الوليد بن عبد الملك فقتله بسبب أنه تغزل في زوجته أم البننين بنت عبد العزيز بن مروان.  ( انظر كتاب الغاني  للاصفهاني )

[80]- حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح ، ص 33 ، 34.

[81]- أبو الفرج الأصفهاني ، كتاب الأغاني ، دار الثقافة ، بيروت لبنان ، المجلد السادس ، ص 205.

[82]- طه حسين ، من تاريخ الأدب العربي العصر الجاهلي والإسلامي ، المجلد الأول ، دار القلم للملايين ، بيروت ، ص 537 ، 554.

[83]- سعيد عولقي، سبعون عام من المسرح في اليمن ، ص 18.

[84]- المرجع نفسه ، ص 19 ، 20.

[85]-   سعيد عولقي، سبعون عاما من المسرح في اليمن، ص 19.

[86]-    . سعيد عولقي، سبعون عاما من المسرح في اليمن، ص 24

[87]- ، سعيد عولقي، سبعون عاما من المسرح في اليمن، ص 20.

[88]- يحي محمد سيف ، المختصر المفيد في المسرح العربي الجديد المسرح في اليمن ، ص 19.

[89]- المرجع نفسه ، ص 20.

[90]- فيصل حسين الصوفي ، فن الأدب والنقد اليمني  ، ص 56.

[91]- سعيد عولقي ، سبعون عام من المسرح في اليمن ، ص 14.

[92]- يحي محمد سيف ، أعلام الأدب والفن في المسرح اليمني ، ص 14.

[93]- يحي محمد سيف ، أعلام الأدب والفن المسرحي في اليمن ، ص 35 ، 36.

[94]- فيصل عبد عوده ، سوسيولوجيا النص المسرحي ، ص 71 ، 72.

[95]- يحيى محمد سيف المختصر المفيد في المسرح العربي الجديد المسرح اليمني ، ص 21.

[96]- يحيى محمد سيف ، أعلام الأدب والفن المسرحي في اليمن ، ص 47.

[97]- سعيد عولقي ، سبعون عام من المسرح في اليمن ، ص 19.

[98]- يحيى محمد سيف ،  المرجع نفسه ، ص 54 ، 55.

[99]- يحيى محمد سيف ، المختصر المفيد في المسرح العربي الجديد المسرح في اليمن ، ص 25.

[100]- المرجع نفسه، ص 20.

[101]- حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح ،  ص 267 إلى 275.

[102]- يحيى محمد سيف ، أعلام الأدب والفن المسرحي في اليمن ، ص  20

[103]- المرجع نفسه، ص  177.

[104]- يحيى محمد سيف ، المختصر المفيد في المسرح العربي الجديد المسرح في اليمن  ، ص 41 ، 44.

[105]- يحيى محمد سيف ، أعلام الأدب والفن المسرحي في اليمن ، ص 79، 80.

[106]- سعيد عولقي ، سبعون عام من المسرح في اليمن ،  ص 162، 163.

[107]- يحيى محمد سيف ، المختصر المفيد في المسرح العربي الجديد المسرح في اليمن  ، ص 31.

[108]- سعيد عولقي ، سبعون عام من المسرح في اليمن  ، ص 162، 163.

[109]- عبد الله البروني ، قضايا يمنية ،    ص 51

[110]- عبد الله البروني ، قضايا يمنية  ،   ص 160

[111]- سعيد عولقي ، سبعون عام من المسرح في اليمن ، ص 35.

[112]- سعيد عولقي ،  سبعون عاما من المسرح في اليمن ، ص 38.

[113]- يحيى محمد سيف ، المختصر المفيد في المسرح العربي الجديد المسرح في اليمن ، ص 14 ، 15.

[114]- سعيد عولقي ، سبعون عام من المسرح في اليمن ، ص 39.

[115]- حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح  ،  ص 70.

[116]- يحيى محمد سيف ، أعلام الأدب والفن المسرحي في اليمن،ص 35 إلى 40.

[117]- حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح  ، ص 53 ، 54.

[118]- عبد الله البردوني ، قضايا يمنية ،  ص 56.

[119]- المصدر نفسه ص 62.

[120]- سعيد عولقي ، سبعون عام من المسرح في اليمن ، ص 45 ، 46.

[121]- حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح ، ص 71.

[122]- سعيد عولقي ، سبعون عام من المسرح في اليمن ،  ص 56.

[123]- يحي محمد سيف ، المختصر المفيد في المسرح العربي الجديد المسرح في اليمن ،  ص 20.

[124]- سعيد عولقي، المرجع نفسه  ص 55 إلى 60.

[125]- حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح ،  ص 53 إلى 57.

[126]- أحمد حسين جابر ، مجاهيل ومشاهير ، مجلة ثقافية وفنية ، السبت 4 أكتوبر 2003._ ص4

[127]- حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح ، ص 71 إلى 80.

[128]- سعيد عولقي ، سبعون عام من المسرح في اليمن ، المرجع السابق،ص 167.

[129]-   سعيد عولقي ، سبعون عام من المسرح في اليمن ، ص 162.

[130]- حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح ،  ص 76-77.

[131]- سعيد عولقي ، المرجع السابق، ص 141.

[132]- حسين الأسمر، المسرح في اليمن تجربة وطموح  ، ص 86، 87.

[133]- يحي محمد سيف ، المختصر المفيد في المسرح العربي الجديد المسرح في اليمن ،  ص 77، 78.

[134]- عبد الله البردوني ، قضايا يمنية ،   ص 235 ، 236

[135]- عبد الله البردوني، قضايا يمنية ، ص241-242.

[136]- نجيب محمد جلال ، الصحافة في مواجهة الاستعمار البريطاني ، صحيفة 26سبتمبر ، رقم العدد 1094 ، اليمن   ، ص1.

   _21_08_2011الساعة05_°15http:/26sep ,net :neweekarticle ;php !lng=arabic8SID=6609

[137]- أحمد الجدع،الزبيري ، شاعر الثوار وأبو الأحرار ، ثقافة وفن_ص1_تاريخ الدخول 21_خ8_2011 الساعة_3_16

http://www.islamonline.net/arabic/2003/10/images/pic01jpj

[138]- يحي محمد سيف ، اليمن مسرحيون يفجرون الثورة ويقودون الدولة ، صحيفة الجمهورية ، العدد 1526 ، تاريخ 29_03_9200 ، اليمن ، القراءة 143تاريخ الدخول 21_08_2011  الموقع  algomhoriah.net/atach.php?id=21612 http://www.

[139]- سعيد عولقي ، سبعون عام من المسرح في اليمن ،  ص 193، 194.

[140]-  ا لمرجع نفسه ، ص 193، 194.

[141]- حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح  ،  ص 80 إلى 8 83.

[142]- يحيى محمد سيف ، المختصر المفيد في المسرح العربي الجديد المسرح في اليمن ، ص 75 ، 76.

[143]- سعيد عولقي ، سبعون عاما من المسرح في اليمن   ، ص 198.

[144]- المرجع نفسه ، ص 58.

[145]- يحي محمد سيف ، المختصر المفيد في المسرح العربي الجديد المسرح في اليمن  ، ص 78.

[146]- سعيد عولقي ، سبعون عام من المسرح في اليمن  ،    ص 206-207.

[147]- سعيد عولقي ، سبعون عاما من المسرح في اليمن   ، ص 209.

الفصل الثاني

التراث اليمني

  مدخل:

التراث ذاكرة الأمم والشعوب وبدون ماضي لا يكون هناك حاضر مشرق يستمد من ماضيه ويطوره ويعرف الأمم والشعوب طريقة عيشها وثقافتها وحياتها اليومية، كيف عبروا عن أفراحهم وأحزانهم وتقاليدهم. وتراثنا اليمني غني كتراث أي أمة من الأمم والشعوب إذ يساوي التراث الإغريقي والحضارة البابلية والفرعونية، ولا أكون مجازفاً بل أكثر من ذلك. فالحضارة اليمنية ليست وليدة الساعة بل تاريخها يعود إلى ثمانية ألف وخمسمائة (8500 ق.م) من زمن العماليق وعاد الأولى. ولا شك في أن هناك عدد من الأساطير والحكايات الشعبية والطقوس الدينية وسير ملوك وحكام حكموا اليمن قديماً كان لهم بطولات وسردت الحكايات والسير تشيد بهؤلاء الأبطال، ولليمن عادات وتقاليد تتميز عن أي شعب من الشعوب وبعضها لازالت إلى حد الآن. وبما أن بحثنا لا يغطي دراسة التراث اليمني لذا سنتطرق إلى الأسطورة ومكوناتها وأحداثها وشخصياتها ودراسة نموذج منها، وكذلك السير الشعبية، الحكايات الشعبية، لمعرفه مكونات هذه السير والحكايات ومحتوى الفكرة التي يدور حولها الموضوع وبصورة مختصرة.

2-1  الأساطيـر اليمنيـة:

تعد الأسطورة عمق تاريخ الإنسان الأول وعمق تفكيره منذ طفولة الذهن البشري وأدبه وفنه وشعره، فالأسطورة تتشعب في مسارب مختلفة تأتي بإيحاءات لا حصر لها، فالأسطورة من الخيال المحض، فهي تقدم واقعا أسطوريا في الخيال، أي أنها تحاول تحقيق المستحيل الذي يقصر العقل أن يصل إليه أو يصدقه، أو يسلم به، فجمال الأسطورة بأنها تقرب البعيد وتبعد القريب، فالأسطورة يطلق عليها (في اللغة الفرنسية Mytne)، وفي الانجليزية (Myth) وفي الاسبانية (Mito) بيير سميث يحاول (P.Smith) في الموسوعة العملية أن يقدم تعريفا دقيقا، جامعا لمفهوم الأسطورة فهو قد ربطها بالقصة أو العمل السري (pecit) والحكاية (conte) والحكاية الشعبية (légende) والخرافة (fable) فحاول أن يميزها من بين هذه الأنواع الأدبية على أنها أولا ليست إلا نوعا خاصا من قصة نموذجها حددته تواريخ الآلهة في الميثولوجيا الإغريقية الموغلة في القدم فهي على كل حال (( تواريخ الأبطال و تتميز بصفات القصص التاريخية، وتاريخ الحيوانات المتميز بالصفة الخرافية، وتعتمد معظم الشعوب التي تصف مختلف أنواع القصص التي يسهل عليها  )) ([1]) فهذا فولتير  يعرفها بالحمقى، ويعبر سنت أوغسطين عن هذا المعنى بطريقة حين يقول ((إنني أعرف ما هي الأسطورة بشرط ألا يسألني أحد عنها، ولكن إذا ما سئلت أو أردت الجواب فسوف يعتريني التلكؤ ))([2]). وتنظر الدكتورة نبيلة احمد إبراهيم سالم إلى الأسطورة ” أنها محاولة لفهم الكون بظواهره المتعددة أو هي (( صحيح أنها نتاج الخيال الإنساني ولكنها لا تخلو من منطق خاص ينبثق من داخلها فلسفة أولية تطور عنها العلم والفلسفة فيما بعد ))([3]) بينما يعّرف عبد الحميد يونس الأسطورة ب (( أنها تتركز حول تصور الواقع، وإن كان تصورا خارقا أو تقترن دائما بالطقوس التي تمثلها وإذا أردنا أن نحدد مجالا للأسطورة فإننا نشير إلى أنها حكاية إله أو شبه إله أو كائن خارق تفسر بمنطق الإنسان البدائي ظواهر الحياة والطبيعة والكون والنظام الاجتماعي وآليات المعرفة. فهي تنزع في تفسيرها إلى التشخيص والتمثيل والتجسيم وتنأى بجانبها عن التعليل والتحليل وتستوعب الكلمة والحركة والإشارة والإيقاع وقد تستوعب تشكيل المادة (( وهي عند الإنسان البدائي عقيدة لها طقوسها فتطور الأسطورة لعوامل تغيير المجتمع))([4]). أما مالينوفكسي “فيقول عن الأسطورة (( تنشأ بدافع حضاري، ولكن هذا لا يعني أن نهمل جانبها الفني، فالأسطورة تحتوي على بذور ملحمة المستقبل وبذور القصة والمسرحية، لقد استخدمت الأسطورة أروع استخدام من رجال الفن والسحر))([5]). وتعرف الأسطورة في (معجم المترادفات) ((أنها “قصة مركبة من عناصر إلهية خالصة، بدون أساس تاريخي، على الأقل فيما يخص الجوهريات فيه))([6]) ويعرفها “رولان بارت” نمطاً دلالياً وشكلاً فنياً أو كما عبر (( أنها نسق من التواصل، أنها رسالة”))([7]) فهذا التنوع في الأسطورة انعكاس لثراء عالمها، ولا يخلو موروث مجتمع من المجتمعات من الجذور القديمة في التاريخ الإنساني من وجود التراث الإنساني الأسطوري في أدبه الشعبي، فتعتبر الأسطورة من أهم أشكال الأدب الشعبي، بل تعتبر أهم أشكال التعبير القولي في الأدب الشعبي، فالأسطورة ليست قصة عادية تروى أو حكاية يتناولها الشعب في أمسيات لتمضية الوقت لقتل الفراغ “فالإنسان البدائي، عندما صادف الظواهر الطبيعية من حوله، كالمطر والبرد والإنبات… إلى غير ذلك كان لابد له من التساؤل عن مصدرها وأن يربط بين وجودها والقوى الغيبية التي أمن بسيطرتها عليه فهذه الظواهر لابد أن يكون في صلح دائم معها، ومن هنا نشأت الطقوس الدينية التي كان يحييها في مواسم معينة، ((الأسطورة بمعناها المحدد وصفا لهذه الطقوس أو هي الحكاية التي ترتبط بها))([8]). فالأسطورة مفرد أساطير مثل أحاديث و أحدوثة وأكاذيب و أكذوبة وفي اللغة تعني ((كل ما يخط ويسطّر من أباطيل أحاديث عجيبة وقد ورد في المعاجم “السطر والسطر: الصف من الكتاب والشجر والنخل ونحوها يقال بنى سطرا وغرس سطرا والسطر الخط والكتابة))([9]) وقول الله عز وجل: ((وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا)){الفرقان/5}([10])، وقوله عز وجل ((ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ)){القلم/1}([11]) فالأولى خبر المبتدأ المحذوف والمعنى يقال الذي جاء به هو أساطير الأولين معناه سطره الأولون، ومعنى الأساطير جمع أسطورة وسطر يسطر إذا كتب.،أما الآية الثانية قال أبو سعيد الضرير «سمعت أعرابياً فصيحاً يقول أسطر فلان أسمي أي تجاوز السطر الذي فيه أسمي فإذا كتبه قبل سطره ويقال سطر فلان فلاناً بالسيف سطراً إذا قطعه به كأنه سطر مسطور. ((الأساطير: أحاديث لا نظام لها واحدتها أسطار وإسطارة وبالكسر إسطير وسطيرة وإسطورة، وأسطورة بالضم وقال قدم. أساطير جمع أسطار وأسطار جمع سطر))([12])، ويقال إذا أخطا الرجل أسطر أي يكفوا عن خطئه. فالإنسان وحده الذي ينفرد عن كل الحيوانات والكائنات، بالسلوك الرمزي وبالقدرة على استعمال الرمز والتعامل عن طريقها، فاللغة التي يتصل بها غيره شبكة الرموز والأحجية والتعاويذ والطلاسم والشعائر والطقوس التي يمارسها في مناسبات معينة جميعها رموز (( اتفق عليها المجتمع ويدركها أفراده، ويستخدمونها في حياتهم اليومية ))([13]). إذ يعد الرمز من أحد الدعائم للتكوين الأسطوري إلى جانب أنها تعد “تفسيراً تمثيلياً للطقوس” وهذا يفسر وجود أكثر من صورة وأكثر من تفصيل يفسر طقساً أو جزء من أسطورة أضيف أو بدل خلال رحلة الإنسان الاجتماعي في الزمان والمكان (( تعد البنية الثقافية والاجتماعية بفعل التطور الحتمي للمجتمع وبما أن الأسطورة هي جزء من الفلكلور الذي يشمل الحكايات الشعبية والأساطير والسير الشعبية والطقوس الدينية والرقصات والأهازيج وغيرها )) ([14]) ومارسها الإغريق تعود بضرورة تاريخاً حقيقياً متعلقاً بالأديان، فتلك النزعات فطرية كان الإنسان البدائي يبحث فيها عن قوة في الطبيعة، أو فيما وراءها تحميه من شرور هذه الطبيعة نفسها والبحث عن التخلص من المرض والظلام والشيخوخة والموت، وكل الآلام والأضرار.. الذي كان يعتقدها الإنسان البدائي وقضت عليها العقيدة الإسلامية نظراً لمخالفتها للعقيدة الإسلامية، نظراً لتعليق الأدب في عوالم جديدة يرتادها وأقبح ما فيه التقليد والقصور والتسليم بواقع محتوم وهكذا جاء تعريف الأسطورة عند هؤلاء الكتاب والباحثين ولكن في نظري أن الأسطورة إبداع إنساني استطاع أن يواجه الطبيعة بخياله الأسطوري الذي يصف لنا أحداث خيالية لدينا كاذبة صادقة لديهم لأن الإنسان البدائي كان يؤمن بهذه الأساطير وتعتبر بحث عن وراء هذه الكوارث ومحاولة لإرضاء الإله ومواجهة الأبطال لها، فالأسطورة تنقلنا إلى حالة من الوعي يمكن أن يقال عنها بأنها ذات بعد روحي. وتصنف الأساطير إلى:

أولا- الأساطير الطقوسية اليمنية: وهي الأساطير التي ترتبط بعمليات العبادة أيا كان شكلها والتي تعتمد على الطقوس (الفعل الحركي) والتي يتقرب الإنسان إلى تلك القوى الخفية (الآلهة التي تتحكم في مظاهر الكون والطبيعة) مثل أسطورة (المقه) (إله القمر) أي معبد بلقيس والذي يسميه الناس (محرم بلقيس) و (معبد بلقيس) (( تبرز التراتيل والشعائر، ويصاحب هذه التراتيل أبيات شعرية من النسوة في جو احتفالي ورقصات إيمائية ))([15]). وكذلك أسطورة العمالقة، والعمالقة عند البابليين “مالوق” وأضاف اليهود إليها “عم” بمعنى الأمة أو الشعب فصارت “عم ماليق” أي شعب ماليق وسكنوا شمال جزيرة العرب حتى جنوب فلسطين، والمعتقد أن قوم عاد ظهروا بعد الطوفان في الأحقاف بين حضرموت واليمن وبلدان الخليج وكان يبلغ طول الواحد منهم (50) ذراعا وطول (75) قدما ومنهم بنو قرى ومدن في عامة العالم بما فيها حضرموت أسطورة العماليق، وأسطورة إرم ذات العماد وهم قوم النبي هود عليه السلام (( تسرد لنا الأسطورة أنه بعد أن أرسل إليهم النبي هود عليه السلام ووصف لهم الجنة وما فيها من نعيم، فيسخر إرم ويطلب أن ينتشروا في أنحاء المملكة([16])، ليختاروا أرض طيبة ليتخذ منها جنة ويتحدى بها جنة الله سبحانه وتعالى فجاء اختيار أرض بين لحج وعدن (خليج الوادي) وبين ماوية في طريق المفاليس من جهة أخرى، وبناء إرم الجنة))([17]). ثانيا- أسطورة الخلق: وهي الأساطير التي تفسر خلق العالم أو الكون وتعتمد الأساطير اليمنية أساساً على آلهة الطبيعة والسماء، الأرض، الرياح، الشمس، القمر، النجوم.

كان الناس يعبدون الأفلاك السماوية القمر وقرينته الشمس وابنها كوكب الزهرة، وقبل أن تتحول هذه الدول إلى ممالك (( كان رئيس كل دولة يلقب (مكرب) والذي يعني رئيس الكهنة الذي كان يستمتع بسلطة دينية وسياسية أي أنه كان رئيساً دينياً وملكاً دنيوياً، وكان يعتبر الابن الأكبر للإله (القمر) بينما كان بقية أفراد الشعب الأبناء الصغار الذين كان خضوعهم للابن الأكبر خضوعاً للإله ))([18]) كان يرمز للإله القمر بقرنين (الوعل أو الثور) لأنها أقرب شبها بالهلال.

ثالثا: الأسطورة التعليلية: وهي تلك الأسطورة التي يحاول الإنسان البدائي عن طريقها أن يعلل ظاهرة ولكنه لا يجد لها تفسير مباشر مثل (الرعد، انفجار البركان، وانشقاق الأرض عن الزرع).

رابعاً- الأسطورة الرمزية: وهي أقرب إلى الأسطورة الدينية والكونية لأنها تعبر بطريقة مجازية عن فكرة دينية أو كونية والتي تتطلب التفسير بالمعنى الرمزي.

خامسا- الأسطورة التاريخية: هي الأسطورة المتضمنة واقعاً تاريخياً في القدم، وهي مزيج من التاريخ والأعمال الخارقة التي تنسب إلى البطل، الذي يجمع بين الصفات الإنسانية والقدرات الإلهية، ويعاد إلى مصاف الآلهة ولكن صفاته الإنسانية تشده دائما إلى العالم الأرضي، كأسطورة “سيف بن يزن” مثلاً “والتبع حسان”. وباختلاف التصنيف نجد أن الأساطير سواء في المضمون والمعاني ((تعتمد الأسطورة على الرمز ويعد الطقس والرمز من دعائم التكوين الأسطوري وهو الأصل في نشأتها )) ([19])،  كما أسلفنا سابقا عن تعريف الأسطورة وتصنيفها، فاليمن بلد حضارة وتعدد العبادات والطقوس والشعائر الدينية، فمر الإنسان البدائي بعدة مراحل من الصيد إلى الزراعة ثم إلى التفكير في الإنتاج والرسم والصناعة اليدوية، وكل مرحلة من هذه المراحل (( كانت تقدم طقوس دينية للآلهة ومعتقدات وذلك من أجل إرضاء الآلهة، كالآلهة اليونانية القديمة ولكن تحت مسميات أخرى ))([20]وكما يروي لنا الكاتب سعيد عولقي  (( أن من بين أشهر أسماء الإله القمر “ود” التي تعني الحب الإلهي البعيد عن الحب الجنسي، و “دشهرت” أي إله الشهر القمري، و “ودم ابم” أو أيم أو ايم ودم وكلها تعني الإله الودود الأب، فكانت تعبد عدة آلهة وهي القمر، الشمس، كوكب الزهرة )) ([21]) ويفيد الأديب اليمني، علي بن علي صبره في كتابه اليمن الوطن الأم (( أن حضارة اليمن يعود تاريخها إلى عشرة آلاف سنة ق.م (10 ألف سنة ق.م ))([22]).

فحضارة مثل حضارة اليمن لابد أن يكون لها عدد من الأساطير برغم عدم اكتشاف معظمها في التنقيبات الأثرية التي تشير إليها الكتب التاريخية، ولكنه هناك العديد من الأساطير التي تصل بمستوى الأساطير الإغريقية والرومانية والبابلية، ومن تلك الأساطير التي كانت تركز على بطولة وقوة وبأس بطل الأسطورة لتسوقه إلينا بصورة إله أو نصف إله، ومن الأسطورة الملحمية “أسعد الكامل” فهي تحتوي على فقرات شعرية ونثرية حيث (( تحكي عن ولادة أسعد الكامل ((أرض الهمدانيين، ثم مقابلة الكاهنات الثلاث وتعرفه منهن على أصوله الملكية وحملاته لإخضاع وسط الجزيرة العربية والعراق وفتحه لإيران والصين والهند))([23]). وهنا نلاحظ أوجه الشبه بين ملحمة أسعد الكامل ومسرحية مكبت للكاتب الانجليزي “شكسبير”* وبما أن أسطورة أسعد الكامل هي الأقدم فلا شك فيه بأن شكسبير قد سمع عنها وألف مسرحية مكبت. ويعود تاريخ أسعد الكامل بعد رجوعنا إلى المصادر التاريخية في كتاب سبأ وحمير للمؤلف الكبير محمد حسين الفرح ((تاريخ ولادته (703-669 ق.م)) [24])، والذي يجد اسمه ولقبه في عشرين نقشاً باسم (أبي كرب أسعد ملك سبأ وذي ريدان، وحضرموت ويمنت وأعرابهم طوداً وتهامة) (أسعد ملك سبأ- آرتو) هو “تبع” الذي ذكره الله في القرآن الكريم بقوله عز وجل (( أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ)){الدخان/37}))([25]) وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تسبوا تبعا فانه كان قد أسلم” فقال الجاحظ و ابن كثير في تفسيره للآية المذكورة سابقاً “أهم خير أم قوم تبع” قوم سبأ” وبحثنا هنا هو معرفة الأساطير اليمنية ولسنا في دراسة تاريخية لتاريخ اليمن ولكنا تطرقنا إلى دراسة أسطورة أسعد الكامل وثبتت المصادر التاريخية والمخطوطات والأبحاث النثرية عن شخصية هذا الملك (( حكم الجزيرة العربية وبابل وأرض روما  (في أمسية الغرى والقوقاز) في القرن السابع ق.م ))([26]).فالأساطير اليمنية القديمة كثيرة نذكر منها:

إرم وعاد الأولى، بلقيس ملكة سبأ، أسعد الكامل الذي ينسب إليه توحيد اليمن القديم والجزيرة العربية، التبع حسان المرتبطة به عدد من الأساطير والحكايات مثل حكاية زرقاء اليمامة، العنقاء، التي قالت عنها العرب من المستحيلات الثلاث إلى الغول والعنقاء، والخل الوفي وهو الطائر المرتبط بجزيرة سقطرى، لقمان الحكيم ونسوره السبعة، سطيح، سقبق، أسطورة قصر غمدان، أسطورة الزواج بفارعة الجنية، الرئ مع خنافر التوأم الحميري، أسطورة زواج عمرو بن يربوع بالسعلاة، أسطورة الزواج بفارعة الجنية، أسطورة عين وبار، وضاح اليمن، سيف بن ذي يزن، وفأر سد مأرب.)) ([27])   فالأساطير اليمنية كثيرة ومتنوعة وتختلف من منطقة إلى أخرى حسب ما وردت وتناقلها الأشخاص وقد يضاف إليها بعض الحكايات والتهويل ولكنها لا تختلف في المضمون.

2-1-1_ الشخصيات الأسطورية:

تعتبر الشخصيات الأسطورية من الآلهة أو أنصاف الآلهة والملوك والأبطال الأسطوريين وكائنات حيوانية وغير ذلك وكما يقول الكاتب عبد الملك مرتاض في كتابه الميثولوجيا عند العرب عن الشخصية الأسطورية، نلاحظ أن الشخصية الأسطورية بوجه عام ((باهتة البناء، شاحبة الملامح، غامضة التمثيل وهي أكثر من ذلك ضعيفة الإرادة، بل منعدمتها، بحيث أنها لا تجتهد من الخروج من المأزق، ولا تحتال في النجاة من المواقف الحرجة، بل أنها تنقاد وتنفذ بكل وفاء وطاعة واطمئنان أوامر الآلهة (المعتقدة) كالهاتف والرئي وسواهما.([28])

ويقول كمال الدين حسن (( إن البطل الأسطوري هو ذلك البطل الذي يحمل وعي الجماعة ويمثل قيمه الجماعية تدافع الجماعة عنها، وتتبناها، لأن هذه الأفكار تحقق صالح الجماعة من وجهة النظر الجماعية، وتساعد على بقاء المجتمع واستمرار الحياة)).([29]) فتتمتع الشخصية الأسطورية بقوة خارقة في الدور الذي يمثله، لتحقيق الكمال للعناصر التشخيصية واندماجها فالشخصيات الأسطورية في أسطورة “إيزيس” أو “أوريرس” أنماط تحمل أفكاراً مطلقة “كالخير والشر المطلق، تدل عليها، فأوزبيريس، نمط الخير والخصب و “ست” رمز للشر المطلق وهكذا … في الأساطير المصرية وكذلك شخصيات أسطورة “أبسيرثوس” (Absyrtos) ابن الملك كلوكيد Clichide))، آياتس (Aiétés) وشقيق الفتاة الساحرة “مديه” (Médee) التي أحبت البطل تاريخياً بعد الرجوع إلى المصادر التاريخية وما أنجزته في توحيد اليمن القديم وحكم بلاد الرافدين (بابل) ومصر وغير ذلك، وأثبتت المصادر بأنه فعلا أختطف وهو طفل مع ثلاث نسوة (ويروى أن اثنتين منهن خطفتاه لأن أحداهن جاءته بمركب، فطار به من حرف الجبل (أي سقط به) فأسقطه فتجرح بدنه، وتهشمت عظامه، فأنقذته المرأة الثالثة (كانت كاهنة تسكن في الجبل) ((فمرضته حتى برئ جسمه واشتد عظمه ثم سرحته إلى “خَمِر”) أي منطقة تدعى في اليمن بهذا الاسم، وأمرته بأن لا يجلس في خَمِر وأن ينتقل إلى ظفار، وعندما عاد أسعد شرح لأهله بما صادفه وذهب إلى “ظفار” وهو ابن تسع سنين.)) ([30])، فنلاحظ هذه الأسطورة لها شبه بأسطورة، أوديب ملك، لسوفوقليس، ولو اختلفت الحبكة فيها وتنبأت الكاهنات لأبوه أوديب بأنه سيأتي من صلبه ولداً سيقتله فيأمر بقتل ابنه ولكن الخادم لم يقتله فيضعه فتأخذه أحد “السيارة” المارّون ويعيش في قصر ملكي وتنبأت الكاهنات لأوديب بأنه سوف يقتل أباه ويتزوج أمه فيفر من أبيه الغير حقيقي إلى أبيه الفعلي فيقتل أباه ويتزوج أمه…إلخ. ولكن شخصية أسعد الكامل تتساوى مع شخصية أوديب وقوته وشجاعته ولكنها تختلف معها من حيث المضمون والهدف من الأسطورة وكليهما من أصول ملكية.الإغريقي جازون عندما ((جاء باحثا عن الجرة الذهبية وفرت معه واصطحبت أخاها “أسيرتوس”، وعندما لاحظت أن والدها “أباتس” يلاحقها قتلت أخاها السيئ الحظ وقطعت جسده قطعا صغيرة ونثرتها خلفها كي يصاب والدها بالرعب وينشغل بجمع رفات ولده ويكف عن ملاحقتها([31]).فنلاحظ في هذه الأسطورة قوة الشخصية الأسطورية التي تتمتع بها، والصراع بين هذه الآلهة التي يفوق قوتها من الأبطال والملوك ولها اعتقاد من عامة المجتمع وهي التي تتحكم في مصير الآخرين فقتل الابن الذي لا ذنب له فهو صراع بين الخير والشر من قبل أخته الساحرة ليلقى مصيره دون أي ذنب ارتكبه وذلك من أجل إشباع رغبة الساحرة وعشقها للبطل الإغريقي، فهنا نلاحظ شخصية الساحرة أنها ضحت بأقرب الناس إليها الأخ والأب حتى وصلت إلى درجة القتل وهذا لا يتناسب مع العقل والمنطق، واستسلام الشخصية الأخرى أي (الأخ) لقدره المحتوم عليه، بدون أي مقاومة، فالشخصية الأسطورية شخصية خرافية مثل السعالي والنسناس، ونسر لقمان. وقد تأتي بصورة مخيفة، أو بعين واحدة أو نصف وجه أو امرأة جميلة أو جنية أو ساحرة، أو كاهنة أو ببطل أسطوري يتمتع بالقوة والشجاعة أكثر من البشر الآخرين، حيث يستمد قوته من الآلهة كما في أسطورة التبع اليماني أسعد الكامل، وبرغم وجود صحة هذه الشخصية تاريخياً.

وكما نجد أسطورة الملك الهدهاد بن شرحبيل وزواجه بفارعة الجنية نلاحظ الشخصية الأسطورية تكون خارقة للعادة فهي الجان، والتزاوج هو الذي ولد صراع درامي طوراً، والخوف والقلق طوراً والسعادة والخير طوراً آخر، فتمكث معه فارعة الجنية وتلد له صبيين وصبية، وتتركه عندما يريد معرفة سر الكلبة التي تأخذ عياله، فنلاحظ ((أن الشخصية الأسطورية هي المتحكمة في الإنسان أو الشخص التاريخي المقدم لنا افتراضاً في ظهور الشخصية الأسطورية الخارقة ))([32]) الشخص التاريخي واستسلام الشخصية التاريخية لقدرها بدون أن يكون هناك حوار لإقناع الجنية بأن تبقى كزوجة للهدهاد أو حلول أخرى. وكما نرى في أسطورة “فأر سد مأرب” وهي أسطورة يمنية ويعد الفأر “الجرذ” ((الذي بعثه الله خصيصاً لكي يعاقب أهل مأرب (ولاية يمنية) ولم يستطع التغلبَ عليه الحرس، ولا القطط، فحفر الفأر الجزء الأسفل من أساس السد.)) ([33])

فوصف شخصية الفأر أنه حيوان غير ناطق ضعيف يستطيع الإنسان التغلب عليه ولكن في الأسطورة أنه شخصية خارقة فلم تستطع القطط قتله ولم يستطع الحرس القضاء عليه واستسلموا لما سوف يلحق بهم وما سوف ينتظرهم بعد انهيار السد. فجميع هذه الشخصيات مستسلمة لقدرها بدون أي دفاع ومساعدة لظهور الشخصية الأسطورية.

2-1-2  الصراع والحدث في الأسطورة:

أولا: الصراع في الأسطورة

يعتبر الصراع في الأسطورة أحد المكونات الأساسية لبناية الأسطورة، فيكون الصراع سواء في الأسطورة الإغريقية أو العربية أو اليمنية صراع بين الآلهة أو صراع البطل مع الآلهة أو صراع الإنسان مع القدر. فالأساطير اليمنية القديمة التي تحدثت عن تعدد الآلهة في العالم القديم (القمر، الشمس وكوكب الزهرة) تؤكد صراع بين الآلهة مثل أسطورة “بعل” عند عرب الشمال ((تفسر مختلف الظواهر الطبيعية بأنها صراع بين الآلهة المختلفة من إله البحر وإله المطر وإله الريح وإله العالم السفلي وفي دورات صراع تفسر سقوط المطر والخصب.)) ([34])

أما بالنسبة لعرب الجنوب للجزيرة العربية فكانت الأسطورة تركز على بطولة وقوة وبأس بطل الأسطورة لتسوقه إلينا بصورة إله أو نصف إله ومن تلك الأساطير الملك أسعد الكامل حيث تبدأ الأسطورة بولادة أسعد في بلاد الهمدانيين ثم مقابلة الكاهنات الثلاث ومعرفة منهن أصوله الملكية وحملاته لإخضاع وسط الجزيرة العربية والعراق… والهند والصين. وهنا يوجد أوجه الشبه مع مسرحية “مكبت لشكسبير لتنبؤ الكاهنات له، وهنا نلاحظ صراع أسعد الكامل مع نفسه ومع الظروف التي ستواجهه لإنجاز هذا التنبؤ من الكاهنات، صراع ملكي لإثبات شخصية البطل الأسطوري لحكمه والوصل إليه بكل الطرق كما عمل مكبت في المسرحية غدر بأقرب الناس والأصدقاء إليه للوصول إلى مكان يسعى إليه، فآلية الأساطير العربية والعالمية كما ذكرنا سابقا يكون فيها صراع قائم على قوة الإله وصراعها فيما بينها أو البحث عن الخلود كما في أسطورة كلكامش (ملحمة) وقوة الشخصية الأسطورية المتصارعتين وهما كلكامش وصديقه انكيدوا وكما في الأساطير اليمنية كأسطورة زواج الهدهاد بن شرحبيل بفارعة الجنية، فيها من العجب زواج الإنسان من جنية فهنا نجد صراع الإنسان مع نفسه وكذلك مع زوجته الجنية التي اشترطت عليه أن لا يكلمها عن شيء تحدثه، فأولاده تأخذهم الكلبة ولا يستطيع التصريح بأي شيء. وكما يقول عبد الملك مرتاض في كتابه الميثولوجيا عند العرب (( كان الناس يعتقدون بين الشرين، شر الإنس وشر الجن وذلك لأنهم كانوا يزعمون أن الجن أذكى من الإنس، وإن تزوج إنسي جنية (سعلاة أو فارعة) فإن ولده يكون أذكى خلق الله إنسانا ))([35]). فصراع الأول في أسطورة الهدهاد بن شرحبيل وزواجه بالجنية صراعه ضد الجنية، وصراع الجنية لتنفيذ رغبات أبيها بالشروط التي اشترطها على الهدهاد للزواج.

ثانيا: الحدث الأسطوري

يتميز الحدث الأسطوري عن الحدث السردي العام الذي نصادفه في الأجناس الأدبية هو التهويل وطلب الخوارق، والتغريب ونشد العجائب، كل ما من شأنه الخروج عن مدى الحجا، والند عن مرمى العقل، وللأساطير ملامحها المقدسة فهي تحكي عن مغامرات الآلهة، وما يقوم مقامها والإبلاغ بالأسرار السماوية، وأنها هي طبيعة تلاحقانها وتلازمانها في الأسطورة في كل الآداب الإنسانية الكبرى، فالحدث في الأسطورة يختلف عنه في القصة والرواية بعض الاختلاف، وكله إن صح التعبير، فبعضها خفي وبعضها ظاهر، وكانت بمثابة المحرك القوي الذي يريد الإله فيحدث الحركة التي تطبع سيرة الحياة مثل ((أسطورة لقمان ونسوره السبعة، وأسطورة الملك أسعد الكامل، وأسطورة الملكة بلقيس وأسطورة فأر سد مأرب، والهواتف، والسعالي وغير ذلك )). ([36])

فمثلا أسطورة لقمان يعد الهاتف هو المحرك لأحداث أسطورة لقمان حيث يشاء والتناقض في البواعث هو الحدث ومكوناته ناشز، حتى اختار السحابة السوداء عبث به القدر وتنكر له الهاتف فأضله السبيل ضلالا بعيدا، فإن الهواتف في هذه الأسطورة هي التي تخطط للحدث وهي التي توجهه، أما الشخصيات فهي تطيعها إذا أمرت، وتستمع إليها إذا طلبت، فالشخصيات لا تأتي أمراً ولا تدعه إلا ما يراد منها، وحتى في خطابها نلاحظ أن الحدث في كل الأطوار غرضا لها سواءً أسطورة لقمان ونسوره السبعة أو أسطورة رئيس خنافر التوم الحميري، تنتابه النزعة الأسطورية بحدة وشدة، وما أعنيه حول إسلام خنافرو سواد لأن العرب مولعين بسرد مثل هذه الأنباء والأساطير حول هذه الأسطورة التي تنص على وفود اليمن على النبي صلى الله عليه وسلم وظهور الإسلام. قال خنافر ((كان رئيي في الجاهلية لا يكاد يتغيب عني فلما شاع الإسلام فقدته مرة طويلة وساءني ذلك فبينما أنا ليلة بذك الوادي نائماً إذا هوى هوي العقاب )).([37])  فتسرد أحداث الأسطورة في زمن مقدس هو غير الزمن الحالي ومع ذلك فان مضامينها أكثر صدقاً وحقيقة، بالنسبة للمؤمن بها، فقد يشأ أي مؤمن بأية رواية تاريخية ويعطي لنفسه الحق من تصديقها أو تكذيبها. ((الأحداث في الأسطورة ترتبط بنظام ديني معين، وتعمل على توضيح معتقداته وتدخل في صلب طقوسه وهي تفقد كل مقوماتها كأسطورة، إذا أنهار هذا النظام الديني، ويتحول إلى حكاية دنيوية، تنتمي إلى نوع آخر من الأنواع الشبيهة بالأسطورة ))([38])

وبعد اطلاعنا وقراءتنا لبعض المصادر والأساطير القديمة نلاحظ أن هناك أنواع من الأحداث يختلف من أسطورة إلى أخرى حسب مضمون الأسطورة والموضع الذي تتناوله.

أنواع من الحدث الأسطوري:

1- الحدث العجائبي: مفرده عجيب، وإن العجب العجيب ما يرد عليك لقلة اعتياده، وإن الإنسان إذا رأى شيئا غير مألوف ولا معتاد، والعجيب أن تر الشيء ويعجبك تظن أنك لم تر مثله.([39])

والعجيب أربعة أنواع:

‌أ-          العجيب المبالغ فيه كما في السير والحكايات الشعبية والملاحم والأساطير، مثل ألف ليلة وليلة، السندباد البحري، السحالي، الرئي، الجنية، أم الصبيان(نوع من الجن يقال له في اليمن) الصياد) وذلك للعجب في الحدث بطول الشيء وكبره وتضخيمه.

‌ب-     العجب المدهش أو المثير، وفيه أحداث فوق الطبيعة، مثل (طائر المهرة).

‌ج-      العجب الأدائي (أي الآلي) وذلك لإدخال التقنية غير قابلة للتحقيق في العصر الموصوف، مثل (التفاحة تشفى، أو غصن يأتي به بطل ويركب على بساط… وغير ذلك).

‌د-        العجب العلمي، وقد يكون فوق الطبيعة مفسراً بطريقة عقلانية، مثل القصص التي تدخل المغناطيسية.

2- الحدث العجائبي الغيبي: والذي يرتبط بعالم الآخرة والملائكة مثل مأساة واق الواق.

3- الحدث العجائبي الخارق: وهي القصة أو الأسطورة التي تفسر الأحداث الطبيعية الخارقة والظواهر الإنسانية كالأحلام، وعنصر الخوارق واصفاً الغرابة على الحدث، ممثلاً في حكايات الجن عند العرب في الليل والحدث هنا حدث عجيب ولكنه من عمل البشر في الأساطير اليمنية، مثل قصص كرامات الأولياء ومعجزاتهم وفي الوعظ والإرشاد والمسخ وغير ذلك.

4- الحدث الخرافي ((يدل الجذر اللغوي للخرافة على فساد العقل من الكبر))([40])، فالكذب هو نوع من إفساد العقل ويعد شرطاً واجباً لوجود الخرافة، فالأحداث الخرافية في الأسطورة أو أي حكاية وشخصياتها تبنى على عالم الجن وما يجري فيه وعلى علاقة الإنسان بهذا العالم مثل أسطورة زواج الهدهاد بن شرحبيل بفارعة الجنية، ((خرف في القاموس المحيط كنصر وفرح وكرم، فهو حرف: ككنف، فسر،، غفلة ))([41]).

5- الحدث البطولي: يقوم الحدث هنا على فعل بطولي يتنافى مع الأحداث التي تعني بها الأساطير أو الملاحم والسير الشعبية وتحرص على تقديم البطل وبطولته في شكل واقعي تتناسب مع تقبل القارئ أو السامع المطلقة، تتمثل تلك الشخصية التي يمتاز بالبطولة بما تحمله من قدرة على إنجاز الفعل بقوة وإرادة مثل أسطورة سيف بن ذي يزن، والملكة بلقيس، والتبع اليماني، والتبع أسعد الكامل.

2-1-3 اللغة في الأسطورة:

تعتبر اللغة من أهم مقومات أي نص لأي جنس أدبي سواء كان أسطوري أو غير ذلك، فاللغة هي الوسيلة الأساسية في بنية أي نص، وهي وسيلة اتصال بين المرسل إلى المستقبل فبدون اللغةلم يكن هناك أدب، وأين يستطيع الأديب إيصال أفكاره إلى القارئ أو المستمع، فاللغة المستحبة هي التي يكون لها تأثير على المستقبل لتقبل الفكرة والتعايش معها من قبل الكاتب سواءً تكون نثراً أو شعراً كما في الأسطورة مثلاً فاللغة الفنية هي مجموعة من الألفاظ أو الشفرات التي يصطنعها كاتب ما، في كتابة جنس أدبي (حين نتناول الخطاب) وعبرنا عنه باللغة الفنية، وقد استطاع الغربيون أن يميزوا بين هذين المدلولين بدون عناء، وكما يقول (عبد الملك مرتاض في كتابه الميثلوجيا عند العرب) في اللغة الفنية وذلك حين (( أطلقوا لفظ “langue” على مفهوم اللغة، ولفظ “langage” على اللفظ الثاني أي اللغة الفنية، وتتميز اللغة الفنية المصطنعة في سرد هذه الأساطير.))([42]) وكما يذكر محمد عبد المجيد خان في كتابه الأساطير والخرافات عند العرب عن اللغة الأسطورية (( يقارن المرئيات بالمرئيات ويلونها الكاتب بعواطفه ووجدانه ويضمها في قلائد وألفاظ شعرية، خلاف خيال الأوروبيين الذين يفضلون الرمز والإيهام على الصراحة والوضوح وقد قيل أن كلمان بريطاني وايرلندا مثل آلهة الهنود القدماء يحبون غوامض الأمور وخفيها))([43])

فيعد الرمز أحد مقومات الأسطورة وتأتي أهميته من خلال ((الأفكار والمشاعر التي يعبر عنها، أو التي تتجمع حوله، فالرموز بطبيعتها أشياء بمثابة النبوءة للشاعر أو التأملات)) ([44])

فاللغة في الأسطورة مسجوعة ونثرية أو شعرية فيها من الرمز والإيحاء واللغة الجزلة إلى درجة الغرابة كما في أسطورة الرئي شطار، وتمتاز اللغة الأسطورية بالخيال الواسع واللغة المتقعرة والألفاظ الخشنة فيها من الرقة والتهذيب (كلغة الجنية (الجن)) وتتميز اللغة الأسطورية بلغة البداوة أي لغة خشنة والشجاعة……. العرب مستمدة من أعراف البداوة، وتعتبر اللغة المخشونة المتقعرة والمتفيهقة التي كانت تروى بها الأسطورة، تؤكد تأكيداً لهذه التاريخية الخيالية كما تتوفر في اللغة الأسطورية السجع. كما يؤكد عبد الملك مرتاض دور الكهان في السجع حيث يقول “عن الكهان ((كانوا قد عرفوا بأحاديثهم المقتضبة ومعانيهم الغامضة وألفاظهم المهولة، وأسلوبهم المسجوع في كل الأحوال الأسطورية ))([45]) كانت الغاية من هذا الأمر هو إبهار السامع بهذا الكلام المسجوع والذي لا يخلوا من الإثارة والجمال وكانت بعض الاعتقادات يعتقدون أنهم يتلقوه من الشياطين أو من جهة أخرى لتسهيل روايته بين الناس،كما أكد الكاتب “بارو سلاف ستيتكيفتش في كتابه العرب والغصن الذهبي ((كانت الأسطورة توضع في خدمة بلاغيه كانت في الغالب مناهضة للسرد نفسه)). ([46]) و يفيد “بول. ب. ديكسون” في كتابه الأسطورة والحداثة ((بوجود وسائل بلاغية تحويلية للعمل الأدبي والأسطورة” وهي الاستعارة metophor، الكتابة metonymy، والتضمين synecdoche، والتهكم irony أو ما يسمى بالمجاز troped، هذه الأربعة الرئيسية.)) ([47])

 تعد هذه الوسائل مهمة في اقتباس عمل أدبي من الأسطورة وذلك بشأن الإطار الزماني والمكاني، والشخصيات وبما إلى ذلك، وتعد هذه الوسائل الإبداعية والتباين الفردي بعدين ممكنين في إطار هذه الآلية، ويمكن القول أن التطبيق الأضيق لهذه المجازات يعود بمسرود خيالية، فيما يعد التطبيق الأوسع التي تمتاز بها الأسطورة من قوة الألفاظ والمعايير المشوقة التي تؤثر وتجلب القارئ.

2-2  السير الشعبية اليمنية:

تعد السير الشعبية من أهم أشكال التعبير الشعبي الأدبي، تعبر عما في الوجدان الشعبي من آمال وافتخار وأمجاد البطولات وأبعاد الحياة الاجتماعية والعلاقات الاقتصادية للجماعة وما حولها من جماعات، وكما يقول محمد النجار (( ربما تحمله من دلالات ورموز اجتماعية ونفسية يمكن من خلالها التعرف على خصائص الشعوب وبنائها الاجتماعي، وعادتها وتقاليدها، وتكوينها النفسي وتاريخها كما تتصور وتنشره.([48]) ويذكر مرسي الصباع في كتابه “القصص الشعبي في كتب التراث” عن تعريف السيرة الشعبية (( تعد مصطلح السيرة الشعبية مدلولاً أدبياً للمدلولات السابقة حيث أن به قدرا من المعنى التاريخي للسيرة، وقدراً من المعنى الاجتماعي لها من فن الكتابة الروائية وقدراً من بقايا الأساطير والملاحم والشعائر القديمة مع قدر من الشعر بعضه معروف متداول ويعضه ينشئه مؤلف السيرة)) ([49]) ويعرف السير الشعبية نعمة الله إبراهيم بأنها (( عبارة عن نماذج من النثر الشعبي حيث يكون قوياً جداً عنصر الفولكلور الذي يتمتع وحده بالقدرة على  إظهار صفات ومشاعر أبطالها )) ([50]). وبالتالي تؤدي هذه القدرة لاستخدام المجازات والمقارنات الدائمة وبعض الصيغ الدارجة مثل “أرغى وأزبد” كناية عن الغضب الشديد، “نظر إليها نظرة تركت في نفسه  ألف آهة” وصف الحب وهلم جرا. أما أشعار سيرة سيف فإنها لا تختلف عن أشعار القرون الوسطى)). ([51]) وكما يفيد الباحث شوقي زقادة في رسالته لنيل درجة الماجستير في الأدب الشعبي بموضوع الشخصيات في السيرة الشعبية لسيرتي سيف ين ذي يزن وعنترة  العبسي عن السيرة الشعبية، السيرة الشخصية “BIOGRAPHY” “نعطي السير الشخصية وصفاً كاملاً لحياة الفرد بوصف وتحليل شخصية وطريقة سلوكه وبيئته، وهي تفيد الدراسات العلمية في دراسة الحالة، في المنهج العلمي الاجتماعي على وجه العموم.. (( ينبغي قبل الاعتماد على هذا النوع من الوثائق وتحليلها تحليلاً دقيقاً للتأكد من صدقها))([52]) فعرفت السيرة الشعبية ثلاثة أشكال تعبيرية من فن السيرة وهي فن الملاحم التي تعتمد على صياغتها على الشعر، وفن السيرة النثرية أو سير الأنساب والذي يعتمد على  الصياغة النثرية في الروي بصفة خاصة، والسير الشعبية التي تجمع في صياغتها ما بين الشعر الذي يتميز به في الملحمة والنثر المميز لفن السيرة النثرية ويخص بها فن السيرة العربية.

والسير الشعبية تتضمن دفاعاً عن قضية هامة من القضايا العادلة التي تهم الجماعة لحظة إبداعها وبجانب قضية فردية تكون منطلق للقضية العامة، فسيرة  بني هلال التي تبدأ قضية الزير سالم بأخذ ثأره من ابن عمه جساس قاتل كليب..” فالبطل في السيرة الشعبية يعكس دوماً آمال الجماعة وأحلامهم ويعبر عن أمالها، ويمثل قدرة المجموعة على مواجهة القوى المعادية وهزيمتها وتحقيق كيانها والشعور بذاتها “إذ من خلال معرفتنا بالأهمية السيرة الشعبية ومالها من مردود على القارئ العربي والشعب العربي بذاته للاهتمام بأصالته ومعرفة تاريخه القديم وأبطالهم إنما نحشد الهمة بالافتخار لهذا المجد وإضافته إلى حاضره لكي يستعيد مجده ((السيرة الشعبية تعرف الكاتب العربي على أنماط الحياة الاجتماعية والعادات والتقاليد المرغوبة في تطورها وتحورها الدائم تحت ضغط الأحداث والحروب والقدرات والاحتكاك، وكذلك تعرف على الأنماط المكونة لهذا المجتمع وتقاليد هذه الأنماط ولغاتها وعاداتها، وركب هذه كما التحم التحام  التعاطف مع بعض الأنماط الأخرى ))([53]) فالمجتمع العربي له من السير الشعبية الكثيرة والمتنوعة التي تزودنا بمخزون ثقافي كبير يستطيع القارئ العربي على دراسته ومعرفته فالسير العربية كثيرة سواء في العصر الجاهلي أو في فترة الإسلام كأفضل سيرة في تاريخ البشرية ألا وهي سيرة النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، بنت مجتمعاً مسلماً راقٍ بأخلاقٍ ومبادئ إسلامية وعادات وسلوكات حميدة وانتصارات ومعارك عظيمة تفوق أي حدث تاريخي عرفته البشرية، ولكن لا مانع أن نذكر في بحثنا السير العربية التي كانت متداولة منذ زمن بعيد إلى حد الآن مثل “سيرة بني هلال، عنترة بن شداد، التبع حسان اليماني، والملوك التبابعة اليمنيين وسيرهم، وحمزة العرب المتعارف عليها في  فتوحات اليمن على الطغيان المعروف بحمزة البهلوان وفيروز شاه آخر ملوك التبابعة اليمنيين ((هو الملك سيف بن ذي يزن وسيرة عمر النعمان، الزير سالم أبو ليلى المهلهل، الأميرة الفلسطينية فاطمة بنت مظلوم، أبو زيد الهلالي))([54]) كما هو معروف عن حضارة اليمن على  مرور التاريخ وتكوين المجتمع اليمني القديم بنظام القبيلة والعشائر وما كان يسودها من نظام وعادات وتقاليد متعارفة بين أفراد المجتمع مما جعل هذا إلى بروز السيرة الشعبية للتعبير عن رأي الجماعة للافتخار بالأنساب والأبطال في الحروب في السيرة الشعبية الذي يمثل رمز للقبيلة بشجاعته وبسالته يعبر عن رأي الجماعة ويستمد قوته منهم. وما كان سائد في التاريخ اليمني القديم من حروب بين القبائل مثل “تغريبة بني هلال” وما يلازم السير الشعبية من تمجيد البطل في الحرب وما يسرده التاريخ على بسالة اليمنيين التاريخية في الحروب قبل الإسلام للدفاع عن بلادهم وما كان سائد من اختلاف بين القبائل لسبب ما، وما يترتب عليه من معارك وقتل للأخذ بالثأر (كما في سيرة الزير سالم) ولا يزال الثأر قائم في بعض مناطق اليمن إلى يومنا هذا.، فالسير الشعبية اليمنية كثيرة قبل الإسلام وبعد الإسلام سيرة شخصيات كان لها بسالة وشجاعة افتخر بها اليمنيون وسردت السير الشعبية نثراً وشعراً لهذه الأحداث التاريخية من نسج خيال مؤلفها وربطها بأحداث تاريخية .. الملوك والأبطال مثل الملوك القتبانيين والمعينين، والحضرميين والسبئين وعصر المكاربة والحميريين ومواجهة اليمينين ضد الاحتلال الحبشي والروماني وغيرها من الأحداث التي أدت إلى ظهور السير الشعبية وسردها بصورة منظمة متناسقة مع أحداث التاريخ اليمني ويصعب على الباحث الإلمام  عن جميع السير اليمنية في بحث واحد فهي بحاجة إلى مجلدات  لإعطائها حقها وتحليلها ومقارنتها بالمصادر التاريخية لإثبات صحتها. كما لا يفوتنا سير شخصيات يمنية بعد الإسلام كان لها دور بطولي في نشر الإسلام والدفاع عنه ، وكما يذكر محمد بيومي مهران في كتابه العرب القديم ((بات الإخباريون أن العماليق عرب صحراء من أقدم العرب زمانأ ولسانهم العرب التي نطقت به)) ([55]) ونستنتج من هذا الرأي انه يصعب على الباحث تقديم  السير اليمنية في بحث واحد كما يؤكد لنا الرأي أن اليمنيين العماليق عرفوا العربية ولا يستبعد بأنهم سردوا سير يمنية في ذلك العصر سوى أساطير أو سير شعبية وحكايات شعبية. . ما يهم في بحثنا هذا السير اليمنية الموجودة وهي كثيرة يصعب ذكرها في بحث واحد ولكن سنأخذ سيرة بني هلال كنموذج للسيرة العربية اليمنية وبصورة مختصرة لنتعرف عليها وسرد أحداثها.

 تغريبـة بنـي هـلال:

بنو هلال قبيلة عربية يمنية، وهي عبارة عن ملحمة أو بالمعنى الأصح (سيرة) كوبلة تعطي مرحلة تاريخية كبيرة في حياة بني هلال المعروفة ” بهجرة بني هلال” فيبدأ جذورها في “سيرة الزير سالم”  جد الهلالية ثم تمتد لتشمل تغريبة  بني هلال وخروجهم إلى بلاد المغرب العربي، وهي السيرة الأقرب إلى ذاكرة الناس، والأكثر رسوخاً في الذاكرة الجماعية وتبلغ حوالي مليون بيت شعر، وإن أضفى عليها الخيار الشعبي ثوباً فضفافاً باعد بين الأحداث وبين واقعها وبالغ في رسم الشخصيات تتفرع من السيرة الهلالية سير وقصص كثيرة مثل الأمير أبي زيد الهلالي وقصة أخته شيخة المشهورة بالدهاء والاحتيال وسيرة الأمير دياب بن غامن الهلالي وقصة زهرة ومرعي وغيرها من السير المتواضعة، وكما هو معروف من سيرة بني هلال والسير الشعبية هي من أهم مصادر الثقافة في البلاد العربية، وكما  يذكر لنا  نعمة الله إبراهيم في كتابه السير الشعبية العربية ، وذلك في تغريبية بني هلال “أنها تتكون من أربعة مجلدات منها ذات الهمة وغيرها”.([56]) فالسيرة الهلالية تضم خمسة كتب هي: خضرة الشريفة ويتناول مأساة رزق بن نايل جرامون بن عامر بن هلال قائد الملايين ورأسهم وأميرهم الذي تعجب خضرة خلقة وشهامته وفروسيته برغم انه فارق العمر 45 عامأ، الكتاب الثاني أبو زيد في أرض العلامات، ويسرد هذا الكتاب ما حدث لأبي زيد في بلاد الرحلات علو المجد والشام، وفي الكتاب الثالث الذي يحمل عنوان “مقتل السلطان سرحان: يتخفى أبو زيد في ملابس شاعر رباب ويدخل قصر حنظل بعد إن عرفت نساء بني هلال حقيقته وتكشف عجاجه ابنة السلطان حنظل حقيقته الفارس الهلالي فتبلغ أباها الذي يعتقل غريم بني عقيل، ليتعبد بالسلاسل ويلقى به في السجن في انتظار لشنقه.أما الكتاب الرابع “فرس جابر العقيلي” ويسرد كيف خاض أبو زيد الهلالي الأهوال ليفرد بالفرس التي  تكلمت عنها الأجيال، وقيل يحتال الدرويش لدخول جناح الأميرة لينظم لها عقدا ويقرأ لها الطالع وتكاد جاريته أن تكشف سببه والهدف منه ولكنه يقنعها بدروشته وفقره وبالرشوة أيضاً، لأن دلته عن الخيمة “الخيمة المتبوعة” ما هو من قبل الفضول.الكتاب الخامس: أبو زيد وعالية العقيلية، كيف أسرت أبا زيد بجمالها وكيف أقترن بها وفي ليلة وداع البطل لعالية العقيلية حيث أقيمت الولائم ووجهت الدعوة لحراس والدها الملك السلطان “جابر العقيلي” ووضعت قبل المنام مخدرا قويا لينام الحراس لكي يتمكن أبو زيد من امتطاء الفرس والانطلاق إلى خارج المدينة.

2-2-1  بنية نص السيرة الشعبية:

تمتاز السيرة الشعبية بالمزج بين النثر والشعر وتتسم مقاطعها الشعرية بالغنائية عما يدور بخاطر ووجدان شخوصها، وبما تتناوله من أبواب التفاخر بالأبطال، والهجاء للخصوم، والسخرية منهم وقد أثر أسلوب الصياغة هذا بالضرورة على أسلوب رواية السير الشعبية وأدائها، فجاء الأداء هنا كما يشير أحمد مرسي هو ((وضع معين يتخذه الراوي أو المغني أمام جمهور يختلف لدرجات متفاوتة عن وضعه أو دوره في الحياة اليومية وفي علاقته مع الآخرين، وكما يشير كمال الدين حسين في كتابه التراث الشعبي في المسرح المصري الحديث (( أن السيرة الشعبية تعتمد على الذاكرة الناقلة في أغلب الأحيان وخاصة طبقة الرواة الذين عرفوا الشعراء أو “أبو زيدية” نسبة إلى موضوع روايتهم))([57]) مثلاً سيرة أبي زيد الهلالي التي لا تخرج موضوع روايتهم عنها وعرف الشعب اليمني السيرة الشعبية وتعتبر كظاهرة من مظاهر الفرجة الشعبي التي يستطيب بها الشعب للتسلية بها لاستمتاع بها والإنصات بقصص أبطالها وأحداثها خاصة في أمسياتهم وروجع الذاكرة إلى الماضي لمعرفة أبطال هذه السير وشجاعتهم، كسيرة أبي زيد الهلالي وسيف بن ذي يرن والزير سالم، أسعد الكامل، والتبابعة من ملوك سبأ وغيرهم من كان لهم سير شعبية قد تطابق  التاريخ اليمني وأحداثه القديمة وإضافة لها خيال الراوي أو المؤلف بسردها المستمع في ليالي السمر وفي أوقات الفراغ مما جعلها راسخة في أذهان الشعوب العربية والإسلامية واليمنيين خاصة وتناقلتها الأجيال إلى يومنا هذا، فتركيبة النص للسير الشعبية بما فيه من عناصر التشويق والمغامرات وشهامة والكرم والشجاعة للبطل الخاص بالسيرة الشعبية وبنية النص النثري والشعري جعلها مؤثرة على المتلقي حتى أصبح مولع لها حتى ولو تكرر ذكرها وهذا دليل على حب المتلقي العربي على معرفة تاريخه وأبطاله وبأسلوب مشوق وبكلمات بليغة لها تأثير على المتلقي، كما أثرت السير العربية في الكاتب العربي وكما يقول فارق خور رشيد في كتابه الموروث الشعبي (( تعرف الكاتب العربي على أنماط الحياة الاجتماعية والعادات والتقاليد المرعبة في تطورها الدائم تحت ضغط الأحداث والحروب والهجرات والاحتكاك، و كذلك تعرف على الأنماط لهذا المجتمع، وتقاليد هذه الأنماط ولغاتها وعاداتها وركب بعض هذه الأنماط بالسخرية التي ظلت مستمرة حتى أيامنا هذه، كما التحم التحام التعاطف من بعض الأنماط الأخرى )) ([58])

ونستنتج من هذا القول تركيبة النص للسير الشعبية بما نصفه لنا من أحداث بتسلسل تاريخي واللغة التي كانت سائدة سواء شعراً أو نثراً والذي يعطي قوة وجمالية النص للسير الشعبية وتعطش المتلقي العربي لسماعها وبدون ملل، وهذا يؤكد لنا على بلاغة النص للسير الشعبية وجماليته واللغة المختار لكتابته. فلو كانت اللغة غير مستحبة للمتلقي لنشز من سماعها، وتعتبر سيرة الهلاليين مجال بحث للباحثين فجرى بحثها عدة باحثين فمثلاً (نايفا في رسالة دكتوراه وكذلك في كتاب، بانتو شيك: وفي بحث سبق الذي كتله أ خ. يونس).([59])

فمثلاً لو ذكرنا سيرة الزير سالم لوجدنا أننا بحاجة إلى بحث كامل لدراسة هذه السيرة بالتفصيل، وتشير د.ا. أو نايفا إلى ذكره م.ارتمان إلى تقسيم سيرة الهلاليين إلى ثلاثة أجزاء ضخمة (سيرة- رحلة- وتجربة) (132) أي أنها بنفس التظاهرة التي نراها في سير سيف وعنترة وذات الهمة، حيث يختلف د.ا أونايفا في السلسلتين الأوليتين التي تبدو أكثر إنصافاً وانجذاباً إلى بعضها البعض فمشاهد تغريبة بني هلال التي تصور إخضاع بلاد التركمان والعراق( وسوريا (مدن حماه وحمص ودمشق) الفرس وغزة.. إلخ تنتهي على نفس الطراز، إذ وقعت الحروب مع حكام المدن هذه، باستخدام نفس الصيغ التي استخدمت لدى وصف الحروب بين القبائل البدوية وفي الأجزاء الأولى من السيرة كافة ملوك البلدان الذين يمرون من خلالها يطلبون عشرة جمال…، ويرفعون الإشارة التي يطلبها الأمير حمزة بدريش، تغريبة بني هلال ثم القتال وكذلك مشهد غزة وغير ذلك.

يمتاز نص سيرة بني هلال علاقة سردية أو حكاية وكذلك وظيفة مركزية وهذه الوظيفة المركزية تنظم وظيفة مجتمعة لتجسيد تلك الوظيفة المركزية وتحليلها على النحو الذي يمكننا من تشخيص دلالة النص كيفما كان نسبه “يدعيها ويسعى إلى تبليغها على المتلقي بصدق أو بكذب هذه الدعوى، وهذه العناصر الأساسية في النص يمكن من خلالها تقديم المادة الحكائية لتأكيد تلك الدعوى ولصياغة الفكرة التي ترمي إليها وتشكيل تلك المادة وتأسيسي عناصرها تأتي تلك الحلقات تسميه “الدعوى، والمراد من الحطي وانتقالها إلى مرحلة الخروج بهدف تحقيق الدعوى”. وكما يشير إلينا الكاتب سعيد يقطين في مجلة نزوى العدد الثالث بعنوان سيرة بن هلال مدخل قراءة جديدة فيقول: ((تفرض علينا قراءة سيرة بني هلال أقسمها الثلاثة وانظر بدءا فبما يضبط انتظامها وفق نسق واحد ويتحرر بذلك انسجامها ويعطينا إمكانية بؤرتها الحكاية ويختم قوله على اعتبار السيرة علاقة حكاية أو سردية يحكمها معنى وعلينا أن نستنبطه ودلالة علينا استخراجها))([60]) ونستنتج من السيرة بأنها بحاجة إلى قراءة لفهم معانيها ودلالتها التي يشير إليها النص والفائدة التي تعود على  المتلقي وما هي الغاية من وراء هذا النص ووظيفته المركزية فمثلا الخضراء أم أبي زيد ولدته أسود على غير صورة أبيه وما ترتبت عليه من أحداث أدت إلى سرد هذه السيرة من رفض سرحان والد أبي زيد لولده وطرد زوجته وولدها وسارت الخضراء بصحبة ولدها أبي زيد ولكنها لم تذهب إلى أهلها خوفا من العار وزواج سرحان من ذات الحسب والنسب وسافر إلى اليمن، ومن خلال الأبطال الأساسيين :أبو زيد والسلطان حسن ودياب تقدم لنا إبراز نسب الأبطال الأساسيين للسيرة ويتم ذلك من خلال القصص الثلاث الأولى جابر وجبير، والخضراء وشما وزهر البان، وقصة جابر وجبير تبين لنا كيف انقسم بنو هلال عن بني رياح وقصة الخضراء تبين لنا بظهور البطل أبي زيد الهلالي، وقصة زهر البان تبين لنا ميلاد حسن بن سرحان، وتوجد في هذه السير كيف تجسدت قوة بني هلال، ونظرة بعضهم لبعض وخوضهم معارك جماعية لسبب تعرض أي فرد من أفرادهم حتى هاجم الجميع ولازالت هذه العصابات القبلية إلى يومنا هذا عند بعض القبائل اليمنية في التكاتف وعون بعضهم بعضا.

2-2-2 _ شخصيات السيرة الشعبية:

كما هو معروف أن كل سيرة شعبية تسلسل الأحداث تسرد حياة هذا البطل ومغامرته والمأزق التي بمر بها، ولذا سأبدأ ببطل السيرة الشعبية، يقف بطل السيرة الشعبية لما يتعرض له من قضايا عامة وقضايا خاصة، في طريق وسط بين البطل الجمعي، كما أبدعته العقلية الجماعية الشعبية، ((البطل في السيرة يختلف عن البطل التراجيدي الذي تنبع تراجيديته (صدمة لإرادته وذاتية الإنسانية ))([61] فشخصية بطل السيرة أنه يولد لأبوين مرموقين إذ يكون أبوه غالباً ما يكون ملكاً أو زعيماً، ولا تقل  الأم عن أصلها من الأب أو أقل في بعض الأحيان فشخصية السيرة الشعبية لا يتعقبها خطأ ارتكبته أو وقعت فيه ولا تصارع القدر كما في البطل التراجيدي، فتختلف النهاية في بطل السيرة وبالبطل التراجيدي، فالأول ينتصر أما الثاني ينهزم. فالبطل السيرة الشعبية يمر بخمس مراحل .وهي كالتالي:

1-     مرحلة التكوين

2-     مرحلة الفروسية أو المرحلة الذاتية

3-     المرحلة الأسطورية

4-     المرحلة الملحمية

5 _ مرحلة الامتداد. ([62])

فكلمة شخصية عربية لكن مفهومها مستمد من الثقافة الغربية لذلك فغن لفظ “PERSONE” تعني باللاتينية الوجه المستعار الذي يضعه الممثل على وجهه (( اعتاد ممثلو الرومان واليونان في العصور القديمة على ارتداء أقنعة على وجوهم لكي يعطوا انطباع الدور الذي يقومون به)) ([63]) والغرض من استخدام القناع في تشخيص خلق الكائن البشري ، الذي يقوم بدوره المسرحي فالشخصية في الأدب تعني جميع الملامح الوجدانية والعقلية في حالة تفاعلها بعضها البعض في الشخص الذي يعيش في بيئة اجتماعية معينة وتختلف الشخصية والشخص فالشخص هو كائن حي من لحم ودم الذي ينتمي إلى الجنس البشري، والشخصية هي التي يستند إليها دور ما في النشاط الإبداعي والفني، فتختلف شخصية الراوي عن الشخصية البطلة في السيرة فالراوي ليس إلا متقمص لسرد أحداث السيرة وبطولات البطل الرئيسي والشخصيات المساعدة إليه بجلب المتلقي والإيمان بما يلقى إليه (كالممثل المسرحي لتقمصه  دور مسرحي، فظهور شخصية البطل تكون بحاجة إليها من الجماعة للتنبؤ بهذا البطل لضغوط خارجية  مختلفة وتحتاج الجماعة إلى إصلاحها ولا تصلح إلا بوجود هذا البطل، وكما يشير الدكتور كمال الدين حسن (( ظهور البطل ينشأ من أبوين فاضلين لهم مكانة في الجماعةفالشخصيات في السيرة الشعبية ذو  أهمية كبيرة تتميز بالجسد والشجاعة، وظهور تلك الشخصية بخصوصية تختلف عن غيره من الأبطال وتتعلق بالجانب البشري والإنساني في حياة البطل يكون له دور في مسيرته مثل أبي زيد الهلالي، عنترة، الزير سالم، ذات الهمة، وسيف بن ذي زين)).([64]) فتكون الشخصية مزود بالذكاء والكلام الواضح نثراً أو شعراً، والشجاعة والإقدام والمنقذ للجماعة في الأزمات والخروج بهم إلى ما يسعون إليه وتتميز بتأكيد بطولته وما يمتاز بين الجماعة من خلال مجموعة من الأفعال بتلك الصفات البطولية المميزة للبطل عن أفراده وهي من الصفات التي تمجدها الجماعة (الفروسية في سيرة عنترة والزير سالم، وسيف بن ذي يزن وأبي زيد الهلالي، ومن هذه الصفات يبدأ صراع البطل الملحمي ويكون هناك أسباباً لظهور البطل وذلك لرفض والجماعة لهذا البطل لأسباب اجتماعية كالطبقية (كعنترة، وأبو زيد الهلالي) أو الخوف من النبوءة بمولد البطل في طفولته وتسعى للقضاء عليه كسيرة (سيف بن ذي يزن، وذات الهمة) وكذلك عثور البطل على مساعدات قتالية من غير البشر (كسيف بن ذي يزن) أو تنادي بطلها ليكون فارسها (كلأبجر فرس عنترة بن شداد) ولهذا كانت الحاجة إلى البطل واعتراف الجماعة به.

فنلاحظ شخصية أبي زيد الهلالي التي تتصف بالشجاعة والكرم والنخوة العربية تسرد الأحداث لهذه الشخصية وبقية الشخصيات تدعم هذه الشخصية حتى تصل إلى ما تصبو إليه السيرة والوصول إلى الذروة، وكما يذكر نعمة إبراهيم  ((أن بطل السيرة يكلف بمهمات محفوفة بالمخاطر على أمل أن يقتل لدى انجازه لها ))  ([65]) مثلا سيرة الزير سالم تطلب جليلة زوجة كليب من المهلهل أن يجلب لها قربة مليء بحليب  اللبؤات ثم ماء من ينبوع الأسور” ثم تنظم مشاهد  السيرة ودخول موضوع الثأر لكليب أخي الزير سالم، ومثلا قمرية أم سيف ن ذي يزن من الشخصيات الرئيسية في سيرة الملك سيف بن ذي يزن لا تتفق مع الإنسان المسلم في العصور الوسطى، إذ إنها تحاول بكل ما في وسعها للقضاء على ابنها رغم احترامه لها واستعداده الاعتراف بسلطتها، وعدم طمعه في أملاكها، فقمرية ترسل الجني “غيروض” سبع مرات لقتل سيف بن ذي يزن (أنظر سيرة سيف ص 22، 24، 27، 21……..368) فبنيت ربع سيرة سبق في المجلد الأول على الشر وصراع الأم مع ابنها فتعتبر شخصية قمرية كآلة منتقمة ، فمثلا لو أخذنا شخصية البطل “الزير سالم أبو ليلى المهلهل بطل السيرة الشعبية المشهورة بالقتال بسبب الناقة فهو مجرد فارس من فرسان تغلب الشجعان … بشجاعته وموهبته الشعرية وله عدة أشعار ينشدونها قبل الحرب أو المناظرات الشعرية حيث كان الشعراء يفتخرون بأصالة نسبهم ولكن في سيرة الزير سالم نجد البطل شخص آخر يتمتع بكافة المواصفات المثالية مثل بطل السيرة الشخصية عنترة وأصبح دور الزير سالم ثانوي مرتبط بدور أخيه كليب ولم يصبح الزير سالم البطل الرئيسي في السيرة ولكنه بعد التسلسل للأحداث اعتراف بهذا البطل بدا صحيح في خط جانبي. وصحيح أن هلال واحد من صحابة النبي عليه الصلاة والسلام هذا ما ورد في السيرة ثلاثين ولكن عشيرة بني هلال قبيلة كبيرة وعظيمة ومن المحتمل أن سيرة المهلهل قد تكون الأصغر حجماً وقد تكون هناك سير ضخمة طويلة مكرسة لبني هلال. أضف إلى ذلك السير التي لم يتطرق إليها البحث مثل سير العماليق، والسبئيين، والتبعيين، والحميريين، والدول التي توالت بعد الإسلام في حكم اليمن.

2-3 _ الحكاية الشعبية اليمنية:

الحكاية الشعبية هي أكثر أشكال الأدب الشعبي غنى وعطاء، فتعدد جوانبها واتساع أبعادها واختلاف مواضيعها أكسبها الغنى ومنحها هذا الخصب والعطاء ولعل الحكاية الشعبية أشبه ما تكون نافذة تطل منها بانوراما الحياة اليومية بكل ما فيها من تيارات واتجاهات إنسانية ولا إنسانية يتعرف على حقيقة الحقائق وقانون الأبد في حياة  شعوب أو شعب ما ويجد  الباحث وهو يقرأ هذه الحكاية أو تلك في عمق الحياة في تناقضات تبدو للوهلة الأولى ملامح متعددة لمجتمع ما، على أنها تشكل في الوقت نفسه صفحات في كتاب واحد، تكتسب صورها المتعددة بنكهة واحدة وبعد واحد في تنويعات مختلفة وأشكال متباينة يطبع هذه الحياة أو تلك بملمح الخصوصية وبعد الفرد. وتعد الحكاية الشعبية و الأسطورة من المواضيع التي اهتم بها الباحثون فبذلوا جهودهم في جمعها والتعرف على ملامحها والانطلاق لتكوين فكرة معينة تعبر عن حقيقة هذا الشعب أو تلك الأمة، والحكاية الشعبية أصدق شاهد على قدرة إبداع شعب من الشعوب وحيوية هذا الشعب في الخلق والابتكار إذ هي تؤكد على أن مبدع الأدب الشعبي هو الجمهور كل شخصية في الحكاية نموذج معين لفئة معينة من الناس ورمز معين لنماذج متحركة في المجتمع وكل حادثة في الحكاية نموذج لحوادث ووقائع في هذا المجتمع أو ذاك، ولعل مقولة بوشكين أمير  شعراء روسيا “يالروعة!((أن كل أسطورة تشكل ملحمة قائمة بذاتها هي أظرف ما يقال عن الأساطير والحكايات إذ أن لكل أسطورة أو حكاية هي ملحمة متكاملة تحوي الجانب التاريخي في وصف وقفة معينة تشمل كل زمان ومكان وتحدد مع هذا الواقع حال شعب بعينه )) ([66])، وكما تشير غراء حسين مهنا في كتابها أدب الحكاية الشعبية في تعريف الحكاية الشعبية ((أنها العنصر الأساسي في التعبير  الشفهي لثقافة ما، وهي تقدم عددا من الصفات التي  ترتبط  بهيكل  المجتمع الذي تعيش فيه في فترة معينة من حياته ولذا فهي جديرة باهتمام كل من يشتغل في الأدب المقارن )).([67]) وكما يفيد مرسي الصباغ في كتابه القصص الشعبي العربي في كتب التراث في تعريف الحكاية(( لفظ “حكاية” أنها جنس فرعي من أجناس التعبير القصصي الشعبي ))([68]) وكما عرفها كمال الدين حسن في كتابه التراث الشعبي: (( هي أحد أشكال التعبير الجماعية التي عبرت بها الشعوب عن واقعها وأحلامها )).([69]) وكما عرفها أحمد شهاب في كتابه الحكايات الشعبية:((مكنت الحكاية الإنسان من التحليق في أجواء رحبة وآفاق بعيدة من الواقع الحافل بالبؤس والتعاسة والقسوة والظلم والفساد الاجتماعي والسياسي نحو الرخاء والسعادة والأمن والطمأنينة والمتع والملذات التي ينشدها ويعجز عن الوصول إليها وتحقيقها في واقعه البائس التعس )).([70]) فنستنتج من القول المذكور أن الحكاية تحقق الحلم أو الخيال الذي يحكيها الراوي أو الحاكي في المجتمع الذي يخيم عليه السعادة والرفاهية والرخاء والنعيم فمثلاً في كثير من الحكايات وهو منعم في الأمن والرخاء والنعيم والهروب من واقعه الذي يعيش فيه هذا بالإضافة إلى ذلك فقد حقق الإنسان في حكاياته كل المثل الإنسانية الفاضلة التي اعتبرها شرطا أساسيا لحياة المجتمع وسعادته، وقد تجسد ذلك في عكسية الحكايات العديدة من مظاهر الحب وثماره وعواقب الشرف والفضيلة والإعانة والشجاعة والتعاون والمثابرة على العمل والإنتاج والنهايات السعيدة التي انتهى إليها الأبطال الذين اتصفوا بتلك الصفات الإنسانية المثلى، فتعتبر الحكاية الشعبية شاهد على قدرة إبداع شعب من الشعوب، وحيوية هذا الشعب في الخلق والابتكار إذ هي تؤكد على أن مبدع الأدب الشعبي هو الجمهور، أي بمعنى أنا نلاحظ بعض الحكايات ليس لها مؤلف، بل لفئة من الناس ورمز معين لنماذج متحركة في المجتمع وكل حادثة في الحكاية وقائع حية في هذا المجتمع أو ذاك. وتذكر  لنا الدكتورة  غراء حسين مهنا في ظهور الحكاية الشعبية (( أنها ترجع إلى عصور ما قبل التاريخ وهذا التفسير مرفوض لأن الحكاية الشعبية تظهر بها حضارة متقدمة نوعا ومجتمع منظمة وليس بدائب، ملوك وقصور، حكام ومحكومون، طبقات مختلفة من الشعب، تجار وجنود وحراس))([71]) وكما يفيد رأي آخر ((أنها ظهرت وعكست تفكير الإنسان البدائي في الوسائل والأدوات التي تمكنه من تحقيقها ممثلة في الآلهة والجن والسحر))([72])

الحكاية الشعبية منها خرافية ودينية واجتماعية قريبة إلى الواقع وخيالية لرسم واقع خيالي يحلم به الفرد ويسعى إلى تحقيقه كالأحلام التي يحب الفرد الخروج من الواقع المعاش، وتراثنا العربي غني بهذه الحكايات وتختلف من مجتمع إلى آخر ولكن نجد بعض الشبه من ناحية الموضوع والهدف من هذه الحكاية فمثلا لو اتخذنا حكاية “ألف ليلة وليلة” ففي هذه الحكاية الكثير من الإبداع والخيال الواسع الذي ينمو فكر القارئ أو المستمع إليها وسرد موضوعها وعنصر التشويق الذي يؤثر على المتلقي وشجاعة شخصياتها وانتصار الخير على الشر. فالمتلقي تسرد عليه الحكاية ويتخيل القصور بما فيها والجنود والحرس والمثالية للشخصيات البطلة ولبسهم وأوصافهم، وكذلك التضحية من أجل الخير أو من أجل الحب والحرية التي يسعى إليها الفرد، أيا كان شكله أو نوعه، فيقول بعض النقاد “من لم يقرأ ألف ليلة وليلة فلم يقرأ الأدب”،  ليتمتع بهذه الحكايات ويطور وينمي خياله وينمي قدراته، ففي حكاية “ألف ليلة وليلة” قد تكتب الكثير والكثير من الحكايات الشعبية الحديثة وبصيغة أخرى تنفع لهذا العصر الذي نعيشه ومشاكلنا الاجتماعية التي تواجهنا والعوامل الخلاقة للعقل البشري ويمكن بالطبع ((نعتقد أن العقل البشري يخلق الفكرة نفسها في أزمنة وبلاد مختلفة، لأن الحكاية بنيت على مواضيع أساسية في حياة الإنسان وهي تتعرف إلى مشاكل البشرية كلها، مثل العلاقة بين الإنسان والكون والعلاقة بين الرجل والمرأة وغير ذلك))([73]) فالحكاية الشعبية أصبحت زاد المجتمعات العربية والأوربية وصالحة للتداول بين مختلف فئات الناس وعلى هذا فقد عرفت ألمانيا عن سحر الحكاية الشعبية وكما يؤكد لنا أحمد علي مرسي ((أصبحت الحكاية الشعبية زاد كل الأسرة والبيوت في أوربا والعالم ولازالت إلى حد الآن يتذوقها الناس في كل مكان يهتفون بترديها، ويستلهمها الفنانون في أعمالهم الفنية على اختلافها))([74])، وهذا دليل على أهمية الحكاية الشعبية ومؤلفها سواء كان التأليف جماعي أو فردي فهي مهارة فنية ومؤلف مبدع وفي الحقيقة لو نظرنا إلى موضوع الإبداع بتلك النظرة الرومانسية التي تنسب الإبداع إلى الجماعة كلها أو الشعب كله، فمرونة الحكاية الشعبية والتي تخضع للحذف والإضافة والتبديل والتغيير والتدخل في عناصرها بين الحكاية الواحدة أو حكاية أخرى، تبعاً للتغيير الاجتماعي والاقتصادي على إبداع أكثر من حكاية في الحكاية الأصلية الواحدة ((فأغلبية الحكايات الشعبية اليمنية تناولت مواضيع الشرف والعفة والأرض والعشق والمرأة بكل أبعادها وشرورها والجان والنماذج الإنسانية المختلفة»([75]). ومن ميزة الحكاية أن لها توظيف نفسي لدى المتلقي وتعتبر متنفساً له عن كل الضغوط الاجتماعية حيث تتوارى الأهداف البعيدة المكبوتة في اللاشعور خلف الحكاية، حيث تبرز على شخوص الحكاية الوهمية لكي تحدث في نفس المتلقي التنفس المطلوب، وهي وطريقة قريبة من التطهير الأرسطي في الدراما.

فوظيفة الحكاية فهي للوعظ والتعليم وبث قيمة أخلاقية، والتي تحاول الحكاية الشعبية بثها في مكافأة الخير بخير ومعاقبة الشر بالشر، وهذه الوظيفة كانت موجودة في الدراما في العصور الوسطى.

وكما ذكرنا سابقا عن وجود مخزن هائل من الحكايات الشعبية العربية لكل مجتمع تمتاز بخصوصية ومشاكل اجتماعية كانت تلقى على آذان المستمعين في جميع المجتمعات العربية، فمنها ما هو مدون وموثق ولكن في اعتقادي أن هناك الكثير والكثير من الحكايات التي أصبحت لم تدون أو لم توجد إلا عند الكبار والمسنين ولازالوا يحفظون هذه الحكايات وتحتاج إلى البحث وجمع هذه الحكايات في جميع البلدان العربية تأكيداً على أهمية هذا التراث العربي، فالحكاية الشعبية كما يقول الجزائري تبدأ “حاجيتك ماجيتك….” وكما يقول الشرق العربي “كان يا مكان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان…….حتى تنتهي وهذا كل شيء”، وكما يقول اليمنيون في حكاية الجدة “حازيتك…” أي قريبة في اللهجة الجزائرية “حاجيتك”. وبما أن موضوع هذا المبحث عن الحكايات اليمنية وبعد تعرفنا على الحكاية الشعبية بشكل عام فسنتعرف الآن على الحكاية الشعبية اليمنية وهي جزء من التراث العربي وبشكل مختصر، يمتلك اليمن من التراث الشفوي والقولي من حكايات شعبية وغيرها وما تم جمعه وتدوينه حتى الآن يعد يسيراً من الحكايات والقصص فمثلا كتاب التيجان “لوهب بن منبه المولود في صنعاء (اليمن) سنة 34 هـ، أو ما تحتويه كتب التراث في اليمن من نماذج مثل كتاب “حوليات يمانية” لمؤلف مجهول، وكتاب نشر الثناء الحسن للوشلي، و”المفيد في أخبار زبيد” لابن الديبع وكتاب “السلوك” للبهاء الجندي وغيرها من كتب التراث اليمنية التي تفيدنا عن القصص والحكايات الشعبية اليمنية، وتعد اليمن كمخزن للروايات والموروثات الشعبية في كثير من الكتب والدراسات كما يفيدنا عبد الرحمان عبد الخالق بعنوان الحكايات الشعبية في اليمن بين التوثيق والإدارية “أن هناك عدد من المهتمين في توثيق التراث الشعبي اليمني ومن هؤلاء الأستاذ عبد الفتاح عبد الولي، والمؤرخ اليمني أبو العز مسلم اللحجي صاحب كتاب “طبقات مطرفية” والذي ذكر عن سبب تدوين التراث اليمني ((انها قلة الرغبة من أهل اليمن في إحياء ما يكون في بلادهم وأهلها من الأخبار والآثار مؤكداً أن في اليمن من المحاسن الحسنة في أخبار الدنيا في الجاهلية و الإسلام)).([76]) الحكاية الشعبية لها دراسات عدة مثل “التراث الشعبي وعلاقته بالتنمية” للدكتور حمود العودي وكذلك كتاب “الحكاية الشعبية” للباحثة أروى عبده عثمان، وكذلك كتاب “فنون الأدب  الشعبي في اليمن” للأستاذ عبد الله البردوني، وكذلك كتاب “الثقافة الشعبية تجارب وأقاويل وجميع أقوال علي بن زايد”، وكذلك الأديب والمؤرخ علي محمد عبده الذي يعد له الفضل في جمع عدد لا بأس به من الحكايات الشعبية وإصدارها عام 1977 في عدد من الكتيبات عدد اثني عشر حكاية، وكذلك الأديب اليمني حسين سالم باصديق صاحب كتاب “التراث الشعبي اليمني”، وكذلك محمد أحمد شهاب في كتابه “الحكايات الشعبية”، وغيرهم من الباحثين المهتمين بالتراث اليمني والحكايات الشعبية ، وبما أن اليمن مهد الحضارات التي تعاقبت، وكان من الطبيعي أن تقوم بترسيخ تلك الحضارات على عامل الاستقرار، وما يترتب عليه من ازدهار في الكثير من حقول الحياة، وكما يؤكد لنا محمد أحمد شهاب عن أهمية الحكاية الشعبية في حياة الإنسان (( أنها الوسيلة الترفيهية الرئيسية في قضاء أوقات فراغه الطويلة وإبعاد أشباح الملل والهموم والقلق، ومساعدته لتجديد نشاطه وحيويته، وتحديد وتوسيع أمانيه وآماله وطموحاته وتوسيع خيالاته ومجالات تفكيره..إلخ )).([77]) فمجمل القول أن الحكاية الشعبية تحمل ملامح العهود التي كان فيها الإنسان يسير بالتدرج نحو المعرفة، فاختلاف تضاريس اليمن وعاداتها وتشكيل المجتمع اليمني القديم ساعد على  ظهور الكثير من الحكايات الشعبية ونذكر من تلك العوامل  كما أكدت الباحثة أروى عبده عثمان في مجلة سبأ:

1-     دور الهجرات: ومعروف عن اليمنيين بالهجرة منذ وقت قديم.

2-     التنوع الطبيعي: وذلك في سحرية تعكس التنوع التضاريسي والمناخي فتنوع الفلكلور وأكسبه زخماً، وتعددها كيفاً وكماً، ويقال عن الإنسان اليمني قاهر الطبيعة يبنيها ويستثمرها حسب احتياجاته

3-     مؤثرات أخرى: تأثرت الحكاية الشعبية بالأدب الإسلامي والشرقي بشكل عام كحكايا “ألف ليلة وليلة” وكتاب “الحيوان” للجاحظ، وكتاب “التيجان” لوهب بن منبه في ملوك  حمير، كما تأثرت الحكاية الشعبية من سيرة سيف بن ذي يزن والسيرة الهلالية )).([78])

وهذا ما ساعد أن تكون لليمن عدد كبير من الحكايات الشعبية المتداولة في المجتمع ووثقت عدد من الحكايات مثلاً للباحثة أروى عبده عثمان وجمعت أكثر من سبعين حكاية شعبية وكذلك الأستاذ محمد أحمد شهاب جمع حوالي سبعة وثلاثين حكاية وكذلك حمزة علي لقمان في كتابه “حكايات وأساطير يمنية” وغيرهم من المهتمين. فتكلمت الحكاية عن القهر والظلم ومكر النساء وخداع الزوجات والمهبول وغيرها من الحكايات التي سردت لتعالج مشاكل اجتماعية في المجتمع اليمني ولا زالت حكايات الجدات والأمهات إلى حد الآن، فكان الريف له الحظ الأكثر في سرد الحكاية الاجتماعية وما يلاقيه الإنسان مع الطبيعة والبشر كما كان للمدينة حظ في سرد الحكاية كذلك، فلا زالت في ذاكرتنا حكايات علي بن الجارية، وبنت صين الصين، ومسعد ومسعدة والمغفل وحكاية الخالات وقسوتهن على أبناء الزوج وحكاية السلاطين وكذلك الإخوة السبعة وريقة الحناء وغيرها من الحكايات المسلية التي كان ولازالت في مجتمعنا اليمني لأنها تعتبر أكثر أشكال التراث الشعبي اليمني فلها أكثر من عقد من الزمن فيستمع إليها البسطاء والسلاطين، الكبار والصغار إعجاباً وإصغاء، فالحكايات اليمنية كثيرة ومن الصعب على الباحث تناول جميع الحكايات في مبحث واحد ولكني سأختار حكاية واحدة وهي حكاية “الرمانتان”))([79])

خلاصة حكاية الرمانتين.

تحكي الحكاية أنه كان هناك سلطان وله سبع بنات ويحبهن كلهن ماعدا واحدة، لأنه عندما كان يحضر الهدايا يسألهن من يرزقكن؟ فيقلن: أنت ترزقنا، إلا الصغيرة فتقول: الله هو الرازق، فيغضب السلطان وينزع منها الهدايا، فأراد طردها من القصر لكن أمها استعطفته في المرة الأولى، ثم أتى بالكسوة والحلي في العيد وسألهن نفس السؤال فأجبنه البنات بنفس الإجابة ماعدا الصغيرة، فأراد أن يقتلها فاستعطفته أمها على أن يطردها من البيت فطردت وذهبت تبحث في مكان تأوي إليه فوجدت كوخا وفيه عجوز ولها ولد مغفل فسكنت عندهم وساعدت العجوز في قطع الأحطاب وبيعها من أجل العيش، ولكن ابنها لا يعمل شيء فحفزت البنت الولد على  العمل والخروج إلى السوق وكذلك تعرفت على تاجر لديه قافلة يذهب بها إلى بلاد الشام وأصرت البنت على ذهاب أخيها معهم إلى الشام وأن يعمل هناك فوافق التاجر، وفي الطريق ظلت القافلة طريقها بسبب الرياح فأنهكم السفر والعطش فوجدوا بئراً وكلما أدلوا بدلائهم في البئر ينقطع الحبل حتى انتهت دلاؤهم فقرر قائد القافلة أن ينزل شخص ويربطوه بحبل فرفضوا ولكن المغفل وافق فنزل فوجد عملاق في البئر فأراد قتل الفتى بشرط أن يجيب الفتى على سؤاله فوافق الفتى فخرجت أمرآتان واحدة بيضاء والأخرى سمراء، فأحتار الفتى أيهما أفضل لقلب العملاق فإن قال البيضاء فقد يكون العملاق يحب السمراء فيقتله وإن قال الأخرى نفس المصير، فأجاب الذي في قلبك هو الذي في قلبي فنجا وأسقى القافلة فأهداه العملاق رمانتين فأرسلهم مع التاجر عند عودته لأمه والفتاة فإذا الرمانتان جوهرتان ثمينتان فباعهما وطلب من قائد القافلة إعادة الفتى فعاد فإذا لديه قصر بدل الكوخ فعاشا… حتى تنتهي الحكاية باستضافة السلطان عند الولد ويفاجأ بابنته ويطلبهما إلى قصره ويزوجهما ويسكنان معه، لماذا حكاية الرمانتين:؟  تعد الحكاية متعة يحس بها القارئ واعتزازه بهذه الحكاية وبالطفلة الصغيرة التي تصر على أن الرازق هو الله وليس والدها، برغم العقاب الذي ستناله من والدها، وتعلمنا على الاعتماد على الله في كل شيء، وكذلك عدم الطاعة في معصية الله وتحثنا على  العمل فشخصية المغفل أصبح يعمل نظراً لاستماعه الفتاة التي أرغمته في مساعدة أمه ولكن أمه لم تحثه على مساعدتها، وعندما اجتهد وبنية صادقة والسعي في طلب الرزق الحلال رزقه الله في البئر بجوهرتين فأسعد أمه والفتاة وعاشا حياة سعيدة، فنلاحظ في هذه الحكاية تحثنا على الاعتماد على  النفس والعمل وطاعة الوالدين فيما يرضي الله سبحانه وتعالى. فالحكاية تحمل قضية اجتماعية تصلح لأي زمان ومكان، فيها حبكة جميلة، إضافة الى عنصر التشويق، والمغامرة وتنتهي بنهاية سعيدة لكل الشخصيات.

2-3-1  بنية  نص  الحكاية الشعبية:

يعد النص الحكائي الشعبي أحد أنواع التراث الشعبي له مقوماته من حيث اللغة السردية المشوقة التي تسرد بلغة نثرية مما جعلها سهلة على المتلقي بفهمها واستيعابها مما جعل الحكاية الشعبية إلى حد الآن راسخة في أذهان الإنسان البدائي البسيط والإنسان الفني. كذلك تتمتع بحبكة جميلة فيها عنصر التشويق تأثر في المتلقي وتمتاز  الحكاية بشخصيات إنسانية وليست آلهة أو نصف إله بل شخصيات عادية من المجتمع لها طموح وآمال في المستقبل للهروب من الواقع الذي تعيشه فتسلسل الأحداث بصورة رائعة فيها الرمز والصراع بين الخير والشر والذي يتفوق الخير وتنتهي بنهاية سعيدة، ففي نص الحكاية الشعبية تمتاز بالمدح بتخفف عن متاعب الإنسان النفسية كما تمتاز بالسخرية بالإضافة إلى أنها تجمع بين الشيء ونقيضه(( الحكاية الشعبية اليمنية والتي تسرد  أحداث عن قضية الشرف والعفة وكيفية الحكم في المنازعات عن طريق الأعراف القبلية، مثل حكاية الفراسة ))([80]) فتحكي لنا حكاية الفراسة عن رجل من أبناء شيخ قبيلة جبر في منطقة خولان، عزم على السفر إلى صنعاء ليتعلم أصول الفقه وتعاليم الشريعة على أيادي بعض رجال الدين والقضاة، وبعد أن تم له ذلك عاد إلى قريته فدخل في منازعات وقضايا أهل القرية والقبيلة فيحكم بتعاليم الشريعة وليس كوالده الذي يحكم بحسب الأعراف القبلية، إلا أن الأب أغاضه الحال وأمر برحيله من القرية… إلى آخر الحكاية ، إن النص الحكائي يعتمد على النقد الاجتماعي لكنها تتوسل في بعض الأحيان بمنهج سلبي ففي حكايات المرح حول المفارقات بين الأخطاء والأكاذيب والمبالغات والحيل وأسباب الخداع والعبث والتصرفات الذكية والأقوال على سرعة  الخاطر والأجوبة الممكنة أو اللاذعة مثلا شخصية “جحا” وما تدور حولها من حكايات. فنص التراث الشعبي يفتح أفاق للتوالد الحكائي وهذا ما نجده في عدة حكايات تتوالد منها عدة حكايات من الحكاية الواحدة، فلو تحدثنا عن ملوك اليمن وتاريخه فسوف نحتاج إلى مجلدات لمعرفة تكوين دولتهم منذ وقت مبكر جدا ومن أبطال القبائل العربية أي اليمنية نذكر منهم “التبع اليماني، وعمر بن معدى كرب،  التبع أسعد الكامل والمهلهل، زيد الخيل، أبو زيد الهلالي… وغيرهم من أبطال الجاهلية اليمنيين الذين أصبحوا فيما بعد أبطال السيرة الشعبية، فالنص الحكائي يمتاز بالسرد الروائي ولكن أيضا المعنى الرمزي للعبارات يعني شيئا غامضا، والنص الحكائي يشمل على أكثر من المعنى والواضح أو المباشر، وهذا المعنى لا يمكن تفسيره كله، فالإنسان يحمل في فكره كل الهواجس والقلق، كذلك هموم وسعادة العالم في شكله البدائي أو الرمزي وكما تذكر  غراء حسين مهنا عن نص الحكاية والخيال الإنساني فيها فتقول: ((إن الحكاية تتوجه إلينا في لغة رمزية تعبر عن اللاشعور موجود بصورة خفية في الأساطير والحكايات التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأحلام ))([81])

أما العالم النفسي “يونغ” وأتباعه يؤكدون ((أن الأشخاص والأحداث في الحكايات ترتبط بالأنماط الأصلية archetypes  النفسية الغريبة التي ترتبط بفكرة، والإنسان ينقل إلى اللاشعور كل الصلات النفسية الغريبة ترتبط بفكرة ما أو شيء ما، فاللاشعور على عوامل شخصية، وعوامل عامة جماعية تمثلها الأنماط الأصلية. ويشمل اللاشعور على الرمز في الحكاية الشعبية، والأفكار العامة للبشرية جمعاء )) ([82]) أي أن مواضيع الحكاية أنها أنماط أصلية موجودة في أعماق النفس البشرية فالحكاية الشعبية اليمنية تمتاز بسمات البساطة والعراقة وكما تشير الأستاذة أروى عبده عثمان عن سمات أخرى في الحكاية الشعبية اليمنية “ما يسمى عن حكايات جدتي”(( سمات تختلف عن الشعوب الأخرى في بلورتها لطبيعة البيئة الاجتماعية التي ظهرت فيها ))([83]) ومن سمات النص الحكائي اليمني تنقسم الحكاية كما في القصة إلى الاستهلال والوسط والخاتمة، وكذلك العمق والبساطة، فالبساطة في نص الحكاية والتي قد يظنها البعض بأنها ساذجة إلا أن الحكايات على بساطتها تحمل عمق ودلالات ذات أهمية كبرى.

فالبساطة والتغاير في إطار المجتمع الواحد وفي إطار اللغة والثقافة الواحدة، فعلى سبيل المثال حكاية “وريقة الحناء” تروى في بعض المناطق اليمنية باعتبارها حكاية واحدة وهي كذلك رواية للأستاذ علي محمد عبده في كتابه “حكايات وأساطير يمنية” ، وكذلك للأستاذ محمد أحمد شهاب في كتابه “حكايات شعبية”، فالأولى بعنوان “عروسة  الحناء”، والثانية “الحمامة المسحورة”، والثالثة “خديجة وإكرام” أي لدينا أربع حكايات مشتركة ومختلفة أيضا. كما تتوفر  في الحكايات اليمنية التشابه والتغاير كما ذكرنا والمبالغة في النص الحكائي اليمني ففي بعض الحكايات هناك إمكانية وقدرات للشخصية في الحكاية الشعبية تفوق قدرات الإنسان العادي وتشترك بعض الحكايات اليمنية في النص مع بعض الحكايات العربية، مثل “زواج الجن والإنس” وغيرها. فاختيارنا لرواية “رمانتان” للكاتب محمد أحمد شهاب وعند إطلاعنا عن النص وقراءته نلاحظ أن النص سردي له بداية ووسط ونهاية، برغم بساطة النص ولكننا نجد في النص دلالات كثيرة، يبدأ في قصر سلطان يتمتع بكامل سلطته على  أبنائه ويراد أن يقال له انه هو الرازق وقد ربما اختيار الكاتب لهذه الحكاية أنما له دلالة على جبروت السلطان على أهله وحتى على شعبه وما لاقته الفتاة من التشريد وذلك لرفضها لرغبة والدها أن تقول له هو الذي يرزق كما قلن أخواتها، وهنا نلاحظ الدلالة على الرفض كالثورة ودلالة أخرى هو الرفض لما يغضب الله حتى لو كان الأب الذي يأمر، كما يشير لنا النص بدلالة الكوخ الذي تسكنه المرأة دلالة على جوع الشعب الذي يحكمه السلطان، وكذلك قائد القافلة الذي يتاجر في الصحراء وذهابه إلى بلاد الشام توجد هناك دلالة على أن اليمنيين كانوا تجارا وما يعانون من مصاعب في الصحراء وكما يشير النص على البئر وتلاقي الإنسان مع الجان وصفات هذا العملاق، وغير ذلك من الدلالات  التي توجد في النص حتى تنتهي الحكاية بنهاية سعيدة وانتصار الخير على  الشر.

2-3-2  شخصيات الحكاية الشعبية:

 إن الحكاية الشعبية يمكن تقسيمها إلى نمطين أساسيين الشخوص الخيرة والشخوص الشريرة، أما الشخوص الخيرة فيندرج من خلالها الأبطال والمساعدون لهم، أما الأشرار فهم من يقفون ضد الأبطال ويقيمون العقبات أمام تحقيق رغباتهم، والأبطال في الحكاية الشعبية هم غالباً من عامة الشعب، من بين أفراد طبقته الفقيرة، أو من طبقة التجار ومن طبقة الملوك والأمراء في بعض الأحيان، وتصور لنا الحكاية الشعبية من هؤلاء الأبطال فئتين، الذين يرتبطون لأصول وأنساب لطبقات فقيرة، أو طبقات التجار كحكاية “الرمانتان” المذكورة سالفا، وفي بعض الحكايات الطبقة الأدنى في الحياة والخروج من القهر والظلم الذي أحل بهم والهروب من واقعهم المرير وهم من أدنى الطبقات كالشحاذين والحرفيين والصعاليك، وإن اختلفوا في  الطبقات ولكنهم يشتركون في صفة واحدة، هي امتلاك قدرات ذاتية، وأحلام تدور حول توزيع الثروة ويسعون لتحقيقها، وكما يقول كمال الدين حسن عن بطل الحكاية الشعبية  ((إن البطل في الحكاية الشعبية لا يقف ضد قوى غيبية بقدر ما هو صراع من أجل الكشف عن قرارات كامنة ومحاولة تحقيقها في الواقع)).([84]) محاولة البطل هو الخروج عن قدراته الذاتية وتأكيد وجوده الإنساني، وتغيير أنماط وتقاليد الطرف السائد في مجتمعه، فهو صراع من أجل التغيير الاجتماعي لا من أجل الخروج مما هو قدره فالإيمان بالقضاء والقدر هو مقولة أساسية في الفكر الإسلامي. وتشير غراء حسين مهنا عن بطل الحكاية الشعبية والشخصيات في بناء النص الحكائي ((إن الحكاية الشعبية التي تقوم على وظائف الشخصيات بصرف النظر عن صفاتها، فهو يفرق بين مستوى مورفولوجي أساسي وهي الوظائف ومستوى آخر يتضمن الأشخاص وصفاتهم ودوافعهم وعلاقاتهم…..إلخ)).([85]) فعند تحليلنا لشخصيات الحكاية الشعبية سنجدها نمطية بمعنى أنها تتكرر في الأدوار بنفس الشخصية ولم تتأثر بالعالم الداخلي النفسي للشخصية في دورها والمعاناة التي تواجهها ، وتختلف الشخصية في الحكاية على شخصية الحكاية في نكتة  قصيرة في شكل حكاية أو لفظ يثير الإضحاك، وتكون درجة الإمتاع على حسب الملقي للنكتة وتأثيره عليهم، وكما يقول الدكتور مرسي الصباغ في شخصيات النكتة “شخصيات تتسم ببطء الاستجابة الشرطية لوقع الحياة اليومية حيث يجتمع فيها الكلام الذكي المعتمد على سرعة الخاطر والحدث الخارجي والعبارة اللاذعة”. ((بإمكان إيجاد حكايا دونما “خصائص” ولكن يستحيل أن توجد خصائص دون حكايا”. واستعاد هذا الرأي الكلاسيكيون (قوسيوس )) ([86])

ولاحقا اتخذت الشخصية هذه، التي لم تكن إلى حينه إلا أسماء أو عميلا يقوم بعمل محدد فأصبحت فردا أو شخصأ وكائنا ومشكلا يملئه. حتى ولو لم يقم بأي عمل، أي الشخصية أن تفرض المسألة ذاتها على تحليل السرد في الحكاية وغيرها فالشخصية تقوم بالأعمال المنسوبة إليها، بمعنى أنه لا يوجد سرد في العالم دون الشخصيات أو عمل لها، ويرى الباحثون أن الشخص، شكلاً تاريخياً ومقيداً لدى بعض الأنواع (التي نعرفها جيداً) ويرى الباحثون تحديد الشخصية في عبارات الجواهر النفسانية، غير فرضيات متعددة في تحديد الشخصية ليس باعتبارها كائناً بل مشاركاً، فمثلاً لو أخذنا شخصية “هارون الرشيد” شخصية عظيمة امتاز بحكمه وكرمه وتواضعه وعدله وظرفه وأدبه فتسرت معظم الحكايات في مدينة بغداد أو تنتمي إليها وكما يذكر لنا يوسف غليس في كتابه “الخطاب النقدي” عن الشخصية ((كانت شخصية هارون الرشيد هي قطب الشخصيات الحكاية إطلاقا، وعهده قطب الأزمنة وعاصمته بغداد هي قطب الحيز))([87]) فشخصيات الحكاية الشعبية أنها توجه التحذير في مغبة الخضوع الدائم، والاستسلام لعوامل القهر والطغيان والفساد والتفكك وانحلال القيم والمثل والأخلاق الاجتماعية وأن يوجه الشيء والأجيال إلى ضرورة السعي الجاد لإيجاد السبل المثلى بتصحيح الواقع الاجتماعي وبناء المجتمع الأفضل، وإلى ضرورة العمل المشترك والاستعانة بكل قوى الخير والعدل لتحقيق الأهداف الاجتماعية الإنسانية الفاضلة، وهو ما سعت إليه أغلبية الشخصيات الحكائية اليمنية في أغلبية الحكايات الشعبية للوصول إلى الهدف المنشود التي تسعى إليه مثل حكاية “الرمانتان” على سبيل المثال وغيرها من الحكايات.  

فالحكاية الشعبية قد غرست صفات أشخاصها وأبطالها الكثير من القيم والمثل والاتجاهات حب الخير والحق والعدل والذي كانت تسعى إليه الفتاة الصغرى في حكاية “الرمانتان” ورفضها لواقع أبيها السلطان الذي ينفرد برأيه وحكمه بأنه هو الرازق ورفضت تأييد ذلك كما أخواتها الست والتي تعتبر هذه الشخصية مثالا للعدل وقول الحق أمام سلطان جائر وتحملت المصاعب وطردها من قصر والدها ومن تحت رعايته وتحملت المصاعب وعملت في قطع الأحطاب مع العجوز التي تمثل لنا الطبقة الفقيرة وشجعت الولد المغفل على  العمل ورفضت الاستغلال والفساد وساعدت القوى البشرية المستغلة والمضطهدة تحت حكم والدها وساعدت في التكاتف الاجتماعي، أما شخصية الغول الذي كان في البئر استخدمها الإنسان أو المغفل في حل مسألة الفقر الذي كان يعيش فيه عندما سأله الغول عن سؤال أي أين أفضل الفتاتين الجنيتين التي خرجت للمغفل في البئر وإعطائه الرمانتين وأرسلهم المغفل إلى والدته فحلت عقدة الأم والفتاة بهاتين الرمانتين “أي الجوهرتان” وثبتت لنا أن الله هو الرازق وليس السلطان، فشجاعة أبطال الحكاية الشعبية تشد المتلقي إلى أحداث الحكاية في مغامرتها الشجاعة وإلى اعتناق ممارسة قيم البطولة وعادتها وأنماط سلوكها مما تعطي المستمع المتعة الفنية في سماعها والافتخار بأبطالها.


[1]- عبد المالك مرتاض ، الميثلوجيا عند العرب   ،  ص13.

[2]- صبري مسلم  ،  النقد الأسطوري والأنساق السردية والشعرية والمسرحية ، إصدار وزارة الثقافة والسياحة،، صنعاء ، اليمن ، 2004 ، ص 11.

[3]-المرجع  نفسه ، ص 14.

[4]-  أحمد صقر ،  توظيف التراث في المسرح العربي، ص94

[5]- المرجع نفسه، ص 113.

[6]- عبد المالك مرتاض، الميثيولوجيا عند العرب، ص 14.

[7]-  صبري مسلم، النقد الأسطوري والأنساق السردية والشعرية والمسرحية، ص 12.

[8]-  كمال الدين حسن  ، التراث الشعبي في المسرح المصري الحديث ، ص 38    

[9]-  مرسي الصباغ  ،  القصص الشعبي في العربي في كتب التراث ، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر ، الإسكندرية، ص 15.

[10]-  الفرقان ،  الآية 5

[11]-  االقلم  ،  الآية 1

[12]- جمال الدين بن منظور، لسان العرب ، حققه وعلق عليه ، عامر احمد حيدر ، ت راجعه ، عبد المنعم خليل إبراهيم ،  منشورات محمد علي مضمون ، دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان ، الطبعة الاولى، 1424 ه ، 2003 م ، ( مادة سطر )

[13]-  كمال الدين حسن، المرجع نفسه،   ص 31.

[14]-  فوزي فهمي ، المفهوم التراجيدي والدراما الحديثة ،   ص 15،16.

[15]-  محمد يحي حداد، التاريخ العام لليمن، تاريخ اليمن قبل الإسلام ، إصدارات وزارة الثقافة والسياحة ، 2004،  اليمن ،المجلد الأول، ص 21 ، 22.

[16]-  حمزة علي لقمان ، أساطير من تاريخ اليمن، ص 35.

[17]-  المصدر  نفسه ، ص 21.

3 _ كمال الدين حسن ، التراث الشعبي في المسرح المصري الحديث ،  ص 29.

[19]-  كمال الدين حسن ، التراث الشعبي في المسرح المصري الحديث ، ص 38.

[20]-  حمزة علي لقمان ، أساطير من تاريخ اليمن، ص 25

[21]- سعيد عولقي، سبعون عاما من المسرح اليمني، ص 18

[22]-  علي بن علي صبره ،  اليمن الوطن الأم  ، ص11.

[23]-  طلال منير، الموروث الشعبي في الأدب اليمني، الأسطورة نموذج ، المؤتمر نت ، الأربعاء 28 مارس 2007/ ص 2.

*  شكسبير: وليام شكسبير ولد 1564 وتوفي عام 1616م كبير شعراء الانجليز كان ممثلا ومؤلفا مسرحيا سرد في مسرحياته أغوار النفس البشرية وحللها في بناء متناسق جعلها أبنية من السنفونيات الشعرية له أعمال كثيرة ومن اشهر أعماله (تاجر البندقية، كوميديا الأخطاء، هاملت، عطيل، روميو جوليات، لليوس قيصر، ماك بيث، الملك لير).

[24]-  محمد حسين الفرح، سبأ وحمير، إصدارات وزارة الثقافة والسياحة 2004 ، المجلد الثاني، ص 645.

[25]-  سورة الدخان ، الآية 37.

[26]-  محمد حسين الفرح ، المصدر نفسه ، ص 664.

[27]- عبد الملك  مرتاض _  الميثيولوجيا عند العرب ،   ص 115 إلى 124.

[28]- المرجع نفسه ، ص 88.

[29]-  كمال الدين حسن ، التراث الشعبي في المسرح المصري  الحديث ،  ص 35.

[30]-  محمد حسين الفرح ، سبأ وحمير ،   ص 648،649.

[31]-  طلال حرب ، معجم إعلام الأساطير والخرافات ، الكتب العلمية  ،  الطبعة الاولى ، دون ، ت ،  ص132

[32]- عبد الملك مرتاض ، الميثلوجيا عند العرب  ،  ص 89.

[33]- إبراهيم أبو طالب، الأسطورة في الأدب اليمني المعاصر  ،  ص 69.

[34]-  طلال منير ، الموروث الشعبي في الأدب اليمني ، الأسطورة نموذجا ، المهورية نت ، اليمن ، الأربعاء 28 مارس 2007 تايخ الدخول 21_ 80 _ 2011 الساعة 3 ،  ص1

http://www; algomhoriah ,:net/newsweekarticle:php§sid + 37084

[35]- عبد الملك مرتاض ، الميثلوجيا عند العرب ،   ص 37.

[36]-  المرجع  نفسه ، ص 75.

[37]- المرجع السابق ، ص 78.

[38]- شوقي قادة، الشخصيات في السيرة الشعبية ، رسالة ماجستير ، مخطوط جامعة الحاج لخضر باتنة، عام 2007، 2008_ ص43

[39]- إبراهيم أبو طالب ، الأسطورة في الأدب اليمني المعاصر  ص 125.

[40]- جمال الدين بن منظور ، لسان العرب ، تحقيق عامر أحمد حيدر ، تومراجعة ، عبد المنعم خليل إبراهيم ، منشورات محمد علي بيفون ، دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان، المجلد الثاني ، اظر (مادة خرف )2/138.

[41]-  مجد الدين محمد أبادي المتوفى 817 هـ ، قد القاموس المحيط قدم له: أبو الغاء نصر الهويني المصري الشافعي ، منشورات محمد علي بن بيفون عام 1971، دار الكتب العلمية، بيروت ، لبنان ، ( مادة خسف خرف ) ، ص 82.

[42]- عبد الملك مرتاض ، الميثلوجيا عند العرب  ،  ص 101.

[43]- محمد عبد المعيد خان ، الأساطير والخرافات عند العرب ، دار الحداثة ،  لبنان ، الطبعة الثالثة ، 1981 ، ص87

[44]- كمال الدين حسن ، التراث الشعبي في المسرح المصري ،   ص 32.

[45]- عبد الملك  مرتاض ، الميثلوجيا عند العرب  ،  ص 102.

[46]- بارو سلاف ستيتكيفتش ، العرب والغصن الذهبي ، ترجمة سعيد الغانتمي ، الناشر المركز الثقافي العربي ،  المغرب، الطبعة الأولى ، 2005 ، ص 87

[47]-  بول. ب. ريكسون ، الأسطورة والحداثة ، ترجمة خليل كلفت ، المجلس الأعلى للثقافةـ المشروع القومي للترجمة ، الأهرام 1991، ص 31. 

[48]-  كمال الدين حسن ، التراث الشعبي في المسرح المصري  ،   ص 48.

[49]- مرسي الصباغ ، القصص الشعبي العربي في كتب  التراث ،  دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر ، الإسكندرية ،دون ، ط ، ت ، ص42.

[50]-  نعمة الله إبراهيم ، السير الشعبية العربية ، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت لبنان الطبعة الأولى 2001 ، ص 21.

[51]- شوقي قادة، الشخصيات في السير الشعبية دراسة لبنائيتها وخصائصها ، سيرتي سيف بن ذي يزن وعنترة العبسي ، ص 3.

[52]- فاروق خورشيد ، الموروث الشعبي ، دار الشرق بيروت الطبعة الأولى 1412هـ /1992 ، ص 164.

[53]- مرسي الصباغ ، القصص العربي الشعبي العربي في كتب التراث  ،  ص 33،34.

[54]-  محمد بيومي مهران ، تاريخ العرب القديم، دار المعرفة الجامعية ، الطبعة الثانية ، دون ، ت ،  ص 157.

[55]- نعمة الله إبراهيم ، السيرة الشعبية العربيةـ ،  ص 31.

[56]-  حمزة علي لقمان ، أساطير من تاريخ اليمن ،  ص 31 إلى 32

[57]- كمال الدين حسن ، التراث الشعبي في المسرح المصري المعاصر  ،   ص 69.

[58]- فاروق خورشيد ، الموروث الشعبي ،   ص 164.

[59]- نعمة الله إبراهيم ، السيرة الشعبية العربية  ،   ص 31..

[60]- سعيد يقطين ، سيرة بني هلال مدخل قراءة جريدة مجلة أنزور العدد الثالث ، بتاريخ 04/06/2009.

[61]-  كمال الدين حسن ، التراث الشعبي في المسرح المصري المعاصر ،  ص 58.

[62]- فاروق خورشيد ، الموروث الشعبي،  ص 144.

[63]- غنيم سيد محمد ، سيكولوجية الشخصية ، دار النهضة العربية ، مصر ، دون ، ط ، ت ، ص 45.

[64]- كمال الدين حسن ، التراث الشعبي في المسرح المصري المعاصر ،  ص 66، 67.

[65]- نعمة الله إبراهيم ، السير الشعبية العربية ،  ص 39.

[66]- أحمد على الهمداني ،  الفلكلور اليمني ، إصدارات وزارة الثقافة والسياحة ، صنعاء  اليمن ، 2004 ، ص 59.

[67]- غراء حسين مهنا ،  أدب الحكاية الشعبية ، الشركة المصرية العالمية للنشر ، لونجمان 1997 ، الإسكندرية ،  الطبعة الاولى ، ص 5.

[68]- مرسي الصباغ ، القص الشعبي العربي في كتب التراث ، ص 59.

[69]- كمال الدين حسن ، التراث الشعبي في المسرح المصري الحديث ، ص 76.

[70]- محمد احمد شهاب، الحكايات الشعبية  اليمنية ، دار بن خلدون ، بيروت ، ط 11_11_1980  ، ص 15.

[71]- غراء  حسين مهنا، أدب الحكاية الشعبية ،   ص 15.

[72]- محمد احمد شهاب، المرجع انفسه ،   ص 76.

[73]- غراء حسين مهنا ، أدب الحكاية الشعبية ،   ص 7،8.

[74]- أحمد علي مرسي ، مقدمة في الفلكلور ، تصدير د.عبد الحميد يونس ، دار الثقافة للنشر والتوزيع ، القاهرة  ، الطبعة الثالثة، ص 37.

[75]- حسين الأسمر ، المسرح اليمني تجربة وطموح ،   ص 25.

[76]- عبد الرحمن عبد الخالق ،  الحكاية الشعبية اليمنية  ، منتديات همسات يمنية ، 21،08 ،2011 ، ساعة الدخول 30. 2 

http://www.aboltal.com/ub/showthread.phd?t=23621

[77]- محمد أحمد شهاب ، الحكايات الشعبية ، ص 15.

[78]- أروى عبده عثمان: السردية الشعبية اليمنية ، مجلة ملكة سبأ، الاثنين 3 مارس 2008.   sabaaqueen.net www.

[79]- محمد أحمد شهاب ، الحكاية الشعبية ،  ص 32.

[80]- حسين الأسمر، المسرح في اليمن تجربة وطموح ، ص 25.

[81]-  غراء حسين مهنا ، أدب الحكاية الشعبية ، ص 57

[82]-  المرجع نفسه ،   ص 58

[83]- أروى عبده عثمان، السردية الشعبية اليمنية  ،   ص 3

[84]- كمال الدين حسن ، التراث الشعبي في المسرح المصري المعاصر ، ص 90.

[85]- غراء حسين مهنا ، أدب الحكاية الشعبية ، ص 79.

[86]- رولان بارت ، النقد السردي للحكاية_ ترجمة أنطوان ألو زيد بارت _منشورات عويدات ، بيروت _ الطبعة الأولى 1988 ، ص 122.

[87]-  يوسف غليس ،  الخطاب النقدي عند عبد الملك مرتاض_ إصدارات رابطة إبداع الثقافة والإبداع 197 ، 2002،  ، ص  52

الفصل الثالث

استلهام التراث اليمني في المسرح

 مدخل.

تعد إشكالية استلهام التراث في المسرح من القضايا التي تشغل فكر الباحثين والكتاب والمسرحيين العرب بوجه الخصوص. فمنهم من وظفه نصياً ومنهم من وظفه رمزياً واجتماعياً ومنهم من اعتبره إرثا مقدساً لا يجوز المساس به. وتراثنا العربي عموماً واليمني خصوصا غني بالمادة النصية التراثية من أساطير وحكايات شعبية وسير شعبية وعادات وتقاليد وأمثال و زواملوظواهر مسرحية وغيرها  وهي بحاجة إلى دراسة معمقة للاستفادة من هذا الأدب التاريخي لاستلهامه في كتابة النص المسرحي والاستفادة من الأحداث التاريخية والشخصيات والموضوعات في بناية نص مسرحي له مقومات عالمية في مواضيع إنسانية تعالج قضايا المجتمعات الإنسانية ويصلح لكل زمان ومكان ولا يتم ذلك إلا إذا أخذنا من الماضي ومن الحاضر وإسقاطه على الواقع المعاش لكي يصبح لنا مسرحا له خصوصياته.

ويمكن تصنيف توظيفات التراث في المسرح إلى:

1-     إعادة امتلاك التراث اليمني ودراسته وتحليله وتأصيله بطريقة معاصرة تخدم الإنسان والمجتمع اليمني.

2-     طرح القضايا الاجتماعية الراهنة.

3-     الاستفادة من الأحداث والشخصيات التاريخية.

4-     كتابة نص مسرحي يمني متميز.

5-     اختيار الشكل المناسب للعرض المسرحي من ناحية الديكور والملابس والمؤثرات الصوتية.

ويقول ابن منظور في تعريف للتراث «الورث والإرث والوارث والإرث والتراث واحد والورث والتراث والميراث ما وردت وقيل الورث والميراث في المال والإرث في الحسب ….والتراث ما يخلفه الرجل لورثته» ([1]) وهذا المعنى اللغوي لكلمة (التراث) يوحي الاتصال بين الأجيال ووجود الماضي في الحاضر ولذلك اتجه أغلبية المبدعين إلى التراث في العصر الحديث ليعبروا عن واقعهم المعاصر ، وسنتناول   في فصلنا هذا الوسال التي يمكن للمبدع ان يتبعها في استلهام التراث اليمني في المسرح اليمني المعاصر ، وعلية نرى ان يتبع الخطوات التي سنتناولها في فصلنا هذا وهي كتالي : دراسة التراث وتأصيله ومعرفة جميع جوانبه ، معرفة الكتابة المسرحية وطريقة تعاملها مع التراث ، التوظيف البصري والجمالي للمسرحية التراثية والعناصر الأساسية  لإيجاد نص وعرض مسرحي يمني ناجح وها ما سنسعى الية للوصول الى نتاج ايجابية تخدم المسرج اليمني المعااصر .

3-1  تأصيل التراث اليمني في المسرح

تعد قضية تأصيل التراث العربي عموما اليمني خصوصا، من أهم القضايا التي حظت باهتمام المسرحيين العرب خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين. ولوحظ أن أكثر ما كُتب حول محاولات تأصيل التراث العربي جمود لا بأس بها من قِبل المسرحيين العرب في سبيل تأصيل المسرح. وبرزت في الستينيات من القرن العشرين وذلك في معظم البلدان العربية.

«وإذا كانت بذور هذه الجهود قد نمت منذ مرحلة الرواد لدى أبي خليل القباني(*)، ومارون النقاش، ويعقوب صنوع، الطيب الصديقي**، وعبد القادر علولة***، فإنها قد استكملت نضجها في مرحلة المؤسسين لدى يوسف إدريس، توفيق الحكيم****، وعلي الراعي، وسعد الله ونوس وغيرهم ممن بذلوا جهودا كبيرة لإيجاد مسرح عربي»([2]) له خصوصياته ولقد خرجت هذه الدعوة من نطاق الأفراد إلى نطاق الجماعات المسرحية التي تأسست إلى تأجيل المسرح العربي، نظريا وتطبيقيا، مثل جماعة المسرح (الاحتفالي) في المغرب وجماعة المسرح (الحكواتي) في الجزائر ولبنان، وجماعة المسرح (العرائس) في الأردن، وجماعة مسرح (السرادق) في مصر وغيرها من الجماعات.

وتراثنا اليمني غني بالمادة النصية، بما تحتوي من موضوعات وشخصيات وأحداث وسير وحكايات وعادات وتقاليد وغير ذلك. وهي بحاجة إلى دراسة معمقة لمعرفة هذا الإرث  ودراسته وتحليله، وللأخذ من مواضيعه ووضع مشاكل العصر الراهن، للخروج بنص يمني له خصوصياته، ومميزاته بعيداً عن التقليد الغربي، وهذا ما سعى إليه رواد المسرح اليمني في تأصيل التراث في المسرح، فأخذوا من أحداثه وشخصياته في بنية النصوص المسرحية. وذلك بتوظيف الحضارة التراثية بما يجعلها تخدم الحاضر والمستقبل معاً. فكتاب الثلاثينيات من القرن العشرين ألفوا عدد من المسرحيات المأخوذة من التراث مثل مسرحية «صلاح الدين الأيوبي والتي عرضت عام 1939، ومسرحية يوسف الصديق للقاضي عوض عبد الله بامطرف »([3])

وكذلك الكاتب عمر عوض بامطرف أحد رواد المسرح في اليمن ولد 13-08-1928 ألَّف العديد من المسرحيات منها مسرحية (أميرة الأندلس)، وست الست، وغيرها من المسرحيات، وظف التراث اليمني في عدد من أعماله المسرحية، كما ألف الكاتب حسين سالم باصديق أحد رواد المسرح اليمني العديد من المسرحيات مستلهما التراث في بعض من مسرحياته، منها مسرحية (أنت يا بلقيس) وهي مسرحية سياسية قُدمت عام 1983 م، تتحدث المسرحية عن وحدة الأرض والشعب اليمني ومؤامرات الأعداء ضد إعادة توحيد اليمن »([4]) كما تميز كتَّاب يمنيين آخرين في الكتابة المسرحية والرجوع إلى التراث والأساطير اليمنية مثل محمد الشرفي في مسرحية (حريق في مدينة صنعاء) كتبت عام 1970 بالشعر الحر ووضعها في قالب مسرحي بين الرمزية والواقعية([5]) حيث وظف في هذه المسرحية البيئة اليمنية وأدخلها ضمن نسيج درامي مستلهما الزامل الشعبي في المشهد الثالث من الفصل الأول. بالإضافة إلى الكاتب عبد الكافي محمد سعيد الذي ألف العديد من المسرحيات منها ( الفأر في قفص الاتهام) فاستلهم التراث اليمني في المسرحية والتي أخذت من أسطورة  (فأر سد مأرب) كما وظف شخصيات تاريخية في المسرحية كالملكة بلقيس، وسيف بن ذي يزن وغيرها « والتأصيل يعني إبداع مسرح يعبر عن المجتمع العربي، يؤثر فيه، وينسجم معه، ويتفق مع الثقافة العربية، ويساعد على تطورها ويسهم في تأكيد الشخصية العربية، والحفاظ على هويتها، ويكون المسرح إلى جانب ذلك له ملامحه الخاصة التي تميزه بوصفه مسرحاً عربياً »([6]) كما سعى عز الدين المدني كغيره من الكتاب والمسرحيين العرب، إلى الرجوع إلى تراثنا وامتلاكه لكتابة نص مسرحي عربي له مقوماته الخاصة  فتناول عز الدين المدني في مسرحياته مجموعة من القضايا (( اعتمد في ذلك على توظيف المادة التراثية بجعلها تخدم الحاضر والمستقبل ولعل في ذلك شكلا من أشكال إعادة امتلاك التراث))([7]) فجميع هؤلاء الرواد العرب الذين كتبوا للمسرح عدد لابأس به من المسرحيات العربية، المأخوذة من التراث العربي وأحداثه وأبطاله وإسقاطها على الواقع العربي وبما تعانيه المجتمعات العربية من اضطهاد وظلم المستعمر وغير ذلك من المشاكل الاجتماعية بصورة رمزية، كان لها أثرا لدى الجمهور العربي وتأثروا بها.

وبما أن المسرح هو أداة تواصل مع الجمهور ويحمل رسالة سامية تخدم المجتمعات والإنسانية والتراث يعتبر إرثاً متوارثاً بين الماضي والحاضر فعلينا أن نأخذ من التراث وموضوعاته وشخصياته في بنية نص مسرحي يمني عربي خالص له خصوصياته ومسرحية مستمدة من الموروث الشعبي التاريخي، لكي نجعل من المسرح سلطة ليس من السهل الفكاك منها. وكما هو معروف عن المسرح اليمني أن اتخاذ المسرح الأوروبي كقاعدة ومنطلقا ينطلق الكتاب المسرحيون منه في أعمالهم المسرحية فلم يستطيعوا أن يصلوا إلى مسرح يمني عربي له خصوصياته، وبعد الصحوة القومية التي سادت الحياة الثقافية اليمنية بعد منتصف القرن التاسع عشر توجه المسرحيون إلى مخرج لكسر هيمنة شكل المسرحي الأوروبي بالخروج إلى شكل مسرحي يمني يرتكز على الموروث الشعبي اليمني، يمكن أن تؤكد الهوية القومية اليمنية والعربية، وتميز اليمنيون عن سواهم من الشعوب والأمم بالحفاظ على التراث، وهذا الشكل يكشف عن أصالة هذا المجتمع للمتابعة في مسار التقدم الذي تحتمه حركة التاريخ، فالتراث له أهمية بالغة عند المؤرخين والباحثين فيشير لنا ابن خلدون في تعبيره عن «التراث أنها حالة من حيث هو للإنسان عالم، صانع، فاعل، بما يكشف عنه من معرفة في التراث هو المنقول إلينا أولاً، والمفهوم لنا ثانياً، والموجه لسلوكنا ثالثا، ثلاث حلقات يدور فيها التراث المكتوب إلى تراث حي، فالحلقة الأولى الشعور التاريخي، والحلقة الثانية الشعور التأملي، والحلقة الثالثة الشعور العملي». أي النظر إلى التراث بصورة معاصرة حتى يكتسب دلالات جديدة تعبر عن الواقع، لأن التراث هو روح الماضي وروح الحاضر وروح المستقبل بالنسبة للإنسان الذي يحيا به، وتموت شخصيته، وهويته إذا ابتعد عنه، لذلك نرى أن على الإنسان العربي عموما واليمني خصوصا أن يتمسك بتراثه في أقواله وأفعاله وعليه أن يحييه بصورة تواكب تطلعات العصر الحديث.

ونجد الكاتب المسرحي يشعر بمدى ثراء التراث بما فيه من معطيات ودلالات من الممكن أن تمنح عمله الإبداعي دلالات كثيرة لا حصر لها في إثارة وجدان الأمة لما للتراث من حضور في وجدانها ويستطيع أن يضع حلولا لمشاكل المجتمع في وقتها الحاضر وربط الماضي مع الحاضر واستشراف المستقبل.

ولا يتم ذلك إلا إذا تحملنا المسؤولية جميعا على عاتقنا نحن المسرحيين في الاستفادة من تراثنا اليمني والعربي ودراسته والاستفادة من موضوعاته وأحداثه وشخصياته وإسقاطها على الواقع المعاش واستشراف المستقبل وهذا ما يميز بحثنا في استلهام التراث في الكتابة المسرحية وبصورة حديثة تواكب تطلعات الجمهور وطموحاته وحل مشاكله وتمتعه في مشاهدة العروض المسرحية، ولا يتم ذلك إلا بتأصيل التراث أولا بإحيائه على ما تعمدت عليه النهضة الأدبية الجديدة، أي على الأصالة والمعاصرة لأن الأصالة الحقيقية تكمن في قلب المعاصرة وهو «أن نعرف كيف نبتكر حلولاً صادقة وملائمة لمشاكلنا التي نعيشها في عصرنا، من حقائق ونظم معرفية، صانع لما هو أداة مؤثرة في الأشياء والطبيعة أي لما هو مفيد ذو جدوى، فاعل لأفاعيل، ومسالك توصف بالخير أو بالشر، بالحسن أو بالقبح ، أو مصنوعات ممتعة أو جميلة…» ([8])   نستنتج أهمية التراث وعلاقته بماضينا وحاضرنا فاستيعاب التراث يقتضي النظر إليه ضمن بنيته التاريخية، والاستفادة منه لإخضاعه لأدواتنا العلمية المعاصرة ولمواقفنا الإيديولوجية، لكشف العلاقات بين التراث في موقفه التاريخي وبين الحاضر بكل مقتضياته، وبالتالي تحقق الأصالة والمعاصرة في نوع من التفاعل والتوافق وذلك لأن التراث مجموعة من المواقف لأنه يقدم المعرفة الإنسانية بما فيها من أحداث وصراع الإنسان مع الحياة وصراع الإنسان مع أخيه الإنسان وهزائم وانتصارات عكست الحياة الاجتماعية وسردت أحداثها. «التراث قبل كل شيء ذاكرة جماعية لأمة من الأمم ومن هذه الوجهة فإن علاقته بالتاريخ تختلف باختلاف مكوناته»([9])

والمسرح ما هو إلا مجموعة من أحداث تعكس الواقع المعاش لحياة المجتمع ومشاكله، فأحياء التراث والتمسك به يعتبر وقفة جادة أمام التحديات الخارجية، فأصبح الماضي محطة ارتكاز إلى مستقبل مشرف. ويشير لخضر منصور عن أهمية التراث ويقول «يشكل التراث مصدراً أساسياً من مصادر الإبداع والنشاط الفكري والحضاري في الحياة الإنسانية إذ لا يحقق وجود أمة من الأمم إلا بالتواصل مع تراثها من خلال محاوراته أو مجابهته أو إحياء الثورة عليه ومهما يكن الموقف اتجاه التراث فإنه روح الحضارة وجوهرها لا يقبل الانقطاع والانسلاخ عنها». ([10])  ففي هذا القول إشارة واضحة بأهمية التراث لما له من فائدة على المسرح وعلينا تأصيل التراث من خلال الفنون الشعبية القديمة والفلكلور وسير الأبطال والأهازيج والأحداث التاريخية. تأصيله في المسرح بطريقة تتناسب والتطورات الجديدة للمسرح، ولا يتحقق لنا ذلك إلا إذا قرأنا التراث اليمني بوعي لما يحتويه من أفكار وأحداث تاريخية وحكايات وسير شعبية وأساطير ومعتقدات دينية مارسها الإنسان اليمني القديم، والاستفادة منها وربط الماضي  بالحاضر واستشراف المستقبل لإحياء التراث من جانب والاستفادة منه في الحاضر لمعالجة مشاكلنا الراهنة وتحديات المستقبل من جانب آخر. فالإشكالية المطروحة ما علاقة المسرح بالتراث؟ وما علاقة المبدع المسرحي بالتراث؟ بلا شك أن علاقة التراث بالمسرح علاقة تكاملية فالتراث مادة ورثناها عن أجدادنا بما فيها من علم ومعرفة وأفكار وطقوس وعادات وتقاليد كانت تمارس في القدم والمسرح هو مرآة تجسد عليها الأفكار وتتصارع القوى لتعكس الواقع المعاش لإيصال فكرة ما وإمتاع الجمهور وتربيته وتثقيفه وترفيهه.

وكما يفيد الرشيد بوشقير في إحدى محاضراته عن التراث والمسرح «المسرح بطبيعته لم يكن في منأى عن التراث الشعبي في كل أطواره وتياراته العالمية، باستثناء التيارات التجريدية، ففي المسرح الإغريقي الذي نشأ في كنف الاحتفالات بأعياد “ديونيزوس” وظف التراث الهميري (نسبة إلى هميروس) في أعمال المسرحيين العظام أمثال: اسخيلوس، ويوربيدس، سوفوقل، وكذلك في المسرح الفرنسي الكلاسيكي نهج المسرحيون من  التراث الأسطوري الإغريقي وغربلته  بما يتناسب مع ثقافتهم… » ([11])

  ونظرا لارتباط المسرح اليوناني القديم بالدين متداخلاً أشد التداخل مع المشاعر والعادات الدينية المختلفة، «كانت المسرحية تمثل جزءاً هاماً من الاحتفالات الدينية الرسمية، وأهمها احتفالات الآلهة                (( ديونيزيوس))([12]) فالتراث  يعتبر المصدر الوحيد في ظهور عدة مسارح عالمية ((كالمسرح الإيطالي  في كوميديا “ديلارتي))([13])  ذات المصادر التراثية الشعبية، وفي المسرح الألماني استلهم الكاتب “غوتة” في مسرحية “فاوست” والتي يعتبر مصدرها التراث الشعبي الألماني وكذلك المسرح الأسباني، فنهل المسرحيون من التراث خصوصاً مثل أعمال “لوركا” وغيرها من المسارح العالمية، التي استلهمت التراث الشعبي في المسرح. ولا نستغرب عن انتهاج الرواد المسرحيين العرب في استلهام  التراث في المسرح « كمارون النقاش وأبي خليل القباني وسعد الله ونوس* والفريد فرج والطيب الصديقي وقاسم محمد** وعبد الكريم برشيد*** وعبد القادر علولة وبشتارزي وعبد الرحمن كاكي ونجيب سرور وتوفيق الحكيم وغسان كنفاني وعلي باكثير….([14]) وغيرهم من رواد المسرح العربي وظفوا التراث في المسرح في بناية النص المسرحي مستعينين بأحداث وشخصيات تاريخية من التراث الشعبي والشفوي في أعمالهم المسرحية، وهذا ما يؤكد لنا عن أهمية التراث كمادة أولية في إنتاج العمل المسرحي. فالتراث الشعبي يساعد المبدع المسرحي أن يضفي على عمله صفة محلية أصيلة بإبداعه وخياله لإنتاج عمل مسرحي معاصر يلبي طلبات الجمهور. فأدرك المبدع المسرحي أهمية التراث وما له من معطيات تعطي عمله المسرحي دلالات تعبيرية لا حصر لها لأن معطيات التراث لها كثير من  التقديس في نفس الأمة، ولما للتراث من حضور حي ودائم في وجدانها، ويذكر لنا الدكتور سعد علي إسماعيل في كتابه “أثر التراث العربي في المسرح المعاصر”، أنه توجد هناك أربعة أسباب أدت بالمبدع المسرحي إلى التوجه نحو التراث وهي ((أولاً الفخر بمآثر العرب وتاريخهم… وهذا السبب غالباً ما يأتي، عندما يشعر الكاتب العربي بتأخر الأمة العربية أمام تقدم من حولها. ثانيا: الوقوف أمام  المستعمر… ثالثا الحفاظ على الهوية القومية العربية، ورابعاً محاولات لتأصيل المسرح العربي ))([15])

فتأصيل التراث اليمني هو جزء من التراث العربي، يحتاج من الباحث في توظيف التراث والتاريخ أن يبحث في علاقة الحدث بالماضي بلحظة الحاضر وامتداده في المستقبل وجدلية النظرة إلى الماضي والحاضر والمستقبل، في علاقة اتصال حركي معقد يتحدد انطلاقا من الواقع الذي يكون فيه الباحث التراثي يستخدم التراث من المجتمع الذي يعيش فيه، وبذلك فإن البحث التراثي يقوم على اختيار الحدث أو الجانب التراثي بهدف دمجه في جسد اللحظة المعاصرة، وفي تصوير اللحظة الأخيرة، وبالتالي تخرج قضية التراث من كونها قضية من الماضي لذاته، كونها استعراض الماضي على الحاضر وكونه حركة صيرورة تتفاعل في داخلها منجزات الماضي وممكنات المستقبل تفاعلا ديناميكياً تطورياً تصاعدياً، أصبح دور المثقف والكاتب المسرحي ليس تقديس التراث، بل إعادته على أسس المعرفة العلمية المعاصرة.

3- 2  الكتابة المسرحية وتعاملها مع التراث:

ارتبطت الكتابة المسرحية بالتراث منذ نشأتها الأولى عند الإغريق، فنهل رواد المسرح الإغريقي الأوائل من التراث الإغريقي من أساطير وحكايات شعبية و احتفالات دينية وعادات وتقاليد كما وظفوا الشخصيات التاريخية الموجودة في التراث الإغريقي القديم، فأجادوا  كتابة النص المسرحي نثراً وشعراً وبلغة جيدة سهلة على المتلقي والجمهور اليوناني القديم، ولازالت هذه الأعمال خالدة حتى يومنا هذا، ومن هؤلاء الرواد الذين امتازوا في تأسيس مسرح اليوناني نصاً وعرضاً ( أسخيلوس، وسوفوقليس، ويوروبيدس وأرستوفانيس وغيرهم).

ويقول سعد عبد العزيز في كتابه الأسطورة والدراما عن مسرحية (أنتجونا) لسفوقوليس «أن مسرحية انتجونا مأخوذة من أسطورة شعبية من أساطير اليونان القديم، قد بعثها سوفوفليس في شكل فني جذاب وكان مضمون الأسطورة عبارة عن خلاصة أراء سوفوفليس التي أراد أن يقنع بها الشعب الأثيخي المحافظ، محاولا بها أن يهز المعتقدات الأثينية القديمة التي تسود المجتمع في ذلك الوقت »([16])

فعرفوا هؤلاء الرواد كيف يوظفوا تراثهم في كتاباتهم المسرحية بما يخدم مجتمعاتهم، فامتلكوا التراث وطرحوا مشاكل الشعب الأثيني في ذلك الوقت، حتى استطاعوا أن يؤسسوا نصاً مسرحي إغريقي، فتطورت الكتابة المسرحية من جيل إلى جيل وتغيرت أسلوب الكتابة الدرامية من أرسطو إلى حد الآن، فعرف أرسطو الدراما «هي نوع متميز من الأنواع الأدبية الأخرى، كالنص الغنائي وخاصة الملحمة بوصفه لا يتم الشكل الدرامي إلا في الشكل السردي»([17])، ويعني بذلك صيغة الحوار لذلك السرد القصصي القائم على عرض الفعل السلوكي والذي يتشكل البداية في بنية نص مسرحي درامي. وعلى الكاتب المسرحي في كتابة نص مسرحي أن يعرف ما هو النص المسرحي والنص الدرامي، فهناك نوعين من النصوص:

الأول: النص الدرامي dramatic text

فعرفه الكاتب شكري عبد الوهاب في كتابه النص المسرحي « هو نص المؤلف المصمم خصيصاً للتمثيل على المسرح، والمبني على أسس ومعايير درامية خاصة. ويعبر النص الدرامي بالحوار والفعل الدرامي،و بالحركة والديكورات والملابس والزمن »([18])

ثانيا: النص المسرحي performance

هو النص المكتوب بعد تناوله المخرج ومجموعة العمل للعرض المسرحي، لتحويل مفرداته إلى عناصر بصرية محسوسة وملموسة. وهنا توضيح كامل عن النص المسرحي سواءً بعد كتابته أو بعد تناوله، وهذا ما سعى إليه المسرح العربي في إيجاد صيغة نصية عربية لها خصوصياتها ومميزاتها، وكذلك إيجاد شكل مسرحي عربي نابع من ثقافتنا وتراثنا العربي، وأول هذه التجارب هي تجربة مارون النقاش أحد رواد المسرح العربي، ترجم مسرحية (البخيل) سنة1884م «باعتقاده أن المسرح له أشكال ليس الشكل اليوناني الذي قال أرسطو، بل تطور إلى ما يعرف بطريقة الايطالية»([19])

فمحاولة مارون النقاش أهتم لبرهنة وجود أشكال مسرحية في التراث، مما أدى تقديم عدد من الدراسات التي حاولت بلورة فكرة « أن الفن المسرحي موجود في كل مكان ومن قديم الزمان. فمارون النقاش وخليل القباني حولا تأسيس مسرح كصيغة أدبية فنية في الثقافة العربية»([20]) وذلك من خلال صياغته فنياً عبر الثوابت التقنية والفنية كما نجدها في ألف ليلة وليلة وبإدخال الحديث والتشويق والنوادر…الخ،  كالاعتماد على الفنون الشعبية التراثية كالحكواتي والتعاري والسامر، فتضمين مسرح القبان الشخوص التراثية من: عنترة، وامرؤ القيس وسيف بن ذي يزن وهارون الرشيد وغيرهم، وهذا البعد التراثي يعكس في حقيقته أمره، إيجاد شرعية حضارية وتاريخية لهذا الفن الوافد عبر تعريب مضامينه وجمالياته. كما دعا توفيق الحكيم أحد رواد المسرح العربي، «علينا أن نجد صيغة التراث بمختلف مصادره، حتى يصوغ معاناته و قضاياه المعاصرة»([21]) وأكدته أعماله المسرحية ذلك مثل مسرحية (خاتم سليمان) فوسع المؤلف كتابته المسرحية من التراث الشعبي والديني (القرآن الكريم) مثل مسرحية (أهل الكهف) و(سليمان الحكيم) فوظف قصة (سليمان عليه السلام) مع الهدهد وبلقيس مع رجال مملكتها، كما صورها القرآن الكريم، إضافة إلى شخصيات أخرى، كالصياد والعفريت المعروف في قصص ألف ليلة وليلة، كما وظف التراث في الكتابة المسرحية في مسرح عز الدين المدني إلى «إعادة امتلاك التراث والتاريخ على أساس جديد يجعله الأقرب إليه فلا يتعامل مع التاريخ، على أنه تاريخ للرسل والملوك مثلاً إنما على اعتباره تاريخاً للشعوب فتكون عملية امتلاكه من هذه الوجهة ممثلة في التعرف ببعض التراث والتاريخ المطموس المشوه».([22])

فتعامل عز الدين المدني مع التراث في كتابته المسرحية على أنه ينتفي من التاريخ العربي والإسلامي ما توفر ورفض السائد وإرادة تغييره وقد وجد في بعض الحركات والانتفاضات شأن ثورة الزنج وثورة صاحب الحمار، وانتفاضة سكان الأرياض، وفي بعض شخصياته مثل أبي العلاء والحلاج ووجهاً آخر للتراث العربي والإسلامي. كما دعا الطيب الصديقي* من المغرب وكذلك عبد الكريم برشيد إلى الرجوع إلى التراث لإيجاد مسرح عربي له خصوصياته الاحتفالية ومصوره التراث والظواهر الشعبية فيقول الطيب الصديقي «أننا بحاجة إلى المسرح العربي الذي في الشوارع والساحات والأسواق، وعلى هذا الأساس قدم مسرحياته وعرضها خارج المسرح»([23])

كما حضيَ رواد المسرح الجزائري كغيرهم من رواد المسرح العربي بالرجوع إلى التراث في صياغة نصوص مسرحية عربية جزائرية، ومن هؤلاء الرواد عبد الرحمن كاكي، كاتب ياسين، وعبد القادر علوله وغيرهم، وأهم هذه الأعمال مسرحية(مسحوق الذكاء لكاتب ياسين) فيقول الرشيد بوشقير في كتاب “توظيف التراث في المسرح المغاربي” «تعد مسرحية مسحوق الذكاء مستقاة من القص الشفوي الشعبي، فشخصية(جحا) الذي نسجت حوله نوادر ظريفة، وبعد توظيفها بأسلوب مسرحي محكم، قدمها المؤلف شخصية مشحونة ورؤى معينة في سياق تاريخي محلي يتناسب مع الواقع »([24]) فرواد المسرح العربي كثيرون الذين تناولوا التراث في موضوع مسرحياتهم فهؤلاء الرواد أخذوا من التراث العربي والإسلامي، لسرد مسرحياتهم بأسلوب رائع، فامتلكوا التراث ووظفوا عليه مشاكل العصر وأسقطوها على الواقع، فأخذوا من ألف ليلة وليلة ومن مقامات الحريري ومن الأساطير والحكايات الشعبية القديمة والسير والكتب التاريخية، كما أخذوا من الظواهر المسرحية القديمة من أجل إيجاد نص وعرض مسرحي عربي.

الكتابة المسرحية في اليمن:

ارتبط التاريخ الطقسي الديني اليمني بمظاهر احتفالية وتنوعت أساليبها وأشكالها لتناسب طبيعة الواقع الاجتماعي، وكانت تمارس عن طريق شعائر دينية وطقسية، تتعلق بالآلهة وطرق العبادة تصاحبها أصوات الطبول والغناء وإلقاء الأشعار على شكل حلقة كبيرة يتوسطها( المتلقي وأكثر من شخص، فيبدأ بالرقص بمصاحبة الأدعية والشعائر التي تتعلق بالعمل اليومي، أو الاحتفال بالمناسبات والأعياد الدينية، فكانت هذه الأشكال الاحتفالية تحمل طابعاً ومعلماً مسرحياً، بما يسمى اليوم العرض المسرحي « تعد الحكايات والأساطير الدينية، نوع من أنواع الأدب الشعبي اليمني، عبرت بأسلوب بسيط عن حياة القديسين ومشاعرهم وهمومهم، وعاداتهم المختلفة، واختلفت موضوعاتها فتناولت الشرف والأرض والحب والمرأة، والنماذج البشرية المختلفة لذلك فهي قابلة للتمسرح »([25]) وهذا ما سعى إليه رواد المسرح اليمني في تعاملهم مع التراث اليمني لصياغة نص مسرحي يمني عربي له خصوصياته ومميزاته، فالنص المسرحي اليمني منذ بداية مرحلته مر بالتجريب، فتعامل هؤلاء الرواد مع التراث فمنهم من أعاده كما هو لا يزيد في نصه المسرحي شيء من الفكرة التي  يعرفها للجمهور من التراث، بل أن الجمهور يعرف هذه الفكرة ومحتوياتها، ومنهم من استطاع أن يبرع في كتابة نصه المسرحي في الربط بين الماضي والحاضر واستشراف المستقبل، فيقول يحيى محمد سيف في كتابه أعلام الأدب والفن المسرحي في اليمن « انطلق النص المسرحي اليمني في بدايته الأولى من القصص والمسرحيات الغرامية العربية والعالمية المشهورة مثل قصص قيس وليلى وشهداء الغرام، لنجيب حداد ومن الشخصيات التاريخية وسير الشعبية اليمنية»([26]) 

فظهرت عدد من المسرحيات المأخوذة من التراث العربي واليمني مشبعة بالقيم المثل العربية مثل مسرحية “حاتم الطائي المروءة والوفاء، وشهامة العرب صلاح الدين الأيوبي، وغيرها من المسرحيات اليمنية، ومن أشهر هؤلاء الرواد محمد علي عثمان في كتابة مسرحية صلاح الدين الأيوبي والتي عرضت عام1938 ومع بداية القرن الماضي اهتم الكتاب المسرحيون بالأدب المسرحي في اليمن يتجهون بصياغة مسرحية خاصة بالعرض المسرحي في اليمن، « قام المؤلفون اليمنيون بإعداد مسرحياتهم تمثل السير البطولية والأحداث التاريخية واتجهوا بصياغة المسرحية التاريخية الواقعية المستمدة من الواقع الاجتماعي»([27])

ونستنتج من هذا الرأي أن الكتابة المسرحية الحديثة ارتبطت بالتراث منذ بدايتها، فكتبت المسرحية النثرية والشعرية في اليمن ومن رواد هذه الفترة «علي باكثير، علي محمد لقمان محمد الشرفي، محمد حسن اللوزي، عبد الكافي محمد سعيد، عبد المجيد القاضي وعبد الغفار مكاوي… وغيرهم»([28])

فجميع هؤلاء المسرحيين وغيرهم من كتاب المسرح في اليمن فكتبوا العديد من المسرحيات، فأخذوا من التراث وشخصياته، وتراثنا اليمني عريق ومتنوع ويحتاج إلى دراسة معمقة وتحليله لمعرفة مواضيعه وتشبع بأفكاره، حتى يستطيع المؤلف بنية نص مسرحي يمني جيد، وعلى الباحث والكاتب المسرحي اليمني عند تعامله مع التراث لكتابة نص مسرحي أن يتبع الخطوات التالية:

1- دراسة التراث اليمني بجميع أشكاله وظواهره و دراسته وتحليلية لكي يساعده على صياغة فكرة لموضوعه المسرحي.

2- اختيار الفكرة الخاصة بالمسرحية.

3- وضع المشاكل الاجتماعية التي يريد معالجتها ودمجها مع أحداث التاريخ.

4- التعرف على قواعد الكتابة المسرحية .

5- توظيف الشخصيات التاريخية والتراثية في النص المسرحي.

6- اختيار اللغة وطريقة الحوار والصراع الدرامي.

7- تسلسل الأحداث المنطقية في بنية النص المسرحي.

8- ربط الأحداث المسرحية بالهدف الأسمى للمسرحية.

9- معرفة الحدث و(المنحى) الذي يغير مجرى أحداث المسرحية.

وغير ذلك من مكونات النص المسرحي الجيد، وترتكز على المؤلف صانع النص ومبدعه وخالقه، فالكاتب«لا يتكلم، بل يضع الكلام والدراما لا تكتب، بل توضع»([29])

فالمسرحية المرتبطة بالفعل المتنامي المتطور المرتبط بزمن وقوعه(الحاضر) فالدراما تظل متحركةً زمنياً في إطار الحاضر.ويعد النص المسرحي هو المادة الأساسية التي يرتكز عليها المخرج لإنتاج عرض مسرحي. فيعتبر النص هو البذرة الأولى لإيجاد حركة مسرحية وترتكز على المؤلف المسرحي في صياغة مسرحيته وتعامله مع التراث، أن يعتمده مجرد إطار ليعيد سر بروزه أو أنه إرثاً لا يجوز المساس به، أو تمجيداً للماضي بل نعتبره مادة حية نستمد منها أفكارنا لنطور بها حاضرنا، فثقافة الماضي لابد أن تكون مرتبطة بثقافة الحاضر، وهذا ما اعتمد عليه الكلاسيكيون في المسرح الغربي.وما يهمنا هو كيف يتعامل المؤلف المسرحي مع التراث ؟ سؤال داهم أفكاري أيام عديدة لكنني بعد دراسة متأنية وجدت إجابة واحدة ينطلق منها المؤلف لبنية النص المسرحي ألا وهي أولاً اختيار الفكرة! تعد اختيار الفكرة لكتابة نص مسرحي لأي مؤلف من أصعب المراحل التي يمر بها المؤلف لكتابة نص مسرحي، سواء كانت الفكرة مأخوذة من التراث أو من الحاضر الذي يعيشه المؤلف، وعلى المؤلف عند اختيار فكرته من التراث، لابد أن يكون ملمّاً بهذا التراث ودرسه وحلله لكي يستطيع الإلمام بجوانب الفكرة، « تقوم المسرحية على وحدتين، وحدة المنطق العام، والوحدة العضوية»([30])  فالتجربة تقوم على إبداع، والتجريب تطبيق جديد وإبداع يتقبله العقل الواعي، ولا تهتم التجربة بالعقول العادية، أما التنظير يتعرض للأسس الفكرية الجوهرية، لأنه يضعها ليصل في النهاية إلى تحقيق التجربة، وهذه التجربة تكون في فن الكتابة المسرحية، لأن التجريب يعطي مضموناً ومواصفات لصبغة فنية يمنية فيقول كمال عبيد في كتابه”المسرح بين الفكرة والتجريب” في تحقق الفكرة المسرحية «أن الفكرة تستلزم إطاراً علمياً حقيقياً، ولكل عمل أدبي عناصره الحقيقية الخاصة به فإذا كان خيال القصة يلعب دوراً كبيراً، فإن الحادثة في الدراما تمثل مناطق القول في المسرحية»([31])

ونستنتج من هذا القول أن الفكرة لابد أن تمر بمراحل لدى الكاتب المسرحي، فهي عادة لا ترتبط بزمن معين وتكون قصيرة المدى، تأهل الكاتب باستكمال جوانب فكرته بسرعة المأخوذة من التراث، وقد تكون طويلة تظل تعيش مع المبتكر شهور وسنين في بعض الأحيان، وذلك لشرح العلاقات الداخلية التي تمر بها الفكرة الدرامية (نظرياً وتطبيقياً )لأن الاستمرارية في الدراما في تماسك فكرتها وتسلسل أحداث المسرحية وترابط فصولها، وعندما نلاحظ النص المسرحي الغربي في بنيته النصية « توجد علاقة وثيقة تربط المسرح بالتراث في اختيار الفكرة ورسم الشخصيات وطريقة الحوار واللغة المختارة لكل شخصية»([32])

فالعمل الأدبي الجيد لابد أن تكون له فكرة جيدة تدور في ذهن الكاتب أو الأديب لإحياء الفكرة المأخوذة من التراث ونقلها للمتلقي، ولابد أن تمر بمراحل لدى الكاتب وذلك للتأمل والمعايشة والتصارع والمصالحة في تكوينات خبرات المؤلف، لدراسة التراث اليمني من أساطير وحكايات شعبية وسير شعبية وغيرها.وذلك للإلمام الكامل لمصدر هذه الفكرة، لكي يتسنى له المعرفة الكاملة عن العادات والممارسات الاجتماعية التي واكبت ظهور هذه الفكرة ودمجها مع سلوكيات المجتمع الذي يعيش فيه المؤلف.فمثلاً لو أخذنا “أسطورة فأر سد مأرب” كفكرة لصياغة نص مسرحي، والتي تتمحور حول الخيانة للوطن، وذلك في تشريد الشعب بعد انهيار السد (ذكرناها سابقا) فعلى المؤلف الرجوع إلى أصل الأسطورة واختيار الفكرة التي يريد معالجتها في العصر الحالي لإسقاطها على الواقع الاجتماعي الراهن، كما عمل المؤلف المسرحي اليمني عبد الكافي محمد سعيد في مسرحية “الفأر في قفص الاتهام” وسنذكرها لاحقا. وكما يذكر الكاتب الألماني”جرهانت هاوتيمان” في فن الكتابة المسرحية « أن السير في كتابة الدراما أن تطرأ على الإنسان فكرة معينة»([33])  ويذكر أحمد إبراهيم الفقيه (من ليبيا) عن ارتباط المسرح بالتاريخ « اعتمد المسرح العربي على لونين من ألوان التعبير، على موارده من اللغة الفصحى، لاستحضار شخصياته التراثية والتاريخية، تدور مواضيعها المسرحية حول حياة الأبطال مثل مسرحية صلاح الدين الأيوبي، وهارون الرشيد… وغيرهم»([34]) وهنا إشارة واضحة تؤكد لنا ارتباط التراث العربي في الكتابة المسرحية منذ نشأته بصورة رمزية في عدد من المسرحيات العربية  واليمنية، وبما أن المسرح هو من أكثر الفنون ارتباطاً بالجمهور، فهو بحاجة إلى نضج الملكية الفكرية وسعة التجربة في الكتابة المسرحية والإلمام بقضايا التراث والمشاكل الاجتماعية الراهنة، وعلى المؤلف التركيز والإحاطة بمشاكل الإنسانية، والوجود الإنساني قد يتطلب التعمق داخل النفس الإنسانية للكشف عنها، ولا يتحقق للمؤلف أو الفنان إلا إذا قدر على تجاوز حدود نفسه للتعبير عن مشاعر الآخرين، ولاسيما بأنه يقدم نصه المسرحي ضمن وسط اجتماعي، يحقق التفاعل بين الشخصيات، كما في الحياة، ليحقق وقائع وأحداث درامية، ذات عناصر متشعبة، إذا فعلى المؤلف المسرحي اليمني عند اختياره لفكرة نص مسرحي مأخوذ من التراث أن يكون ملما بالتراث اليمني وعاداته وتقاليده القديمة والحديثة، حتى يتمكن من دمجها في كتابة النص المسرحي، لكي يحمل دلالات وأفعال وحركات تؤثر في الجمهور من أحداث الماضي والحاضر والمستقبل، فكلما شملت فكرة النص المسرحي تحتوي على مغزى، كان تأثير النص أقوي على المتلقي ومتناول في يد المخرجين اليمنيين وغيرهم.

3- 2- 1  الشخصيات التراثية والتاريخية في بنية النص المسرحي:

يهتم هذا المطلب بالشخصية التراثية في النص المسرحي فالشخصية الدرامية أهم عنصر في بنية النص المسرحي فهي التي تبنى عليها الفكرة  الذي يريد بها الكاتب المسرحي لإيصالها إلى القارئ والجمهور المسرحي فالشخصية المسرحية هي التي تبين لنا النص المسرحي لتسرد الأحداث المسرحية لتتصارع القوى للوصول إلى الهدف الأسمى  في المسرحية، فكل النماذج الإنسانية تصعد على خشبة المسرح، الرجل والمرأة، الشاب والعجوز، والشحاذ والملك، المريض وصاحب الصحة الجيدة، العامل والفلاح، القاضي والجندي، الجاهل والمثقف وغير ذلك فالشخصيات مهما كانت وظيفتها في الحياة وكان جنسها تجدد هذه الدراما وهذا لا يتحقق إلا بوجود مصارع أمامها تحمل إحدى كفتي الصراع تاريخياً لتكشف عن تاريخ سلوك المسرحية. فالإنسان منذ التاريخ المسرحي  يتجسد في (الشخصية المسرحية فإذا كانت الشخصيات والأحداث مملة وجامدة هدد ذلك نجاح المسرحية واهتزاز عناصر العرض المسرحي، فالشخصية تكون ذات طبيعة خاصة أو شاذة أو غريبة غارقة في أحد أشكال الحياة الدنيا، وهي أحد النماذج في المجتمع، وهي حاملة لفكرة الكاتب الدرامي فالشخصية تنوب عن إنسانه، سوى   باسترجاع للشخصية التاريخية لها شأنها وجلالها، ولا نعتبرها نص بل نعتبرها جواز مرور لعظمة الشخصية الدرامية وإحيائها في الواقع المعاش والافتخار بها وتحفيز المتلقي بهذه الشخصيات التي تتصارع لسرد الأحداث، فعرفها فؤاد الصالحي في كتابه علم المسرحية وفن كتابتها «الشخصية هي التي تقوم عليها أداء الفعل الدرامي ورسم الأحداث التي تتطور لخلق سلسلة متتالية من خلال الحوار، والأدوات المتصارعة إذ يجب أن تكون دوافعها كافية ومنطقية»([35])، كما يعرفها شكري عبد الوهاب في كتابه النص المسرحي، حسب رأي (آرثر) «الشخصية مركب من العادات الذهنية والانفعالية العصبية، ولا تقوم المسرحية بدون فعل،فإذا وجدت الشخصية ووجد الفعل فهذا يعني أننا أمام مسرحية جيدة»([36])

فالشخصيات الدرامية تختلف حسب البنية الدرامية للنص المسرحي فإذا كانت بنية النص تراجيديا ستكون رسم الشخصيات في النص تخدم فكرة الكاتب وإذا كان غير ذلك كشخصيات الكوميدية والرومانسية ستخلف بنية النص المسرحي وأبعادها النفسية وانفعالاتها واختلاف أفكارها لتصارع بما تخدم الفكرة الأساسية للنص، فيقول كمال عيد في كتابه “المسرح بين الفكرة والتجريب” «الشخصية المسرحية حتى لو تكررت  تتغير أو تتبدل كلما تغير الخالق والمبدع الفكري، فالقضاء والقدر يتحكم على الشخصيات الدرامية اليونانية عند (اسخيلوس، سوفوكليس، ويوربيدس) إلا أننا لا نرى (الكترى) و (أورست) متشابهين عند الأول والثاني ومختلفين عند الثالث فهما كشقيقة وشقيق عند يوربيدس أكثر وعياً وأدق حرصاً…» ([37])

وهذا يؤكد لنا عن قدرة المبدع المسرحي (الكاتب) في رسم شخصياته المسرحية واختلافها من نص مسرحي لآخر حسب رؤية  الكاتب للشخصية المسرحية وأبعادها النفسية والملامح  الخارجية والاجتماعية للشخصية فهما يحركان الصراع في المسرحية، وكما يشير لنا أحمد صقر في كتابه “توظيف التراث الشعبي في المسرح العربي” عن الشخصية المسرحية وأبطالها «أن الشخصيات كأحد الأدوات الهامة في بناء المسرحية فلابد أن نعرف شخصية البطل الملحمي، والبطل التراجيدي فالبطل التراجيدي يكافح  ويناضل ويخاطر إلى الأبد ويسقط شهيداً في ساحة القدر وليس ضعف في تكوينه النفسي ولكن لابد للقدر أن يتحكم فيها وفي تصرفاتها. وعلى المؤلف المسرحي أن يركز على الأبعاد الثلاثة للشخصية”[38] و كما حظي الكتاب المسرحيون اليمنيون كغيرهم من الكتاب العرب في استلهام الشخصيات التراثية والأسطورية والتاريخية وأبطال السير الشعبية في بنئية النص المسرحي اليمني، فمنهم من وظفها ودرس أبعادها النفسية والاجتماعية لإسقاطها على الواقع المعاش سواء بالرمز وتقريبها في الواقع المعاش ومنهم من رسمها بطريقة واقعية حاملة معها الرمزية في المسرحيات التاريخية لتحفيز الجمهور والافتخار  بهذه الشخصيات من أبطال  وملوك وشجعان وغير ذلك، لكي يقتدي المشاهد بهذه الشخصيات وبصفاتها في الشجاعة والكرم والنضال لإثبات الوجود ونصر المظلوم وتغيير الواقع المعاش والعدالة الاجتماعية لكي يتأثر بها المشاهد وتغيير واقعه وصفاته وأخلاقه والثورة ضد الظلم والاستبداد والافتخار بتاريخ الإباء والأجداد و الاقتداء بهم، وسنذكر هؤلاء الكتاب والمسرحيات التي كتبوها، وبعض الكتاب المسرحيين اليمنيين لم يستطيعوا تقديم الشخصيات التاريخية والأسطورية والأبطال في بناية نصوصهم المسرحية، وذلك لعدم إعطاء الشخصيات حقها بأبعادها النفسية والاجتماعية والسياسية وقدموها جامدة تسرد لنا أحداث مما يؤدي إلى ملل الجمهور وكرههم لهذه الشخصيات وعدم التأثر بها، مما جعل أعمالهم مركونة في الأوراق لا يتطلع إليها المسرحيون لتجسيدها على  الخشبة لعدم إضافة الكاتب أكثر ما عرفه المشاهد من الكتب التاريخية والتراث الشعبي والأسطوري، وعلى الكاتب المسرحي مراعاة هذه الجوانب عند استلهام الشخصيات المذكورة وإعطائها حقها ودراسة أبعادها النفسية  الاجتماعية وما يحتاج إليه المشاهد في واقعه المعاش ومشاكله الاجتماعية والسياسية، فعلى المؤلف المسرحي التركيز على دراسة الطبيعة البشرية للشخصيات وجوانبها النفسي وصراعها ضد القوى الأخرى ففي العصر الحديث نجد التحول في دراسة الشخصية في التركيز على الطبيعة البشرية إلى التركيز على دراسة العلاقات البشرية بين الشخصيات وهذا يتفق مع مذهب (بريخت) الفكري والفني ((والذي يدرس الشخصية من خلال علاقاتها الاجتماعية من خلال الشخصيات ذاتها)) ([39]) وهذا منظور جديد يستدعي انتباهنا نحن المسرحيين في الاهتمام بحياة الشخصيات الداخلية والعلاقات البشرية بينهم فنرى الأبطال الملحميين منهزمين في نضالهم بسبب ضعفهم البشري لأن القدر أقوى منهم مما يثير إحساسنا ولا تصب في أنفسنا الخوف أو الرعب والعطف والشفقة عكس البطل التراجيدي. استدعت الشخصية التراثية في عدد كبير من المسرحيات العربية واليمنية فيشير أحمد إبراهيم في محاضرة له في كتاب “المسرح الإفريقي بين الأصالة والمعاصرة” «تستحضر الشخصيات التراثية والتاريخية تقدم مسرحيات تدور حول حياة أبطال التاريخ  العربي مثل ذلك التي تتحدث عن حياة صلاح الدين الأيوبي وطارق بن زياد وهارون الرشيد وعبد الرحمن الداخل، وفتح الأندلس وأخرى تحمل عناوين من التراث مثل خليفة  العباسية أخت الرشيد وأميرة الأندلس والوفاء العربي….» ([40]). ويشير سعيد إسماعيل في كتابه “أثر التراث في المسرح العربي” عن إحياء الشخصية التراثية في المسرح «قد يرى أحداث التاريخ أو شخصية من شخصياته متشابهة من أحداث شخصيات معاصرة، فيحاول الكاتب أن يربط بين التاريخ والحاضر وأن يعبر من خلال الماضي عن بعض القضايا في العصر أو المجتمع الذي يعيش فيه، أي يسقط الحاضر على الماضي واستشراف المستقبل….»([41]).ومن هذا الرأي يقتضي التعبير عن بعض الدلالات والرموز من خلال الحدث التاريخي والشخصية التاريخية أو التراثية وإقامة بناء فني كامل على أساس من الغزل والاختيار وأن يمارس الكاتب في اختيار الغزل بين أحداث التاريخ ووقائع الحاضر كما أن أحداث الحياة العصرية اليومية تصلح جميعا في اختلاطها واختلاف قدراتها على  الدلالة والرمز لكي تكون موضوعا لعمل مسرحي ناجح ولا يصلح نقل التاريخ كما نقل إلينا، فالتاريخ ليس إلا أحداث كانت وقائع حياة مختلفة الرموز والدلالات. فعلى الكاتب عند اختيار شخصياته التراثية أو التاريخية أن يرسمها بما يخدم  فكرة الموضوع والتأثير على الملتقى من هذه الشخصية. فها هو الكاتب المسرحي “ابسن” يقدم أبطال مسرحياته “عدو الشعب والأشباح، والبطة البرية، وبيت الدمية” التي تعرض أوضاع اجتماعية راهنة، فيقول فوزي فهمي في كتابه المفهوم التراجيدي والدراما الحديثة «لم تقدم أبطال اليونان بل قدمت شخصيات عادية تعيش تحت سماء المجتمع الذي يعيش فيه، عرضت هذه الشخصيات ليس فيهم بطولات خارقة، بل أنهم يبحثون عن هذه البطولة الإنسانية في طاقة البشر، والبطولة تتحقق في حريتهم، وفرديتهم وإذا لم تتحقق فإنهم يسعون بكل ما أوتوا من قوة إلى تحقيقها ويصارعون إلى الوصول إليها….».([42])

وظفت الشخصيات التراثية والتاريخية في المسرح وكتابة النص المسرحي في عدد كبير من المسرحيات العربية واليمنية وكان لهذه المسرحيات نجاح كبير لدى الجمهور فخلق التوتر لدى الجمهور إنما هو في واقع الأمر التوتر  الداخلي لدى الشخصيات والتوتر في العلاقات الإنسانية، هذا التوتر الذي يكمن  تحت سطح هذه العلاقات، ويؤدي إلى إثارة التوتر داخل الشخصيات وإلى انتشاره في الجو العام في المسرحية فوظيفة الشخصيات هو شد المتفرج إلى خشبة المسرح، فاستلهم الكتاب اليمنيون الشخصيات الأسطورية وأبطال الحكاية، والسير الشعبية، والشخصيات التاريخية والدينية في كتابة النص المسرحي وتجسيدها على خشبة المسرح ولاقت نجاحا لدى الجمهور كما ذكرنا سابقا. فقدم الكتاب اليمنيون في الثلاثينيات من القرن العشرين أمثال الكاتب الكبير علي أحمد باكثير مثل مسرحية (همام، خناتون ونغرتيني، مسمار جحا، الملكة بلقيس، قطط وفئران…) وكما يقول الباحث يحيى محمد سيف في كتابه المختصر “المفيد من أخبار المسرح العربي الجديد” « حول باكثير الشخصية التاريخية والأسطورية والشعرية إلى شخصية معاصرة وتعاني حيرتنا وتبحث عن الحل لمشاكلها مثلنا» ([43])، لأن الحوار للشخصيات يضيف على جمالها الواقعي في المسرحية لتتمتع الشخصية بحوارها المفعم وأحاسيسها الداخلية قد تكون مرحة وغاضبة وغير ذلك، «أن الغرض الرئيسي من الحوار هو توصيل المعلومات اللازمة بوضوح» ([44])حتى يتأثر الجمهور بهذه الشخصية للاقتداء بها واتخاذ قرار من واقعه المعاش لدراسة السلبيات والإيجابيات بما تحمله الشخصيات من أفكار وسلوك قد يطابق واقعه المعاش، لأن المشاهد العربي واليمني بوجه الخصوص بحاجة إلى حفز الهمم نظرا إلى ميوله إلى تاريخه وأمجاد أبطاله. فاختلاف الحوار من شخصية إلى أخرى واختلاف أبعادها النفسية والاجتماعية وقوة تأثيرها على المتلقي لإعطاء النص المسرحي قصة، فقوة الشخصية يكون في قوة حوارها سواء كانت الشخصية من التراث أو من الحياة الواقعية التي نعيشها، وعلى المؤلف المسرحي مراعاة ذلك في بنية نصه المسرحي فهناك الشخصية المركبة وهي التي تتغير من حاله نفسية إلى أخرى ومن موقف درامي لآخر، وتعد من الشخصيات الأساسية في المسرحية والتي تصارع من أجل فكرة ما، وشخصيات ثنائية أو مساعدة تخدم النص للإلمام بفكرة الموضوع وتوضيح عقدته. فالشخصيات هي التي تثير الجمهور وتجعله في حالة انسجام مستمر وذلك عن طريق متابعة الحوار وسرد الإحداث والأغاني والرقصات والحكايات الشعبية المعروفة لدى الجمهور، اتجه الكتاب المسرحيين اليمنيين إلى التراث الشعبي والتاريخي لتجسيد شخصياتهم، نظرا لوجود حكم إمام ظالم في شمال اليمن والاستعمار البريطاني جنوباً، ويفيدنا محمد الشرفي (شاعر ومؤلف مسرحي يمني)، في كتابه “مسرحيتان من مواسم الهجرة والجنون، والعشاق يموتون كل يوم”فيقول « بحثت في كتب التاريخ عن قصة بمناسبة ما وأخذت من مكتبة المدرسة مروج الذهب للمسعودي وقرأت بعض أجزائه، واخترت حياة الحاج بن يوسف الثقفي موضوعاً للتمثيلية وقمت بجمع القصة وكتابة أدوار الشخصيات المعروفة عانت ما عانت من الحجاج أو قتلت أو تغربت على يده وألفت تمثيلية للمناسبة من المناسبات الإمامية، ونسيت أن المناسبة هي عبد الناصر الإمامي، وقبلت من الممثلين ولكن مدير المدرسة رفضها من القراءة الأولى وقال هل تريد أن يقطع الإمام رؤوسنا»([45])، وهذه إشارة واضحة بما عاناه الكتاب المسرحيون من قمع لحرية التعبير في كتابة النص المسرحي، مما ادى إلى رسم شخصياته بطريقة رمزية لإحياء الشخصيات التاريخية وإسقاطها على الواقع الذي كان يعيشه اليمنيون آنذاك، كما يفيدنا الكاتب الشرفي بأنه شارك في عدد من المسرحيات مثل غزوات الرسول (ص) وقصص البطولات العربية من كتاب جواهر الأدب الهاشمي أو مقامات الحريري، وكتبت المسرحيات ورسمت الشخصيات مستوحاة من هذه الكتب كشخصية كسرى عند استقباله للوفود العربية التي مثلها المؤلف، فاستلهمت الشخصيات التراثية والتاريخية في المسرح اليمني في عدة مسرحيات كما يشير المؤلف حسين الأسمر في كتابه “المسرح في اليمن تجربة وطموح” «قدمت تمثيليات ومسرحيات مؤلفة ومقتبسة من بداية الأربعينات والخمسينات مثل طارق بن زياد، صقر قريش، سيرة الحجاج، صلاح الدين الأيوبي، جابر عثرات الزمان،  .. وغيرها، وكانت تلك الأعمال تستمد مادتها من التاريخ الإسلامي وسير أبطال العرب ومن حكايات ألف ليلة وليلة وبعض الأساطير والخرافات اليمنية» ([46]).ويشير هنا الكاتب «بأنه وظفت الشخصيات التاريخية في المسرح اليمني في هذه المسرحيات وكذلك في مسرحية “الفروسية العربية” ومثل أدوارها كلا من العربي المصوعي بدور (عنترة) ومحمد عايش باقاضي بدور (أبو زيد الهلالي) وعبد الرحمن باعيرفي بدور (أحد الفرسان) وعرضت هذه المسرحية في الثلاثينات من القرن العشرين»([47]).

كما وظفت الشخصية التاريخية في مسرحية “خالد بن الوليد” من تأليف وإخراج صالح أحمد الكهالي وبطولة عبد الوهاب علي الطيب، والتي تحكي عن انتصار جيش المسلمين على الروم بقيادة خالد بن الوليد، وكان الغرض من المسرحية هو تحفيز الجمهور على حكم الإمامة الظالم الذي كان يحكم اليمن سابقا «والافتخار بهذه الشخصية التاريخية بصفاتها وشجاعتها، وكذلك الاقتداء بشخصية حاتم الطائي في مسرحية “حاتم الطائي” والوفاء في مسرحية “المروءة والوفاء، والشجاعة والشهامة في مسرحية “شهامة العرب” وعبد الرحمن الناصر، أبو موسى الهادي وكذا مسرحية “الصديق.. للقاضي عوض بامطرف”، وكل هذه المسرحيات تحمل شخصيات المثل والقيم العربي))([48]).

س1 هل يمكن استلهام شخصيات تراثية في المسرح اليمني؟

يتميز التراث اليمني بالحوار الجميل سوى كان نثراً أو شعراً، فالشعر مثلاً امتاز بالرثاء وبالغزل والهجاء وسرد  أحداث وشخصيات تاريخية تمتعت بالحوار الممتع والمشوق للمستمع والقارئ فالحوار يبين البعد النفسي للشخصية  ويبين لنا البعد الزماني والمكاني، فشعر ضاح اليمن مثلاً يتمتع بملامح درامية فقصيدته الحوارية مع معشوقته روضة يبين لنا الأبعاد النفسية لكل من الشخصيتين وضاح وروضة المذكورة سابقا فيقول:

قالـت لا تَلجَنَّ دارنَـا  *  إِنّ أَبانا رجـلٌ غائـرُ

         قلتُ فأنّي طالبٌ عـزّةٍ *  منه وسيفي صارمٌ باترُ([49])

إلى أخر القصيدة.  فنلاحظ  الحوار يحمل بنية درامية واضحة يحملها الحبيبيان وقوة وشجاعة وضاح اليمن وقوة شخصية أبي روضة واضطهاده لأولاده، وحدد المكان الذي سيلتقيا فيه في نهاية القصيدة ألا وهو البيت وفرحة روضة وأعجبت بشجاعة وضاح اليمن.( 2) ، وهنا يمكن للمؤلف المسرحي استلهام هذه الشخصيات وإسقاطها على الواقع المعاش ورسم الشخصيات المساعدة التي  تخدم الفكرة، وهناك عدة قصائد حوارية يمنية أخرى على سبيل المثال قصيدة للشاعر أحمد بن الحسين بن شرف الدين القارة (العامية) وهي من النوع الغزلي وهي علاقة بين الشاعر (وغزال) البدوية والذي يغزل في قصيدته ويضح البعد النفسي بينهما ونفهمها من خلال الحوار فيقول:

يا روحي من الغيد هيفاء كـأم هـلال

*

حسبتهــا  مثـل روحــي وعقلـي

غانية ما لها في الحسن الغوانـي مثـال

*

لا و لا فــــي المحبيــن مثلــي

حيـن  خاطبهــا الوصـل  قالـت

*

ما الوصال وايش مبتغى من الوصل قل لي

قلـت : وقفة تجـودي بها جنح  الليال

*

شرفـــي  بالتلاقـــي محلـــي

قالـت : أما وصولـي عنـدك محـال

*

مـا  يطبعـوا يبيحــوا  لـي أهلـي

غيـر لا يسمـع أهـل و لا أبــوي

*

ذا المقـال با يهمــوا بقتـلك وقتلـي

إلى آخر القصيدة: ([50]) ففي هذه القصيدة يبين لنا الحوار بين البعد النفسي بين الشخصيتين قارة وغزال وأن شخصية غزال رقيقة وصارمة ومعتزة بأصالتها وعاداتها وشرفها ومتمسكة بها، كما يبين لنا البعد المكاني وهو خارجي، وذلك في الخلاء بعيد عن القرية.غيرهم الشعراء اليمنيون القدماء والحديثين ((امتازت قصائدهم بالحوار وخاصة في العصر الأموي وتمتعت بأسلوب قصصي مثل الشاعر الظريف على بن الحسين الخفنجي من ديوانه “سلافة العدسي وزهر البلسي” في قصيدة أسماها “تفرطة بيت العبسي)).([51])

حيث يقول في قصيدة بحوار جميل بين العجوزة والشابة:

قالت: العجوز جذور حشا عيال والقصر مني وسمعي والبصر

                                                          من ذا الكلام المخزيات

ما زاد بقى للكبار ميزه على ذو لا الصغار عاد كان للعاقل شنار

                                                          قبل قلي للعاثرات

قالت: الخشف اللعوب يا لله عليها خليها غيوب لا تكثر لي حر الشقوب

                                                          قد العجائز مزبلات ([52])

إلى آخر القصيدة، فيمتاز الحوار يبين لنا صراع بين الشابة والعجوز بين القديم والجديد، فهذه القصائد قد يستطيع المؤلف المسرحي استلهام شخصياتها والفكرة التي تدور حولها القصيدة في كتابة نص مسرحي يتمتع بالحوار بين الشخصيات وأخرى مساعدة  يخدم الفكرة وإسقاطها على الواقع المعاش بما يخدم الفكرة التي يريد إيصالها الكاتب للمتفرج. فلم تكن المقامات والقصائد الشعرية هي التي عرفت الحوار التمثيلي في رسم الشخصيات وحدها بل كان للأدب اليمني نصيب فيه، في مشهد تمثيلي بعنوان: أصوات من السماء. ([53])قليميا: ها أنا مالي أراك مضطربا، وما هذه الدماء التي تقطر من بين قدميك قابيل.

قابيل: قتلت هابيل

قليميا: قتلت قابيل (صارخة) هابيل أخونا

قابيل: نعم هابيل أخونا

قليميا: (باكيا) أيها المجنون، إن حقدك كان عليه عظيما

قابيل: نعم كنت حاقد عليه.. فقد شفيت غليلي، هو الراعي وأنا الزارع، حين قدمنا القربان إلى الخالق، أضاءت السماء أنوارها والتهمت قربانه وتركت قرباني، وكان قربانه قمحا وقرباني من الحيوان… إلى آخر النص([54]).

          فعند قراءة  المشهد نلاحظ التوتر من اللحظات الأولى وكيف يصف لنا حقد قابيل على أخيه هابيل لأن الله سبحانه وتعالى تقبل من هابيل ولم يتقبل من قابيل، فاستلهمت هاتان الشخصيتان وشخصية إبليس غير باينة ولكنها تظهر في الأخير، وهذا النص مأخوذ من القرآن الكريم ويشرح لنا صفات وملامح الشخصيتين وكيف دفن قابيل الجثة وغير ذلك من الأحداث ففي هذا النص ملامح مسرحية درامية في اعتقادي. وذلك في استلهام الشخصيات وصياغة الحوار ورسم الأبعاد النفسية للشخصيات وغير ذلك من مقومات النص المسرحي، فاستلهمت الشخصيات التاريخية والأسطورية والحكايات الشعبية اليمنية لعدد من الكتاب المسرحيين اليمنيين الذين أجادوا فن الكتابة المسرحية، «مثل الأستاذ علي أحمد باكثير في مسرحية (همام)، وأخناتون وتغرتيني، في أرض الأحقاف، وقصر الهودج، مسمار جحا، أزيروس، وشهر زاد، قطط وفئران وغيرها من المسرحيات الشعرية والنثرية». ([55])فالمؤلف محمد الشرفي والذي له عدد كبير من المسرحيات والكتب الشعرية والذي امتاز بكتابة المسرحية وعرف فن الكتابة ومن مسرحياته « من مواسم الهجرة والجنون، العشاق يموتون كل يوم، أرض الجنتين ،السجين، وغيرها». ([56])فيشير الكاتب في مسرحية أرض الجنتين في عام 1963 بالإنتصار على الطاغية الإمام أحمد على ثورة 1948م وأحداث 1955، وأنه كان يؤمن بالوحدات الثلاث في الكتابة المسرحية سواء كان الموضوع قديماً أو حديثاً مستوحى من أسطورة أو أحداث معروفة. كما استوحى الكاتب المسرحي محمد عبد الله الصائغ وهو أحد رواد المسرحية في اليمن وهو ممثل ومخرج مسرحي الشخصيات التاريخية في مسرحياته (وفاء العرب، الأميرة فينوس، عنتر بن شداد، أبو زيد الهلالي وغيره )ا) ([57]).فمسرحية “عجائب الزمان” التي قدمتها فرقة الصباغين في عدن من إخراج محمد أحمد حيدره وتعتبر رواية تاريخية وأخلاقية غرامية ولها مغزى سامي كما وصفتها (صحيفة الجزيرة ،كما وظفت الشخصيات التراثية في مسرحية (الحمار والمرآة) من تأليف  عبد الغفار مكاوي وأخرجها صفوت الغشم وشاركت في مهرجان قرطاج الدورة الثالثة، وأجاد أدوارها كلا من عبد الله الكميم في دور (تيمورلنك) ونبيل حزام في دور (جحا) باشتراك علي جياش، ويحي إبراهيم، ونوري غنية. ([58]) ويعد الكاتب عبد الكافي محمد سعيد من أحد الرواد اليمنيين للكتابة المسرحية واستلهم التراث وشخصياته في عدد من المسرحيات مثل مسرحية (الفأر في قفص الاتهام) وتعد من أشهر مسرحياته في نظري وذلك لاستلهام الشخصية الأسطورية كالفأر في المسرح وهي مأخوذة من أسطورة يمنية قديمة والتي تحكي أن الفأر هو سبب انهيار سد مأرب الذي انهار منذ زمن بعيد ولم تستطع الجيوش الإمساك به كما أسلفنا في الفصل السابق، وكما يذكر لنا أحمد قاسم دماج في لقائنا معه بتاريخ 29/01/2011م.

تعد مسرحية الفأر في قفص الاتهام من أروع المسرحيات التي ألفها الكاتب عبد الكافي محمد سعيد لتوظيفه للأسطورة والشخصيات الأسطورية والتاريخية، وأحسبها ذات المغازي والمعاني البعيدة، ويشير الباحث والكاتب يحيى محمد سيف في كتابه أعلام المسرح اليمني « تعد مسرحية الفأر في قفص الاتهام نموذجا للأعمال المسرحية التي حققت الأصالة والمعاصرة حيث تطرق الكاتب لموضوع تاريخي دقيق وبأسلوب رمزي بسيط وبطريقة فنية جيدة…». ([59]) فهناك  كتاب يمنيون كثيرون الذين أحسنوا استخدام الأسطورة والحكايات الشعبية واستلهام الفكرة أو الشخصيات في الكتابة المسرحية مثل الكاتب عبد المجيد القاضي في مسرحيته (بيت الدودحية) وصابر الحيفي في مسرحيته (العراف) وعلي يافعي في مسرحيته (الحكمة يمانية) والذي استوحاها من حكاية الحكم بالغرابة والذي وردت في حكايات كتبها الأستاذ على محمد عبده وكذلك مسرحية العراف السابق ذكرها استوحاها من السبعة بدا موقعة العصر لمحمد عبد الله سعد والتي استوحاها من قصة أحمد شواربان أو السبق القاتل التي وردت في كتاب علي محمد عبده كما استوحى من حكايات طاهش الحوبان لزيد مطيع دماج ثلاث مسرحيات من أروع المسرحيات مثل مسرحية (الليل والجبل أو ملحمة الجبل) والحلم والبطل، وربطة الحناء، في مسلسل يمني مصري، هذا ما أفادنا الباحث المسرحي يحيى محمد سيف في خلال لقائنا معه بتاريخ 29/01/2011م. ومن هذا المنطلق نلاحظ أن هناك عدد كبير من الكتاب اليمنيين الذين أحسنوا استلهام الشخصيات والفكر من التراث الشعبي والأسطوري في فن الكتابة المسرحية، وهناك العديد من الكتاب الذين استلهموا الشخصيات التراثية في المسرح لم نذكر أسماءهم فنعتذر منهم نظرا لاتساع منهجية البحث ولكنا أخذنا بعض الكتاب كنموذج للكتاب اليمنيين. وسنأخذ نموذج من هذه الأعمال المسرحية والتي سنتناولها لاحقا بدراسة تحليلية لهذه  المسرحية من حيث الكتابة ورسم الشخصيات وغير ذلك من مقومات النص والعرض المسرحي، كما أنوه أن هناك العديد من الشخصيات التاريخية والأسطورية والتراثية لم تستوح في النص المسرحي.

3-2-2 طبيعة الحوار واللغة والصراع الدرامي في النص المسرحي:

المسرح بحد ذاته حوار بين شخصيات تتصارع من أجل إيصال فكرة المؤلف والمخرج إلى المشاهد فعظمة المسرحية ونجاحها في قيمة حوارها واللغة المختارة لكل شخصية في المسرحية. فيعد المؤلف المسرحي هو باني هذا النص بعد اختيار الفكرة التي يريد معالجتها في الواقع الاجتماعي المعاش وينبغي  على المؤلف اختيار اللغة والحوار لكل شخصية وذلك لتصارع الشخصيات ورسم الأحداث للمسرحية الدرامية واختيار اللغة المناسبة للحوار المسرحي حسب الأبعاد النفسية للشخصيات سواء كانت اللغة بالعربية الفصحى أو باللغة العامية حسب رؤية الكاتب والمخرج واستيعابها من قبل الجمهور المتلقي، فالحوار القوي والمنطقي يجعل المشاهد في انسجام  دائم مع المسرحية التي تعرض أمامه ويؤمن بأحداثها ويتخذ موقف معين أثناء العرض وبعده.وكما يذكر حافظ الحديدي في كتابه “في الفنون المشهدية” عن أهمية الحوار في النص « أن النص الذي يأتي في شكل حوار يتضمن حكاية يمكن أن توزع إلى وحدات أو لوحات أو فصول من حيث البنية، مهما اختلفت المدارس ففي ذلك تأثر واضح بالأعراف المسرحية».([60]) فالحوار المسرحي هو وسيلة اتصال بين الممثلين، بينهم وبين الجمهور وهو يتكون من عبارات وجمل يضعها المؤلف وذلك باللغة المنطوقة المتمثلة من إيقاعات وحالات يقفها الممثل على خشبة المسرح لموقف درامي ما، ليعبر عن مشاعره وإحساسه لهذا الموقف الدرامي الذي يشد الجمهور إليه وهذا ما يميز المسرحية عن غيرها من الفنون الأدبية. وكما يشير لنا الكاتب شكري عبد الوهاب في كتابه (النص المسرحي، دراسة تحليلية وتاريخية لفن الكتابة المسرحية) يبين وظائف الحوار في المسرحية إلى خمسة عشر نقطة  فيقول عن الحوار « أنه أداة تخاطب بين الشخصيات والتعبير باللفظ، كما أنه وسيلة إبهار للمشاهدين والحوار أداة المؤلف يبرهن عن مقدمته المنطقية ويكشف بها عن شخصياته ويطور الصراع، ولابد أن يكون الحوار معبر عن الشخصية لكشف أبعادها المادية والجسمانية والاجتماعية والنفسية والأخلاقية، وأن يسهم الحوار في الكشف عن موضوع المسرحية وفكرتها….. إلخ». ([61]) ونستنتج من هذا الرأي على المؤلف المتمكن الذي ينتقي الشخصيات بما يتناسب معها من عبارات لذا يجب أن تنطق الشخصيات ما يتفق مع طبيعتها وتكويناتها النفسية، ويتطلب ذلك دراسة في عمق الشخصيات لاختيار لغة الحوار المناسب للشخصيات، ولابد أن يشبع الحوار مع الحياة الجاذبة في المسرحية، وأن يرهص الحوار بمستقبل الأحداث، وأن يكون مباشراً بدون زخارف لأن الحوار الواضح يزيد من فهم المشاهد للموضوع ويغريه بتتبعه، وهذا يتطلب استخدام الكلمات المفهومة لإيصالها إلى المشاهد، ليكون الحوار موضوعياً وأميناً في نقل مقولة الشخصيات وذلك باستبعاد النبرة الخطابية من الحوار لكي يكون منطقي ليس سردي ممل. ويذكر لنا فؤاد الصالح في كتابه (علم المسرحية وفن كتابتها) شارحاً لنا عن مميزات لغة الحوار الدرامي حيث يقول « يعد الحوار الدرامي من أبرز أدوات التعبير عن الأفعال في النص المسرحي والانفعالات الداخلية والتفاعلات بين الشخصيات في العمل المسرحي، هي فاعل يؤدي فعلا، ويعتبر النص العنصر الذي يحمل الدراما، وإمكانية تحقيق الدراما مرتبطة بإمكانية تحقيقه بوصفه فعل من الأفعال التي يزداد بعدها النفسي عمقاً والحدث الدرامي تقدماً»([62]).أي أن الحوار الدرامي وجد ليقال أي يقوم على فعل ليس الرؤى ولهذا كان للنص الدرامي مواصفات معينة ليصبح درامياً ليس مسرحياً. « فلغة الحوار الدرامي تتصف بالمعقولية وهي التي تبرر الفكرة المتضمنة في النص كما تشير إلى طبيعة الشخوص الناطقة بها. وعلى المؤلف المسرحي مراعاة وظائف الحوار في تطوير الفكرة والشخصية وخلق الجو أو الحالة للشخصية فالحوار القوي يزيد البعد النفسي عمقاً والحدث الدرامي تقدماً ويطور الحبكة ويكشف عن أفكار الشخصيات في بنية الحدث الدرامي»([63])، فالحوار يكشف عن خصائص الحدث وطبائع الشخصيات ومواقفها، والصياغة الدرامية للحوار، فالاختيار الذي يقوم به المؤلف وفق الفكرة التي يتبناها ويدافع عنها من خلال هذا الحوار الذي تخلقه الشخصيات المسرحية. وعلى الكاتب أن يضع نصب عينيه الفكرة التي تبرز مقولة وطبيعة الشخصية التي تنطق بهذه الفكرة المصمغة في المقولة، ثم أثر الفكرة  في الشخصيات المسرحية المتوجهة بها وإليها (( فالمؤلف له الحرية في كيفية صياغة النص الدرامي حتى يستطيع أن يعبر عن أفكاره بسهولة كاملة، فيحمل شخصياته صفاته لتبليغ فكرته بخلق عدد من المواقف الدرامية وذلك بما يخدم الفكرة وقواعد الكتابة الدرامية )) ([64]) لأن الحوار يكشف عن الحقائق والمعاني وطريقة المعالجة من وجهة نظر المؤلف للعمل المسرحي حيويته، وتكسبه جودته وفرديته مهما عولج هذا الموضوع من قبل مؤلفين آخرين، وهذا من خلال أقوال الشخصيات التي هي « أدوات للكشف والاستيضاح لإثبات الحوار وتتلقاه فكلما توفرت المواقف الدرامية زادت حرارة وشدة الحوار وتصاعدت قوته وحدت مواقفه لخلق أشكال الصراع في المسرحية، ويرى أنه فعل الحوار فعل من الأفعال به يزداد المدى النفسي عمقا، أو الحدث المسرحي تقدما إلى الأمام، ركون في لغة المسرح» ([65]) على المؤلف المسرحي أن يضع في حسبانه أن المسرح منذ أن نشأ منذ القدم من طقوس وإيماءات وشعائر دينية سادت المجتمعات البدائية فعند توظيفه للتراث في المسرح واختيار فكرة معينة أن يراعي هذه الحركات والإيماءات فالصمت في المسرح لغة واختيار المواقف المناسبة حسب الموقف الدرامي بها يخدم المسرحية كما عليه أن يعرف أنواع الحدث الدرامي فمنهم يرى بأنه يأتي في بداية المسرحية مثال مسرحية أوديب ملكاً، فالطاعون الذي يفتك بالمدينة، والنبوءة التي قررت ضرورة البحث عن قاتل الملك لايوس ومعاقبته قبل اختفاء الطاعون فبعض الحدث يكون في وسط المسرحية حسب رؤية الكاتب للنص لبناية الفكرة وتطور الصراع الدرامي في المسرحية، فمثلا مسرحة هاملت لشكسبير نلاحظ شك هاملت في موت أبيه وظهور الطيف مما أدى إلى سعي هاملت للانتقام من عمه تلوديوس لأنه يشك في أنه هو الذي قتل أباه.

إذا في رأيي أن الحدث المسرحي هو الذي يغير مجرى الأحداث في المسرحية، فهاملت المتردد في اتخاذ القرار واختفائه في حجرة والدته خلف الستار لكي ينتقم من عمه ولكنه يقتل بولونيوس والد محبوبته أولاً بدلاً من عمه وهذا أدى إلى تعقد أكثر في المسرحية، فعلى المؤلف معرفة الحبكة لأنها ألزم العناصر المسرحية لأن تسلسل أحداث الحكاية يحتاج إلى ترتيب منطقي، لأن سيرة البطل الشعبي ما هي إلا حكايات مروية برغم تتابعها وتفتقد إلى الحبكة لأن «الحبكة تتطلب شكلاً وترتيباً لبيان العلاقة والصلة والأسباب والآثار فمثلا مات الملك ، ثم ماتت الملكة، فإن العبارة بدون حبكة لكن حين نقول: “مات الملك ثم ماتت الملكة حزنا عليه”، فهي عبارة ذات حبكة»([66]). خلاصة القول أن الحبكة تشمل في ثناياها السبب والعلة والآثار والجوهر، والحيلة والخداع والبراعة والاختيار والانتقاء والترتيب والنظام والهدف والغاية والتتابع والتسلسل والفعل ورد الفعل، وعلى المؤلف مراعاة ذلك في بنائه نصه المسرحي ومعرفة الصراع وأنواعه فهناك عدد من الصراع فمثلاً:

1-      الصراع الصاعد

2-      الصراع المرهص

3-      الصراع الساكن

4-      الصراع الواثب

5-      الصراع الذي لا نشعر بنشوئه

وسنذكر تعريف مثلا:

الصراع الصاعد: يمكن أن نسميه المتدرج أو المنطقي أو المتفق مع الافتراضات المطروحة، أي فعل ورد فعل وكلما اشتد الصراع انتقل من مرحلة إلى أخرى فإنه يسهم في كشف مشاعر ودوافع الشخصية في تصرفها مثل هذا التصرف يدفعها إلى ذروة الأزمة ويدفعها إلى اتخاذ قرارها المصيري ويعتبر أفضل أنواع الصراع.ويعتبر هذا ملخص عن المفاتيح الهامة لتكوين مفردات النص المسرحي واستلهام التراث من ناحية الفكرة والشخصيات والحوار واللغة وتسلسل الأحداث وقوة الصراع الدرامي في المسرحية وبنايتها بالطريقة السليمة من ناحية المضمون الذي يخدم النص والكتابة المسرحية لأنها في نظري تعتبر المادة الخام الأولى لصناعة نص مسرحي، له خصوصيته وهويته اليمنية العربية وإحياء تراثنا بطريقة تواكب متطلبات العصر والمجتمع والتطورات التي وصلت إليها المسارح العالمية، فالنص الجيد يعتبر 80% ثمانين في المائة من نجاح المخرج في توظيف مفردات النص المسرحي وعرضه على الجمهور، فعندما يتوفر النص الجيد لدى المسرح اليمني والعربي سيكون مادة تتناقل بين الأجيال والمخرجين وسيكون لكل واحد رؤيته الإخراجية في تفسير النص وهنا سيكون الإبداع من نص مسرحي يمني عربي قد ربما يؤثر في المسارح العالمية الأخرى كما أثرت المسارح والنصوص العالمية في مسارحنا العربية نصاً وإخراجاً، فعند وجود المضمون (النص) سيبدأ المبدع المسرحي (المؤلف، والمخرج) في البحث عن الشكل الذي ستخرج به هذه المادة (النص) والشكل سينطلق من المضمون الأساسي للنص حسب رؤية مخرج العرض وإبداعه ونظريته الإخراجية، فالأشكال المسرحية اليمنية كثيرة نابعة من تراثنا وحضارتنا وباستطاعة المبدع المسرحي اختيار الشكل الذي يختاره لإنتاج عرضه المسرحي وجلب المتلقي ولتأثيره بما يشاهده أمامه ويحس به كأنه من صميم واقعه الذي يعيشه في الحياة الاجتماعية اليومية.

فالأشكال المسرحية اليمنية المذكورة سابقاً مثل الطقوس الدينية والاحتفالات والحكايات الشعبية وحلقات الشعر والرواية وفن المقامات والزوامل والرقص الشعبي الصامت والتمثيل الصامت والمرتجل والحكواتي وغيرها من الأشكال المسرحية اليمنية يستطيع المبدع المسرحي كاتب ومخرج اختيار شكل العرض المراد تقديمه أو فكرة النص المسرحي والتي تدور في ذاكرة المؤلف. فلابد على المؤلف الجمع بين هذه الأشكال المسرحية وتوظيفها في النص، لتمكين المخرج من إحياء هذه المادة النصية واختيار الشكل المسرحي للعرض له خصوصيته اليمنية العربية.وسنأخذ نموذج لمسرحي يمني تمكن من استلهام التراث اليمني في المسرح لاحقاً.

3- 3 التوظيف البصري والجمالي للمسرحية التراثية:

بعد أن تطرقنا إلى كيفية استلهام التراث الشعبي في المسرح من الناحية النصية لبناية المسرحية المستمدة أفكارها وشخصياتها من التراث اليمني لإيجاد نص يمني له خصوصياته ومميزاته من ناحية البناء الدرامي دون الخروج عن القواعد الأساسية لبنية النص المسرحي بلا شك سننتقل إلى المرحلة الثانية، ألا وهي الشكل المطلوب للعرض المسرحي، وما الشكل إلا انطلاق من المضمون لأفكار المسرحية وترجمتها إلى صورة مرئية بطريقة جمالية يتم تجسيدها على خشبة المسرح، لإيصال فكرة ما إلى المتلقي، ومن ناحية أخرى تتم ترجمة النص وأفكاره من قبل القارئ العادي ليكرس خياله لترجمة أفكار المسرحية وشخصياتها، وكما ذكرنا سابقا عن الأشكال المسرحية اليمنية وكالطقوس الدينية والاحتفالات الشعبية وحلقات الشعر والحكاية وفن الكركوز وفن المقامات وغيرها، فجميع هذه الظواهر وظفها الكاتب في بنية نصه المسرحي الحديث المأخوذ من فكرة أو سير الشخصيات التاريخية فسيكون شكل التعبير للمسرحية منطلق من المضمون حسب الرؤية الإخراجية للمخرج المفسر لمفردات النص ودلالته، فالمكان قد يختاره المؤلف لانطلاق المسرحية، ويختاره المخرج بما يخدم فكرة النص وفكرة المخرج مترجم بهذه الأفكار والغرض من إخراج المسرحية وعلاقتها بالواقع المعاش، الذي نستعرض فيه المسرحية فقد يكون المكان (بيت، حي، مكتب، مستشفى، ساحة… إلخ) فيعتبر فضاء مكاني لتجسيد الأفكار وتصارع الشخصيات «يؤثر هذا الفضاء على سلوك الأشخاص الذين يقطنون فيه، إذ تؤكد أن الطريقة التي ينظم بها الإنسان الفضاء تكون شكلا من أشكال التواصل، يخضع له المرء كما لو كان جزءا لا يتجزأ من الأفراد».([67])

فالفضاء المرسوم من قبل مؤلف المسرحية بلا شك أنه سيؤثر على سلوك الشخصيات وتعاملها مع بعضها، وكيفية طريقة الحوار فيما بينها فعلى سبيل المثال إذا أخذنا فضاء في الريف (مزرعة) مثلا فنلاحظ هنا تعامل الشخصيات فيما بينها قد تكون أصوات مرتفعة حتى ولو كانوا قريبين من بعض تجمعهم فروح المحبة والتعاون فيما بينهم، ولكن إذا أخذنا مثلا فضاء في مكان إداري (مكتب) فهنا نلاحظ أن المكان (الفضاء) سيؤثر في سلوك الشخصيات من ناحية الحوار واللغة والتعامل الرسمي فيما بينهم. إذا المناظر المسرحية في حالة قيامها على خشبة المسرح، تتخذ أشكالا مختلفة ذات بعد محدد ومجسدة أو أنها مرسومة (سطحية) ويشير لنا عبد المنعم عثمان في كتابه “الديكور والمسرح والتشكيل”: « إن المناظر المسرحية مرتبطة بمنصة التمثيل ذات الأبعاد المحددة للمبنى الكلي للمسرح أو بمكان العرض خاصة بمعنى أن مكان التمثيل ومكان المتفرجين مرتبط كل منهما بالآخر»([68]) إن المنظر المسرحي باعتباره تفسيراً مرئياً لنص مكتوب يمثل أفراداً يعيشون بداخله، ولا وجود له في حالة انعدام المتفرج وسيصبح مادة مقروءة لدى القراء وليس نص مسرحي يعرض كمادة حية تجسد على الركح وهذا يعود إلى عصر المخرج الذي يجسد هذه الأفكار، وإذا كان التاريخ قد سجل لكل من «جيته والدوق جورج الثاني الفضل في وضع الخطوط الأساسية لتنظيم الإنتاج المسرحي، وفرض شخصية المخرج وتحديد اختصاصه، بما يعطيه السلطة المطلقة في دراسة النص»([69]).

بعد حصولنا على النص الممتاز، والمكان الذي ستجسد عليه الأفكار فمن الضروري البحث عن الفنان المبدع الذي يحول الكلمة المكتوبة إلى صورة مرئية، وهذا المبدع هو المخرج المسرحي.

 3_3_1 المخرج المسرحي :

ماذا تعني كلمة مخرج مسرحي؟ يرى “الكسندرين” «أن فن الإخراج ليس بضرورة هبة إلهية، أو سر من الأسرار، إنما هو فن يمكن أن نتعلمه كما نتعلم أي فن آخر»([70]).

بينما يعرفه المخرج سعد أردش* «انه يشكل العقل المدبر لكافة عمليات الإنتاج المسرحي، يبدأ باختيار النص،  وينتهي بالعرض المسرحي، الذي تتكامل فيه كل عناصر الظاهرة المسرحية»([71]).

كما يعرفه شكري عبد الوهاب «هي عملية تجسيد الكلمة المكتوبة بمساعدة العناصر البصرية المرئية والصوتية والمسموعة، والحركة المحسوسة»([72]) ومن التعريفات السابقة يتضح لنا أهمية المخرج والذي يعتبر في نظري هو المفسر والمبدع الثاني للنص بعد المؤلف بل الأول خالق الصورة المرئية للنص المسرحي ، وتنسيق بين جمع عناصر العرض بصورة منسجمة تمتع الجمهور، وخالق الصورة المرئية للمسرحية وخالق الصراع الدرامي بين الشخصيات ويختلف مخرج من مخرج آخر فهناك المخرج المبدع والمخرج المفسر والمخرج المترجم لأفكار المؤلف والمخرج المقلد. ويعتبر المخرج المبدع هو أفضل المخرجين في نظري لقدرته على التدخل في النص وتفسير غموضه للمشاهد وخلق الصورة المسرحية بشكل متكامل وذلك لتضافر جهود إبداعية حرفية يمكن إجمالها في عناصر أربعة: الكلمة، التعبير، الجمهور، التنظيم.

و كما عرف المخرج هو العقل المدبر وهو تلك البصيرة الواعية مقدما بالهدف الأخير الذي يجب أن يحققه العرض المسرحي، وهو يقود المشاركة في العرض، موحيا للممثلين بالمنهج وبالطريقة وبالأسلوب، بحيث تتحقق من خلال الوحدة الفنية للعمل الدرامي والهدف الأخير للعرض([73]).

إذاً من مهام المخرج الرئيسية إبراز الشكل والغرض والمعنى لنص المؤلف إلى الجمهور، والوسيط الأساسي للمخرج التعبير للممثلين وجماعة فريق العمل المتكونة في العرض المسرحي، وتشير بعض الأبحاث «أن المخرج الحريص الذي يحد من تكلفة العرض المسرحي الذي يبين يديه ويشارك في التصميم الأساسي للمسرحية، وكيف يدير الديكور والملابس والإضاءة والمؤثرات الصوتية وغير ذلك»([74]).

فأهمية المخرج كبيرة في توظيف مفردات النص المسرحي بصرياً وتأثيره على المتلقي فاعتبر المخرج هو العنصر الأول بعد المؤلف في خلق شكل العرض بصريا بشكل جمالي متناسق بالحركة والفعل والمنظر والمؤثرات الأخرى ، كالإضاءة والموسيقى والمونتاج وغير ذلك من التقنيات التي وصل إليها المسرح الحديث، فاختيار أسلوب العرض من أهم القرارات التي يتخذها المخرج المسرحي سواء  كان النص مأخوذا من التراث أو نصا حديثا «إن الأسلوب يتعلق غالبا بالديكور والأزياء وغيرها، وان يرعى الأسلوب من وجهة نظر شاملة للعرض على طول الطريق بدءا من التمثيل إلى نهاية العرض»([75]). ولا يتم اختيار أسلوب العرض إلا إذا استطاع المخرج في تفسير النص والهدف من إخراجه للعرض المسرحي، فالتفسير للنص ليس بالعملية السهلة ولكنه مسألة هبة «إذ على هذا التفسير يتوقف أسلوب العمل، بل وشكله ودراسة المخرج للنص دراسة متأنية ودراسة ما بين السطور، ويعايش الشخصيات للمسرحية وأفعالها والمستوى العاطفي لها، ويدرك المحتوى الفكري، يتعرف على الصفات الجمالية، لكشف مواضع النقص والضعف))([76]). «والمخرج الفنان الوحيد المؤهل لقيادة العمل الفني، هو بمثابة القبطان الذي يقود سفينة العرض وسلطاته وتوجيهاته الفنية نافذة..» ([77]).فأهمية المخرج كبيرة جداً في إنتاج الشكل المسرحي للعرض ولا يتم اختيار الشكل للعرض إلا بعد مراحل يقوم بها المخرج وهي:

  1. دراسة النص عدة مرات.
  2. تفكيك النص وتقسيمه إلى وحدات.
  3. معرفة فكرة النص وأحداثه والخط المتصل في المسرحية.
  4. معرفة ضعف المواقف الدرامية وقوتها في النص وتدعيمها بصراع.
  5. اختيار الممثلين بعد تحليل الشخصيات الموجودة في المسرحية.
  6. اختيار الكوادر السينوغرافية والتقنيين المشاركين في إنتاج العرض المسرحي، لدراسة شكل العرض والفكرة التي يريد إيصالها إلى الجمهور ومعرفة أرائهم السينوغرافيه والديكور والملابس الخاصة بالمسرحية لكي تتم الانطلاقة في إخراج العمل المسرحي [78]) فأهمية المخرج في العصر الحديث كبيرة  بلا شك بأنه سيخلق لنا شكل جمالي في المسرحية، وتأثيرها على الجمهور ولأيتم ذلك إلا باختيار الأسلوب ((فالأسلوب الخاص بالعرض وخلق الصراع بين الشخصيات والديكور والملابس والمؤثرات الأخرى التي يختارها المخرج المسرحي، ولا يمكن إنتاج عرض مسرحي ناجح إلا إذا اختار المخرج المسرحي الأسلوب الذي سينطلق منه ومعرفة ما يريده الجمهور المتلقي لمشاهدة العرض وثقافته وميولاته. ومن هنا يأتي دور المخرج في أسلوب العرض نقطة الانطلاق. “إن أساليب إنتاج العرض المسرحي مختلفة، فهناك الأسلوب التصوير  Representational  إلى الأسلوب المباشر presentational))([79]). أي الانتقال من الاتجاه الطبيعي إلى الاتجاه الشكلي لامتلاك مظاهر تصويرية مفصلة وأخرى مباشرة على حد سواء.وهناك مجموعة من الأساليب «الطبيعية والواقعية، الأسلوب الواقعي البسيط، الانطباعية، الرمزية، والرومانسية، التعبيرية، والمسرح، الاستاليزيشان (المبالغة) التشكيلية، الهيكلية»([80]).

فاختيار المخرج للأسلوب الذي سينطلق منه العرض المسرحي سواء أكان العرض مأساويا أو كوميديا سترسم الحركة والأسلوب على أساس النص واتجاه المخرج سيختار الشكل الخاص بالعرض وهناك شكل واحد يحدد العلاقة بين الممثل والجمهور ،(ظهر في القرن العشرين) أشكال جديدة من المسارح، منها:« المسرح المفتوح ومسرح الهواء الطلق ومسرح الغرفة»([81]).

وأصبحت علاقة دائمة إلى حد الاجتهاد إلى تغيير العلاقات بين خشبة المسرح ومكان المتفرجين إلى درجة تدعو إلى التنبؤ بظهور اتجاهات عديدة تؤدي بطبيعتها إلى تغيير كثير من التكوينات في بناء المناظر المسرحية وكذلك التمثيل والإضاءة، فالحوار الخاص بالمسرحية يجب أن تنظم الأحداث، فصلاً فصلا، ومشهداً مشهدا، وحوار في أدق التفاصيل «على المخرج تصميم المخطط الرئيسي للحركة المسرحية ويملي على ممثليه الحركات التي يؤدونها والمسافات التي تفصلهم الواحد عن الآخر والعلاقة بينهم»([82]).

فمن هذا المنطلق سيظهر لنا شكل العرض المسرحي المتمثل في خطوات الممثلين وحركاتهم وتفاعلاتهم من مشهد إلى آخر في حلبة التمثيل وفي قاعة المتفرجين «جمالية العرض من الإشارات والتعبيرات بواسطة الجسد والوجه واستخدام الحركة في الحالات للتعبير عن العواطف والانفعالات»([83]).

فيقوم العرض المسرحي الملحمي على رواية الأحداث بتناقضاتها ضمن جو من اليقظة والترقب، حيث «يتم بناء كل مشهد بكيانه المستقل فتأتي الأحداث على شكل قفزات، ولذلك اختلف المسرح الملحمي عن المسرح التقليدي»([84]).أي أنه لا يعني الشخوص بتطورها في العالم وصراعاتها معه، بل بسلسلة من الحوادث في ظل ظروف معينة على الجمهور أن يفهمها بشكلها النموذجي، باعتبارها نموذجه الخاص. وذلك في بناء الشخصية في العرض والتأثير الفكري في المشاهد «فالمسرح هو أحد الفنون الأدبية الأدائية الذي يعتمد أساسا على ترسيخ الأفكار وطرحها أمام الجمهور في ظرف زمني محدد»([85]).

فيمتد العرض المسرحي إلى توظيف الديكورات التراثية وتقنياتها ومكوناتها الجمالية والاستعانة بالمستنسخات التناصية التي ترجعنا إلى أجواء الماضي وتقاطعاتها مع الحاضر والمستقبل، وتحضر الذاكرة بأشكالها وظواهرها الدرامية لتقديم مناظر مسرحية باعتبارها مكوناً أساسياً للصورة المرئية للعروض المسرحية تقوم على مقومات معيارية منها النص المسرحي ومكانها خشبة المسرح محققها الإنسان المستخدم سواء أكان ممثلاً أو مشاهداً لابد أن تقام وفقا لوحدات قياسية ونظم ومعايير في تصميمها، ونرى أن المناظر المسرحية الناجحة التي قدمت الكثير من العروض المسرحية المشهورة كان أساس نجاحها ارتباطها بالنظم والمعايير القياسية لعناصرها. وعلينا أن نضبط مفهومين “الفضاء المسرحي والمكان المسرحي”، فالمكان المسرحي عند العرب هو المكان الذي يدور فيه العرض سواء مسرح مكشوف أو مغلق، لكن الفضاء المسرحي الذي يقابله بالانجليزية space وبالفرنسية espace فهو «المكان الذي يطرحه الناس، ويقوم القارئ والمشاهد بتشكيله بخياله، فتراه في الخشبة، يدور فيه الحدث وتتحرك فيه الشخصيات»([86]). إذاً من هذه التعريفات نستنتج أن على المبدع المسرحي استغلال فضائية في حركة الممثلين ودراسة شكل العرض المسرحي من جميع النواحي التاريخية والاجتماعية، فتحررت الرومانسية من قيود الكلاسيكية في تصميم المناظر واشتد طلب مصممي المناظر ورساميها”([87]). فالزخرفات والمنمنمات الإسلامية عندما نضيفها كخلفية في العرض المسرحي إنما توحي لنا بزمن هذه الأحداث وفي أي تاريخ بحسب مضمون حوار الشخصيات والفكرة والأحداث التي تسرد أمام المشاهد وما مدى تأثيرها عليه. فهنا يكمن توظيف التراث في العرض المسرحي منطلقاً من النص التراثي العربي واليمني خاصة بالخلفيات والديكور والملابس والرقصات والعادات والتقاليد في الحركة واللغة ونبراتها المفهومة لدى المتلقي (اللغة الدارجة) تعطي جمال للعرض وتأثر في المشاهد، فيعيش في زمن الماضي والحاضر في نفس الوقت، ويخرج المتفرج بفكرة أو موقف معين فيما تقدم أمامه من أحداث. فاللغة عند العرب بأنها «أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم»([88]). وبما أن اللغة هي البيان أي الأنباء والأخبار وبما أنها متنوعة الدلالة ومختلفة باختلاف مستعملها فإذا كلما كانت لغة النص مؤثرة وتحمل علامات عدة يستطيع المخرج المسرحي تفسير هذه العلامات وإعطائها حقها في تجسيد النص إلى صورة مرئية مؤثرة لدى الجمهور، فإذا فهم المخرج الحدث وأبعاده وأغوار الشخصية يساعد على تقويم مواقف كل شخصية ومستويات كل حدث وكل موقف درامي، «سهل عليه إيجاد معامل تجسيده لكل حدث وصورة حية لكل شخصية في الحدث مع توظيف درامي لكل شخصية»([89]).فالمخرج هو الذي يرسم الخطوات العامة للتعبير الصوتي للممثلين مع الحركة فبالقراءة يعرف الفقرة الحوارية ومستوياتها، فبالقراءة يتحسس الممثلون مناطق الوقف وأنواعه والنقلات الشعورية تتم أثناء التدريبات والقراءة على الطاولة المستديرة. فالقراءة التعبيرية جمالية يبرز فيها الممثل نقلة شعورية يؤديها في دورة عن طريق الحركة والتحريك. ويختلف مخرج إلى آخر فها هو المخرج الروسي الكبير استانسلافسكي ينطلق في إخراجه من الواقعية النفسية من العالم الباطن للشخصية إلى عالمها الخارجي بينما آخرين ينطلقون من العالم الخارجي إلى العالم الباطني وهنا يختلف شكل العرض وكلاً له اتجاه.

«إن منهج الواقعية الداخلية كشف عن اللغة الحقيقية التي يجب أن يخاطب بها الممثل، لكي يحصل على مبتغاة من الصدق الداخلي وهباته بوجه عام لما سيأتي من جهوده الإبداعية»([90])، إذ على المخرج العربي واليمني بوجه خاص أن يقوم بتفسير النص وبقراءة ما بين الأسطر فربما مقطع صغير أو فقرة تخلق صورة مرئية رائعة في العرض، فالعرض المسرحي لكي لا يكون خطابي بل مرئي فالمشاهد أتى لكي يشاهد ويسمع ويستمتع ويستفيد فمعنى العرض المسرحي «يرى أن كل عناصر العرض الدرامي من الحوار، المنظر، والإيماءات، والملابس، الماكياج، وتلوين الصوت التمثيلي، علامات تخلق العرض المسرحي»([91])، فهذه العلامات تؤثر وتطور خيال المتفرج وهو الذي يولد الأثر النهائي والمعنى الأخير، فهناك أنواع من العلامات في المسرح فهناك العلامات الأيقونية سمعية مباشرة، والعلامات الإشارة مثل “أسهم، لافتات، حركة ما، إيماءات والضمائر (أنت، هو، هي).والعلامات الرمزية: تستمد معانيها من التراث « متعارفة تشكل معظم، أفعال البشر، الأزياء، وطرق التحية (التقاليد)» ([92]).

فهذه العلامات على المخرج المسرحي توظيفها في العرض المسرحي وأن يكون على إطلاع كامل لعلم العلامات والإشارات لتوظيف النص المسرحي التراثي في المسرح وتجسيده بصرياً و تأثيرها على المشاهد وذلك بتوظيف مفردات النص والعلامات والأزياء والسينوغرافيا المؤثرة المستمدة من التراث التاريخي في الشكل الرمزي الذي يوحي لنا بالماضي والحاضر في نفس الوقت كما ذكرنا سابقا، إذاً المخرج أحد موظفي التراث في المسرح بصرياً وتجسيد التراث كمادة مسموعة ومرئية في نفس الوقت إبداع سيكون للمسرح مستقبل زاهر في الوطن العربي واليمني خاصة، وهناك مكملات لتجسيد العرض المسرحي ألا وهي السينوغرافيا وتحتوي على جميع العناصر المكملة للعرض المسرحي (الديكور، الملابس، الإضاءة) فهذه العناصر تعطي النص حياته الكاملة على الخشبة وتأثيرها على المشاهد وسنتناولها لاحقاً على حدة.

3_3_2  _ الديكور والملابس في جمالية العرض المسرحي التراثي:

يعد الديكور والملابس أحد مكونات العرض المسرحي سواءً أكان العرض المسرحي تراثي أم غير ذلك، فهي التي توحي للمشاهد بزمان ومكان الأحداث التي تدور فيها المسرحية، ويعد المخرج هو قائد العرض ومجسد مكوناته ويعتبر مايسترو العرض وكما ذكرنا سابقا بأهمية دور المخرج في اختيار شكل العرض المسرحي ومكوناته واختيار أسلوب العرض، والديكور يصمم بعد قراءة النص من قبل مصمم الديكور والاتفاق مع المخرج ومصمم الديكور (( يجب أن يكون الديكور مرتبطاً ارتباطاً مباشراً بالتسهيلات المتاحة للعرض  على خشبة المسرح ))([93]) فيعد الفضاء المسرحي لأي مشهد مسرحي يحتاجه إلى ديكوره الخاص ليعبر عن المشهد بما يتفق مع الحوار للشخصيات وحالاتها النفسية «كقطع أثاث، كرسي، ملكه، حاشية، ستارة، خلفية، وصولجان»([94]).فيعتبر هذا منظراً مسرحياً لمشهد من مسرحية ما فيوحي لنا بالعرش بجو الملك ونوعاً من الترف الذي يعيشه الملوك، فتراثنا المادي يمكن توظيفه في المسرح (كالعمارة والزخرفة الإسلامية) فنوصفها كخلفية على خشبة المسرح فهي توحي بخلق جو للمسرحية التراثية اليمنية بما يتناسب مع ما يدور في الخشبة من حوار، فمثلا الطقوس الدينية اليمنية القديمة، الاحتفالات الدينية، والزوامل والعادات والتقاليد اليمنية القديمة.فهذا الجو يفرض علينا جواً روحانياً في الأول والثاني ولكن في البقية ربما يوحي لنا بجو متوتر لدى المتلقي بجو المسرحية. فظواهر المسرحية اليمنية كالأسطورة والسير الشعبية والزوامل والحكواتي وخيال الظل قد حملت بين عناصرها الثقافية العديد من العناصر الدرامية للنص. «فإن مظاهر الفرجة الشعبية حملت هي الأخرى بذور الفرجة والعرض الشعبي ليكون الجانب المرئي من الدراما الشعبية، يفرض فن الدراما فناً وفرجة»([95]).

وإذا استطاع المؤدي في خلق جو من الفرجة سواء في الأداء أو في الديكور فإنه يحقق الفرجة الجمالية للعرض المسرحي ليستغل الفضاء ويؤثر على المتلقي فيما يشاهده. فتصميم خطة أرضية المسرح وترتيب الديكور يسهل على المخرج تصميم الحركة للممثلين وأماكن الدخول والخروج للممثل «ستكون صورة معينة للمنظر والحركات والأدوات والوضعيات والحركات الصامتة»([96]). فشكل الديكور واتزانه على الخشبة منبعه من جو المسرحية «على المصمم أن يدرك عند تصميم أي شكل أن يدرس الأبعاد الثلاثة الفراغ المحيط به وهو الإيجابي، و النفسي لأنه بين الموجب والسالب، الفراغ المسرحي»([97]).

فبطبيعة الحال فالشكل ينطلق من المضمون للنص الدرامي والحالة النفسية للممثلين وقوة الصراع بين الشخصيات. فالشكل قد يتحقق من خلال الاتحاد مع مادة مختارة ملائمة له فإذا ما تحقق الشكل الجاهز واحتوى الدراما على عناصر روائية ممنوعة، عندئذ يكون خطأ في اختيار المادة فيقول (أرسطو) في كتابه “تعاليم الشعر” : «يجب على الشاعر أن يتذكر بأن عليه ألا يؤلف مأساته بطريقة روائية»([98]).

ويفهم من ذلك ألا يكون النص روائياً لأن الشكل سيكون من المضمون وبما أن الدراما أساساها فعل له تأثيره على المتلقي فيقول هيقل في كتابه “علم المنطق” إن الأعمال الفنية الحقيقية هي فقط التي يبرهن شكلها ومضمونها على تطابق فيما بينهما ، إذا فلا مانع أن يوظف تراثنا المادي في العرض المسرحي منطلقا من مضمون النص الدرامي اليمني بما يوحي لنا بمشهد في أي مسرحية يكون له شكله وديكوره الخاص به، ولقد اختصر الديكور في المسرحيات الهزلية والمأساة في القرن التاسع عشر وتطور الديكور بالنسبة لمسرحيات الآلية والأوبرا منذ نهاية القرن التاسع عشر(( فيشكل الديكور من عدة عناصر أساسية كالخشب والقماش وغيرها وله طرق في صناعته وتركيبه كما له أنواعه كالديكور المبني والديكور الإيحائي أو هما مع ))([99]).

ويصمم هذا الديكور فنان مبدع وليس رسام ألا وهو مصمم الديكور أو السينوغرافي فن العصر الحديث حيث تكون مهمة السينوغرافي أكثر شمولية من مصمم الديكور لأن السينوغرافي يصمم جميع الجماليات كالديكور والملابس والإضاءة بعد الاتفاق مع المخرج ومعرفة أرائه، والاتفاق على الخطة المسرحية، أما مصمم الديكور «هو فنان مبدع مختص بالغ الدقة يؤدي دوراً بالغ الأهمية في خلق البعد النفسي الجمالي والإيحاء بمضمون المسرحية»([100]).

لكنه لا يستطيع أن ينفرد برأيه وعليه أن يلتزم بأمرين رئيسيين:

  1. أن يقرأ النص جيداً وينفذ إلى أعماقه.
  2. أن يتفاهم مع المخرج ويلتزم بتوجيهاته وإرشاداته

وبهذين الأمرين يستطيع أن ينقل مضمون المسرحية وأبعادها النفسية والاجتماعية والتاريخية بشكل منظور مستخدما حرفته وخياله ومهارته وألوانه التي تتواءم بجو النص والحالات النفسية للشخصيات في كل موقف درامي، فالديكور الخفيف والمستعمل لعدة مشاهد وبنفس الديكور ولكن بتغيير اتجاهاته يكون سهلا في تغييره وبدون انقطاع متابعة الجمهور لسير الأحداث، ويعطينا شكلا جماليا منطلقا من النص المسرحي وحوار الشخصيات وجو المسرحية، وعلى المصمم خلق الإيهام بالواقع وتصميم ديكور يتسم بالعمق والصدق الفني ويوحي بالحجم والارتفاع وجمع عناصره الأخرى. «فسيظل الممثل يحلم بخشبة واسعة بسيطة تستطيع أن يتقدم ويتأخر كما يتقدم عازف الكمان أو المغني»([101])، فها هو جير وتوفسكي يتجه إلى المسرح الفقير الذي يعتمد على الممثل أكثر من الديكور والأثاث ويكون الممثل هو الأساس في تأثيره على المشاهد ففي مسرحية “الأمير الدائم” اعتمد جيروتوفسكي بعمل غرفة صغيرة في أوبول مع جمهور محدد عمداً بأربعين متفرجا”([102]).ونجحت على مستوى العالم كله نظراً لأفكارها الجديدة. ومسرحنا اليمني بحاجة إلى فكر جديد في المناظر والديكور المناسب الذي يؤثر في الجمهور ويعطي شكلاً جمالياً للعرض المسرحي، فيختلف الديكور للمسرحية من مصمم ديكور لآخر حسب رؤية المخرج في تفسيره للنص وإبداع مصمم الديكور، سواء كان الديكور واقعي أو رمزي فهو يخدم فكرة النص والرواية الإخراجية للمخرج وجمالية العرض وتأثيره على الجمهور. وأن يكون الديكور منسجما مع بقية عناصر العرض المسرحي وهذا ما يتطلب من مصمم الديكور إيجاد الانسجام في عناصر العرض ، فإذا طغى الديكور على العناصر الأخرى سيؤثر سلبياً على العرض، لأن العرض المسرحي وحدة متكاملة وعمل متكامل وأي خلل في أحد عناصره يؤدي إلى فشل العرض. ولا مانع أن أذكر بعض مصممي الديكور في اليمن في بداية الستينات مثل الفنان محمد الشهاري في مسرحية (بانوهات) وضع ديكور واقعي، وكذلك الفنان عبد الجبار نعمان في مسرحية (الطريق إلى مأرب) في السبعينات والذي خطى خطوة واقعية وشمل ديكوره جمالاً بما يتواءم مع مستوى المسرحية وساعد على نجاحه متكون أكاديمياً وسلاسة التعامل وقبول الإرشادات من المخرج، وعلاء الدين كوكش، وكذلك الفنان علي باذيب أكاديمي في الزخرفة والديكور في اليابان والذي طغى ديكوره على عناصر العرض المسرحي في حضرموت، كما خرجت الأكاديمية العليا للفنون التشكيلية في الإتحاد السوفيتي أمثال محمد جعفر سالم وعبد الله الأمين.. وغيرهم، كما قدمت عدد من المسرحيات بديكورات رمزية وواقعية في عام 1977، 1987، كما قدمت ثلاثة عشر مسرحية في إطار المدرسة الرمزية وقد وضع ديكورها كلا من الفنانين المبدعين نجيب العنسي، وأحمد العبسي، إميل جرجس، في مسرحية: حلاق بغداد، والزوبعة، القفل، الطريق، التعرية، وكذلك الفنان فؤاد الفتيح، سيلان جبر سيلان في مسرحية “الحمار والمرأة”، وكذالك الفنان عبد الحكيم الحاج الذي صمم ديكورات لعدد من المسرحيات شاركت محلياً ودولياً وغيرهم من مصممي الديكور في اليمن، ويهمنا هنا كيف نستغل ديكوراً مناسبا ًلمسرحية مأخوذة من التراث أو جديدة([103]). بلا شك أن تراثنا وحياتنا اليمنية مليئة بالجمال ولكن كيف نستغله في الحياة المسرحية اليمنية؟

ثانيا: الملابس المسرحية:

تعد الملابس (الأزياء) إحدى العناصر الهامة التي تساعد الممثل على كشف وإبراز الشخصية التي يمثلها إطار ما يوضحه النص. فتلعب الأزياء التاريخية دورا له أهمية كبرى لأنها تدل على العصر كما أنها تكشف التمايز الطبقي والاجتماعي فالأمير أو الملك غير الحارس أو الجندي أو الضابط، والملكة غير الجارية «التمايز يتمكن ممثل الدور أولاً باللغة والحوار والطبيعة والجسم والحركة والإشارة وغير ذلك، بل يعكس وقار صاحبها ورفعة مركزه الاجتماعي»([104]) إنما تعمل الملابس المسرحية (الأزياء) وملحقاتها (كالسيف، والدرع، والتاج، والصولجان، والقلادة، والأوسمة، والنياشين… إلخ) على تأكيد العصر والمكانة الاجتماعية والوظيفية والثقافية والجنس وربما لفتت انتباه المتفرج إلى العمر أيضا وإلى الذوق والإحساس بالجمال أو فقدان ذلك. « لابد أن تكون الأزياء المسرحية متناسقة مع الديكور ولونه، وموحية بالجو النفسي والوضع الاجتماعي للشخصية»([105]).

فلا يمكن أن نختار ملابس فلاح لملك إذا انطلقت المسرحية تاريخية إلا في حالة خدمة فكرة المخرج والمؤلف والغرض من ذلك، فتناسق الملابس مع الشخصيات وحوارها وألوان الديكور يعطي المسرحية شكلاً جمالياً يؤثر في المشاهد، ويستطيع التمييز بين الشخصيات ومكانتها الاجتماعية وعلى مصمم الملابس مراعاة العناصر الجمالية للعرض والأبعاد النفسية والاجتماعية للشخصيات بعد قراءة النص والتفاهم مع المخرج في الملابس وألوانها وأن يصممها على ورق تم تلوينها والبدع في أخذ مقاييس الممثلين ليتم تجهيزها عبر المقاسات ومعرفة لون الديكور وتناسقه مع الملابس والإضاءة. كما على مصمم الأزياء أن تكون له معرفة أكاديمية بالمسرح وتاريخ الملابس في كل عصر حتى يستطيع إنجاز عمل متناسق، يشيد به الآخرون ويؤثر في الجمهور.«إن المضمون للأزياء المسرحية يدخل على نحو جدلي مع حيثيات العرض المسرحي ومن هنا يتضح أن الدراسة التي تسهم في تعميق الخصائص الجوهرية للعرض موضوعية أو شكلية على حد سواء»([106]).فالأسس الملابس (الأزياء) تسمح للتأويل باتجاه بنية العرض ودلالته علاوة على الأطر الصياغية لها ، وينعكس ذلك على عملية البناء الدرامي وأسلوب استثماره في خطاب العرض المسرحي. «فالأزياء المسرحية تحمل الرمزية والإبهار معاً وسط الأقنعة وغيرها»([107]). لان الأزياء تمتعنا وتعطي العرض شكلاً جمالياً و معرفة الزي في خشبة المسرح فمثلا الزي اليومي للمصريين القدماء كانوا يرتدون في حياتهم الطبيعية ملابس تختلف عن تلك الملابس التي يرتدونها في المناسبات (كطقوس الدفن) وغيرها. فالأزياء التاريخية اليمنية كثيرة ومتنوعة حسب المراحل التاريخية التي عاشت فيها هذه الشخصيات فعلى مصمم الأزياء العربية واليمينة أن يكون مطلعاً على تاريخ الأزياء خاصة في المسرحيات التاريخية. وتتضح أهمية الزى المسرحي من خلال أوجه الاختلاف بين المخرجين في تناول موضوعه طبيعة النظر إليه إذ أن هناك خصوصية يتطلب الإحاطة بكل حيثيات هذه الثنائية عن الزي أي الملابس الناجمة عن الاتحاد بين المضمون والشكل المطابق له بقدر أو بآخر.وعلى المصمم اختيار الألوان لكل شخصية وأن يكون على علم بما تشير إليه الألوان، مثلا زي رمادي فهو يعكس حالة البرودة والرسمية وهو يدل على الحياد، ((زي عسكري أصفر مائل إلى الخضار وذلك بتركيز الإضاءة، زي مدني لامع تسقط عليه الإضاءة فتزيده بريقا ولمعاناً، شخصا فوق قلعة هو بذلك يحقق الإيهام ويقنع شخص بأنه يرى شبحاً ما))([108])، ويختلف تصميم الملابس في المسرحيات الكوميدية عن المسرحيات التراجيدية والمأساة، كما تختلف ملابس الراقص عن الفارس الشجاع، فشخصية الملكة بلقيس في تراثنا العربي اليمني تختلف ملابسها عن شخصية أخرى مثلا: توظيفها في مسرحية الفأر في قفص الاتهام، (( فإذا كانت المسرحية تاريخية فلابد أن تتطابق مع العصور القديمة المتباينة والفترات والطبقات الاجتماعية المختلفة([109]).

أي بمعنى أن يراعى الدقة في تفاصيلها وحياكتها واختيار ألوان الملابس لكي لا يشعر المتفرج بأي ثغرة في مصداقيتها فيها وعدم تواؤمها مع الأزياء لهذا العصر أو ذلك في هذه الفترة التاريخية أو تلك، ولابد أن يكون لدى مصمم الأزياء كاتالوج يوضح صورة ونماذج الأزياء اليمنية القديمة والحديثة لكل الطبقات الاجتماعية المختلفة لكل عصر من العصور اليمنية.

فتوظف الأزياء اليمنية ومن مختلف مناطق الوطن اليمني بمختلف أنواعها في العرض المسرحي تخلق لنا منظراً مسرحياً له جماليته الخاصة به وبصماته لكل شخصية، فمن هذا المنطلق نستطيع أن نحافظ على الهوية اليمنية وإيجاد شكل مسرحي يمني له شكله الخاص به منبعه التراث وشكله من التراث ومن الواقع المعاش الذي يعيش فيه المشاهد ويعايشه كل يوم وله عاداته وتقاليده في الملابس للشخصيات الاجتماعية بمختلف طبقات المجتمع اليمني القديم والحديث فعند توظيف هذه الملابس في العرض المسرحي والمطابق مع حوار الشخصيات وجو المسرحية سيكون لها أثر على المشاهد اليمني والعربي خاصة، فبالعروض المسرحية وبملابس يمنية تاريخية أو عصرية ستوثق هذه الملابس في العروض المسرحية وتستفد منها الأجيال اللاحقة.

3_3_3 المؤثرات الأخرى لجمالية العرض المسرحي (الإضاءة والموسيقى):

أولا: الإضاءة المسرحية:

تطلق كلمة إضاءة على إنارة المسرح وفقا لنظام مدروس وهدف معين، وهناك فرق بين الإنارة والإضاءة كالفارق بين الطبيعة والفن، فالإنارة يقصد بها إزالة الظلام من مكان ما. أما الإضاءة فيراد باستخدامها توجيه ضوء خاص على شكل معين وذلك باستخدام الضوء الصناعي، «الإضاءة المسرحية تبدأ عندما تنخفض إنارة الصالة قبل بداية العرض المسرحي، وظهور الضوء على الخشبة لتأكيد شخصية الممثلين، ومن هنا يبدأ الإحساس بالجو الدرامي»([110]) إذ يجب على مصمم الإضاءة أن يلعب بتصميماته الفنية ليستحوذ على أنظار المتفرجين من بداية العرض حتى نهايته لأن المشاهد يأتي إلى المسرح ليشاهد عرضاً مسرحياً فنياً ، ولابد أن يكون للمسرح تأثيراً على جذب المتفرجين ولابد من وجود مخطط للإضاءة “« الخطة هي رسم يحدد أمكنة وأدوات الإنارة المستعملة ونوعها في إنتاج معين»([111]). فترقم الإضاءة إلى ستة مناطق على الأساس (أسفل اليسار- أسفل الوسط- أسفل اليمني- وسط يسار – وسط وسط _ وسط يمين _أعلى اليسار- أعلى الوسط- أعلى اليمين- ليكون لدينا تسع مناطق ضوئية (للإنارة) وذلك في مناظر المسرحية وهذه التقسيمات حسب تقسيمات خشبة المسرح وتواجد الممثلين  ربما تستخدم إضاءة أخرى قد تتركز على منطقة معينة بعدة ألوان توحي وتؤثر في المشاهد وتساعد الممثل على الدخول في أغوار الشخصية المسرحية وتعطي العرض المسرحي جمالاً في المنظر وتشد المشاهد إلى أحداث المسرحية أصبحت الإضاءة من العناصر المهمة في المسرح، « إن اللحظات الضوئية الزمنية بما تتضمنه من معايير قياسية لجذب المتفرج واستثارته ذات أثر فعال في تحقيق الهدف الدرامي»([112]). ويكون ذلك بالتنوع في القيمة الظنية كثافتها ما بين موقع وآخر وموقف درامي وآخر مثل ضعف اليدوي مثلاً أو عند قتل عطيل لديمومة في مسرحية “عطيل”، «إذاً على مصمم الإضاءة المسرحية دراسة النص دراسة تحليلية لكل لحظة درامية في النص وعلاقتها بألوان المنظر، “فالسحر من خلال المناظر فإنها قادرة على التعبير عن نوعية المسرحية سواء كان العرض تراجيديا، ميلودراميا أو تاريخيا، شكسبيريا أو يمنياً أو عربياً»([113]). فوظيفة الإضاءة هي خلق جو ساحر يعيش فيه الممثلين وتتأكد فيه شخصياتهم، فالإضاءة هي التي تحقق صنعتي الزمان والمكان للنص المسرحي، كما تستعمل الإضاءة في تأكيد المنظر والمكياج كما أنها تبرز الشخصية ودور الممثل على خشبة المسرح، «تعتبر الإضاءة هي الخامة التي تجسد العمل الدرامي لتؤكد نوعيته، كما أنها تلعب دور الساحر الماهر في الخشبة المسرحية»([114]).بتطور أجهزة الإضاءة الكهربائية وأجهزة التحكم فيها، أصبحت الإضاءة فناً يحتاج تطبيقه إلى وعي وإحساس لإبراز الجوانب الجمالية على دعائم ثلاث هي كمية الضوء، لون الإضاءة، كيفية توزيعها بما يناسب العرض المسرحي، على مصمم الإضاءة اليمني أن يعي بأهمية الإضاءة ومعرفة ألوانها الحديثة حتى يعطينا عرضاً مسرحياً يمنياً متكاملاً، يجذب الجمهور اليمني ويؤثر فيه، فمن وظائف الإضاءة: ، تحقيق الرؤية وتأكيد الشكل والإيهام بالطبيعة والتكوين الفني وخلق الجو الدرامي . ولقد كان “كريج” يحلم بمسرح يخاطب المتفرج من خلال الحركة وحدها وفي العشرينيات «كان مسرح “الباهوس” لا تقوم مسرحيات لا تقوم “الحبكة” فيها شيء سوى الحركة الخالصة للأشكال والألوان والأضواء»([115]). وهذا ما يؤكد لنا أهمية الإضاءة وتأثيرها على الجمهور فاختيار الألوان المناسبة مثلا الضوء في المسرحيات الكوميدية عادة يكون اللون الدافئ الذي يساعد على إزالة الآلام النفسية للمتفرجين، ثم يأتي دور توزيع الإضاءة واختيار الأجهزة لتحقيق الأهداف السابقة، وهذا يعتمد على مصمم الإضاءة والدراسة الواعية لقدرة كل جهاز واختياره لزوايا الضوء المناسبة للأشكال المتحركة على خشبة المسرح.

فتطورت أجهزة الإضاءة المسرحية وتطورت أجهزتها حتى يستطيع مصمم الإضاءة إعطاءنا عدة ألوان بضغط أرقام في جهاز التحكم وبدون وضع مادة “الجلاتين” على البرجكتور الخاص بالإضاءة وهناك أجهزة ذات تأثير تلقي النور من خلال رواسم بدلاً من أن تقذف نوراً متجانساً في حالة الحركة في خلال الحركة وانطباع الدخان والثلج والماء الجاري والغيوم والحرب… إلخ، فتشغيل هذه الأجهزة الضوئية وجود مهندسين فنيين وكهربائيين ذو مهارة عالية «لإعطاء المعاني المتنوعة للحالة السيكولوجية وتجسيم الديكور وإظهار الزخارف بمعاني جديدة»([116]) فتختلف الإضاءة من عرض مسرحي لآخر ومن عرض الباليه الكلاسيكي أو باليه أو رقص أو الكولغرافيا فأهمية الإضاءة كبيرة في عصرنا الحاضر في إعطاء معايير مفسرة لنص الدرامي والحوار، فاستخدامها المخرجون في بعض العروض المسرحية تتوب عن الديكور في بعض المواقف الدرامية والعروض المسرحية باستخدام البؤر الضوئية والمسرحية سواءً أكانت تراثية أم حديثة فعلى مصممي الإضاءة اليمنيين والمخرجين إدخال الحداثة في العروض المسرحية اليمنية المأخوذة من التراث لتأثيرها على الجمهور، وإعطاء العرض المسرحي اليمني خصوصيته والأخذ من التكنولوجيا الحديثة بما يخدم المسرح اليمني وهويته اليمنية العربية، وإحياء الماضي والحاضر واستشراف المستقبل، فتوظيف جميع التقنيات التي وصلت إليها المسارح العالمية في العرض المسرحي اليمني بلا شك سيقفز بالمسرح اليمني قفزة نوعية نحو مستقبل زاهر يخدم المجتمع اليمني والأمة الإسلامية.

ثانيا: الموسيقى المسرحية

تحمل الموسيقى واجبات خارجية عن مهامها عندما يعتبرها المخرج المنفذ السهل لإخفاقاته وإخفاق فريقه متناسياً أو جاهلاً لدور الموسيقى في المسرح كونها تساعد المخرج في دعم الصورة الإيقاعية للعرض التي تعطي فيما بعد قدرة المحاكاة الحقيقية أو الصدى الحقيقي للموسيقى الداخلية للعرض المسرحي.

فالموسيقى تدخل في صلب العمل الدرامي، فتأتي منسجمة معها وفي أحيان أخرى تكون غير منسجمة مع بقية عناصر العرض المسرحي،(( فالمهم استخدامها الوضوح للمثل والغرض منها تؤدي غرضها كوحدة أساسية من عناصر العرض المسرحي «فالموسيقى تبدأ في الكلام وتستمر في الحركة، وفي الإيقاع وفي مستوى الصوت مثلها مثل نشأتها»([117]) وكما هو معروف عن نشأة الموسيقى وتعامل الإنسان معها خاصة الفنان الأول والإنسان الأول الذي يحاكي الطبيعة ويتعلم منها بواسطة الصوت والحركة والتشكيل، فاستثمرها في النحت والرسم والشعر والغناء والموسيقى  يحاكي الطبيعة بجبالها ووديانها وأنهار وحيوانات وغير ذلك، وما يهمنا هنا كيف يتم توظيفها في العرض المسرحي التراثي اليمني، «فمن قرأ شكسبير لابد أن يدرك أهمية الصوت والموسيقى في المسرح الإليزابيثي ولوحظ ما دون من مذكرات عن الصوت أنها تكون نسبة كبيرة من التوجيهات المسرحية»([118]).

فأهمية الموسيقى كبيرة في جمالية العرض المسرحي وتأثيره في المشاهد ويكون نجاحها في كيفية توظيفها في المواقف الدرامية للعرض المسرحي اليمني والعربي والعالمي على حد سواء.

فتوظيف الموسيقى اليمنية في المسرحيات اليمنية سواء بالآلة الواحدة المشهورة في التراث اليمني (الطبل، المزمار، الربابة، العود) وغيرها من الآلات الموسيقية في اليمن لها طابعها الخاص ولها تأثرها على المتلقي اليمني، فمثلا كانت عندما تدق الطبول فإنها إشعار للحرب أو أي شر قد يحدق بقبيلة ما فتوظيفها في المسرح يعطينا دلالة على الحدث الذي سوف يحصل ولها تأثيرها على المتلقي والإحساس والشعور بها.


[1] – انظر  ابن منظور  ، لسان العرب ،   )مادة ورث )

* أبو خليل القباني: رائد المسرح العربي ولد في دمشق سوريا، عام 1833م توفى عام 1903، هو احمد أبو خليل ابن احمد آغا ابن حسين آغا أقيق، كان مستشار السلطان القانوني، له الفضل الأكبر في وضع أسس المسرح الغنائي العربي، حيث نقل الأغنية الشرقية ووضعها فوق المسرح التمثيلي له عدد من الأعمال منها (ناكر الجميل ،هارون الرشيد ،عايدة ،الشاه محمود ،إنس الجليس وغيرها) كانت تقدم هذه العروض في البداية في المقاهي مثل الحكواتي والرقصة والسماح في شوارع دمشق. انظر منتديات آية.

*** عبد القادر علولة: ولد في 8 جويلية 1939م أغتيل عام 1994م، كاتب وممثل ومخرج مسرحي عربي جزائري ولد في مدينة الغزوات بتلمسان، درس الدراما في فرنسا ثم انضم إلى المسرح الوطني الجزائري، كانت أغلبية أعماله بالعامية الجزائرية منها “القوال عام 1980، “اللثام 1989″، “الأجواد 1985″ “التفاح 1992″ …وغيرها من الأعمال المسرحية. انظر الموسوعة الحرة ويكيبيديا.

**** توفيق الحكيم: ولد في أكتوبر عام 1889م توفى في 29 يوليو 1987م، ولد في الإسكندرية وتوفى في القاهرة (مصر)، كاتب وأديب عربي من رواد الرواية والكتابة المسرحية العربية، له العديد من الأعمال المسرحية المشهورة مثل “أهل الكهف….” ومن رواد المسرح الذهني، ألف العديد من الكتابات والروايات والمسرحيات ، أنظر الموسوعة الحرة ويكيبيديا.

[2]- محمد عزام ، العرب وتأصيل المسرح ،  مسرحيون ،04/08/2008،س/38:04 تاريخ الدخول 21/08/2011  س/02:

H ttp://matarmatar.net./vb/t1086/

[3]- يحيى محمد سيف ، أعلام الأدب والفن المسرحي في اليمن  ،  ص 15.

[4]- المرجع  نفسه ، ص 62.

[5]- حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح  ، ص 363

[6]- سمير حورية محمد حمود ، تأصيل المسرح بين التنظير والتطبيق ، القناص ، الثلاثاء12 أغسطس 2008 ، تاريخ الدخول 19 _08-2011

                                                                             http-//www.awu-dam.org/book/99/study            

[7]- محمد المديوني ، مسرح عز الدين المدني والتراث ، دار سحر تونس ، تونس ، الطبعة الاولى ، 1412 ه،1992 م ، ص 100.

[8]- يحي البشتاوي ، الرؤية الأولى ، دراسات الأدب المسرحي ، مطبعة الروز، الأردن ،  الطبعة الاولى ، تاريخ الأصدار 2009 ، ص 156.

[9]– محمد المديوني ، مسرح عز الدين المدني والتراث ،ص 27.

[10]- لخضر منصوري ، المسرح الأفريقي بين الأصالة والمعاصرة ، محافظة المهرجان الدولي للمسرح ، الجزائر وزارة الثقافة ،2009 ، ص 55.

[11] – الرشيد بوشقير ، توظيف التراث الشعبي في المسرح المغاربي ، محافظة  المهرجان الوطني للمسرح المحترف ، الجزائر ، ص 66.

[12]- سمير سرحان ، مبادئ علم الدراما ، هلا للنشر والتوزيع ، الجيزة ، دون ، ط، ت ، ص 23.

* سعد الله ونوس: ولد عام 1941 توفى عام 1997 مسرحي سوري ولد في حصين البحر القريبة من طرطوس، تلقى علمه في اللاذقية ثم واصل دراسته في القاهرة في مصر، حاز على جوائز عدة وألف العديد من الأعمال، من أشهر أعماله المسرحية (حفلة من أجل خميسة ،الفيل يا ملك الزمان ،الملك والملك ،الأيام المخمورة وغيرها من الأعمال). (انظر الموسوعة الحرة ويكيبيديا).

** قاسم محمد مؤلف ومخرج مسرحي عراقي ولد عام 1936 وتوفى عام 2009 له العديد من الاعمال المسرحية منها مسرحية القرقان ، البيك السابق وغيرها ولدية عدد من الاعمال التلفزيونية والسينمائية منها مسلسل رجال الظل ، الانفلنزا ، عنفوان الاشيا وغيرها ( انظر وكبيديا الموسعة الحرة )

*** عبد الكريم برشيد: مؤلف ومخرج مسرحي مغربي ولد عام 1943 له العديد من الاعمال المسرحية واخرج عدد من الاعمال المسرحية (طنقة الادبية )

[14]- عبد الله أبو هيف ، المسرح العربي المعاصر ، قضايا وروى وتجارب ، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ،2002 ، ص 11.

[15]- سعد علي إسماعيل ، أثر التراث العربي في المسرح المعاصر ، دار قباء للطباعة والنشر القاهرة ، ودار المرجان الكويت ،2000 ، دون ، ط ،  ص 40 ،41 .

[16]- سعيد عبد العزيز ، الأسطورة والدراما ، المطبعة الفنية الحديثة شارع الأصبع الزيتون ،1960 ، ص 35.

[17]- أرسطو ، فن الشعر ،  تقديم إبراهيم حمادة  ، مكتبة الأنجلو المصرية ، القاهرة ، دون  ، ت ،  ص 95.

[18]- شكري عبد الوهاب ، النص المسرحي ، دراسة تحليلية لفن الكتابة المسرحية ، مكتبة العربي الحديث ، الإسكندرية ، ص 5.

[19]- أحسن شيلاني ، توظيف التراث في المسرح المغاربي ، ص 87.

[20]-  أحسن شيلاني ، توظيف التراث في المسرح المغاربي ، ص 88.

[21]- يحي البشتاوي ، الرؤيا الأولى ، دراسات في الأدب المسرحي، ص 177 ، 178.

[22]- محمد المديوني ، مسرح عز الدين المدني والتراث، ص 97.

* الطيب الصديقي: ولد عام 1937 الصويرة مؤلف مسرحي مغربي، تابع دراسته في الدار البيضاء له العديد من الأعمال المسرحية، دعى لتوظيف التراث في المسرح ومن اعماله (الحسناء ،محجوبة ،في الطريق ،معركة الملوك الثلاثة ،المغرب واحد وغيرها من الأعمال المسرحية ).

[23]- أحسن شيلاني ، توظيف التراث في المسرح المغاربي ، قطر أرتي  ،  ص 92 ، 93 انظر . WW.ARTIST. IBDA3.ORG

[24]- الرشيد بوشقير ، توظيف التراث في المسرح المغاربي  ، ص67  ، 68 .

[25]- فيصل عبد عودة ، سوسيولوجيا النص المسرحي ،  ص68.

[26]- يحي محمد سيف ، أعلام الأدب والفن المسرحي في اليمن  ،  ص13 ،14.

[27]- فيصل عبد عودة  ، سوسيولوجيا النص المسرحي   ، ص71.

[28]- حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح ،  ص243 ، 244.

[29]- فؤاد الصالحي ، علم المسرحية وفن كتابتها  ،  ص43.

[30]- فؤاد الصالحي ، علم المسرحية وفن كتابتها   ، ص43.

[31]- كمال عبيد، المسرحية بين الفكرة والتجريب، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، طرابلس، 1985، ص53.

[32]- حسين سرحان، مبادئ علم الدراما، ص22.

[33]- كمال عبيد ، المسرح بين الفكرة والتجريب  ، ص54-55.

[34]- أحمد إبراهيم الفقيه ، المسرح الإفريقي بين الأصالة والمعاصرة  ، ص97.

[35]- فؤاد الصالحي ، علم المسرحية وفن كتابتها  ، ص 72

[36]- شكري عبد الوهاب ، النص المسرحي ، ص 61.

[37]- كمال عبيد ، المسرح بين الفكرة والتجريب  ، ص 101.

[38] – أحمد صقر ، توظيف التراث الشعبي في المسرح المصري  ،  ص 210

[39]-جيمس روس _ إيفانز ، المسرح التجريبي ، من ستلانسلافسكي إلى بيتربروك ، ص 101، 102.

[40]- أحمد صقر ،  توظيف التراث الشعبي في المسرح المصري  ،  ص 97.

[41]- سعيد علي إسماعيل ، التراث العربي في المسرح المعاصر  ، ص 127.

[42] –  فوزي فهمي ، المفهوم التراجيدي والدراما الحديثة ، مكتبة الأسرة تنفيذ  الهيئة المصرية العامة للكتاب ، مصر ، ص 101.

[43]- يحي محمد سيف ، المختصر المفيد من أخبار المسرح العربي الجديد ، المسرح في اليمن ، ص 22-23.

[44]- فيصل عبده عوده ، سوسيولوجيا النص المسرحي ، ص 30.

-[45] محمد الشرفي ، مسرحيتان من مواسم الهجرة والجنون ، والعشاق يموتون كل يوم  ، ص 10.

[46]- حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح  ، ص 53.

[47] -   المرجع  نفسه ،53 -54.

[48]- يحيى محمد سيف ، المختصر المفيد في المسرح العربي الجديد  ،  ص 15.  

[49] – أبي فرج الأصفهاني ،كتاب الأغاني  ، ص 209.

2- حسين الاسمر ، المسرح في اليمن تحربة وظموج  ،  ص33

[50] –    حسين الاسمر ، المسرح في اليمن تحربة وظموج  ، ص 34.

[51] – عبد العزيز المقالح ، شعر العامية في اليمن ، دار العوده ، بيروت ، 1986، الطبعة الاولى ، ص78

[52]- حسين الأسمر  ، المرجع نفسه  ،  ص 36.

[53]- حمزة على لقمان ، أساطير تاريخ اليمن  ،  ص 189 ، 195.

[54]- حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح  ، ص 39 ، 43.

[55]- يحي محمد سيف ، المختصر المفيد في المسرح العربي الجديد المسرح في اليمن  ، ص 36 ،37.

[56]- محمد الشرفي ، مسرحيتان من مواسم الهجرة والجنون العشاق يموتون كل يوم   ، ص 11 ،12.

[57]- سعيد عولقي ، سبعون عام من المسرح في اليمن ، ص 39.

[58]- حسين الأسمر-المسرج في اليمن تجربة وطموح  ، ص 177.

[59] – يحيى محمد سيف ، أعلام الأدب والفن المسرحي في اليمن  ، ص 232.

[60]- حافظ الجديدي ، في الفنون المشهدية العرض والنص والأداء ، تبر الزمان ، تونس ، ص33.

[61]- شكري عبد الوهاب ، النص المسرحي ، دراسة تحليلية تاريخية لفن الكتابة المسرحية ،   ص 70-71.

[62]- فؤاد الصالحي ، علم المسرحية وفن كتابتها ،   ص 50.

[63] -  المرجع  نفسه ، ص 53-54.

[64]- شكري عبد الوهاب ، النص المسرحي ، ص 37.

2_ حسين الاسمر المسرح في اليمن تجربة وطموح ، ص 34.

[66]- شكري عبد الوهاب ، النص المسرحي ،   ص 34.

[67] – مفتاح خلوف ، رسالة ماجستير في الإنتاج الدلالي في العرض المسرحي الجزائري ،  مخطوط في جامعة الأخضر باتنة ،  2007/2008 ، ص 55 ، 56 .

[68] – عبد المنعم عثمان ، الديكور المسرحي والتشكيل ، مطبعة سان بيتر ، ت 5648450 ،  الطبعة  الأولى ، أكتوبر 2001.

[69]- سعد أٍردش ، المخرج في المسرح المعاصر ، ص  10

[70] – شكري عبد الوهاب ، الإخراج المسرحي ، مؤسسة جورس الدولية للنشر والتوزيع ، الإسكندرية 2007 ، ص 9.

* سعد أردش: ولد في محافظة دمياط على ساحل البحر الأبيض المتوسط بتاريخ 18 يونيو 1924 توفي في 13 يونيو 2008، ممثل ومخرج مسرحي ألف العديد من الأعمال المسرحية والكتب، حاصل على الدكتوراه من الأكاديمية الدولية للمسرح في روما، من أعماله (المخرج في المسرح المعاصر ،خادم سيد درويش ،ثلاثية النصيف ،جريمة في جزيرة المعز ،انحراف في قصر العدالة…(انظر الموسوعة الحرة ويكيبيديا)

[71] – سعد أردش ، المخرج المسرحي المعاصر ،   ص 11.

[72] – شكري عبد الوهاب ،  المرجع نفسه  ، ص 9

[73] – سعد أردش ، المخرج المسرحي المعاصر ، ص 16.

[74] – أحمد زكي ، اتجاهات المسرح المعاصر وفنون العرض ، مكتبة الأسيرة ، مصر،  الطبعة الاولى  ، دون ، ت  ص 17.

[75]  -   المرجع نفسه ، ص 33.

[76] – شكري عبد الوهاب ، الإخراج المسرحي   ، ص 266.

[77] – حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح  ، ص 209.

[78] – سعد أردش ، المخرج في المسرح المعاصر ،   ص 142 ،143.

[79] – أحمد زكي ، اتجاهات المسرح المعاصر  ، ص 33.

[80] – المرجع نفسه ،   ص 24 إلى ص   25.

[81] – عبد المنعم عثمان ، الديكور المسرحي والتشكيل  ، ص 72.

[82] – سعد أردش ، المخرج في المسرح المعاصر ، ص 143.

[83] – حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح   ، ص 209.

[84] – يحي البشتاوي ، بناء الشخصية في العرض المسرحي المعاصر ، دار الفنري ،الأردن ، الطبعة  الأولى ، دون ، ت  ص 30.

[85] – محمد السوري ، إشكالية التوظيف البصري للتراث ، الديوان العربي بتاريخ 16 ديسمبر 2007 موقع الديوان العربي.

[86] – مخلوف فتاح ، الإنتاج الدلالي في العرض المسرحي الجزائري ،   ص 53.

[87] – أسماء غفجاتي ، تشكيل النص المسرحي في ثلاثية عبد القادر علولة ، مخطوط جامعة الحاج لخضر باتنة ، رسالة ماجستير ، عام 2006-2007 ، ص34.

[88] – هاني أبو الحسن سلام ، سيمولوجيا المسرح بين النص والعرض ، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر ، الإسكندرية ،2005 دون ،ط ، ص 21.

[89] – أبو الحسن سلام ، المخرج المسرحي والقراءة المتعددة للنص ، الوفاء الدنيا للطباعة والنشر ، الإسكندرية ، الطبعة الأولى ، دون ، ت ، ص15.

[90] – سعد أردش ، المخرج في المسرح المعاصر  ، ص 71.

[91] – هاني أبو الحسن سلام  ، سيمولوجيا المسرح بين النص والعرض ، ص 28.

[92] – المرجع نفسه ، ص 29.

[93] – أحمد زكي ، اتجاهات المسرح المعاصر وفنون العرض  ،   ص 45.

[94] – هاني أبو الحسن سلام ، سيمولوجيا المسرح بين النص والعرض  ص 176.

[95] – كمال الدين حسن ، التراث الشعبي في المسرح المصري المعاصر ، ص 108.

[96] – الكسندر درين  ، العناصر الأساسية لإخراج المسرحية ترجمة ، سامي عبد الحميد  ،دار الحرية للطباعة ، بغداد ، طبعة 1392ه ،1972م ، ص353.

[97] – عبد المنعم عثمان ، الديكور المسرحي والشكل ، ص 64.

[98] –  أرسطو ، فن الشعر   ، ص 71

[99] – حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح  ، ص 229.

[100] -   المرجع  نفسه ، ص 229.

[101] – جيمس روس ، إيافنز ، المسرح التجريبي من أستا نسلافسكي إلى بيتر بروك ، ترجمة فاروق عبد القادر ، هلا للنشر والتوزيع ، الطبعة الأولى ، الجيزة ، مصر ، ص 225.

[102] -   المصدر  نفسه ، ص 227.

[103] – حسين الأمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح  ، ص 230 ،231.

[104] – هاني أبو الحسن سلام ، سيمولوجيا المسرح بين النص والعرض  ، ص 171.

[105] – حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح ، ص 331.

[106] – جعفر مسلم الوائلي ، فلسفة الأزياء المسرحية ، مجلة روافد ثقافية ، جامعة بابل للفنون الجميلة ، 2009.

[107] – الأزياء المسرحية من جلود الحيوانات إلى الغرابة التجريبية ، جريدة شرخات ، ثقافية فنية نصف شهرية ، تصدر عن وزارة الثقافة ، سوريا دمشق ، العدد 86 ، ص 1.

[108] – هاني أبو الحسن سلام ، سيمولوجيا المسرح بين النص والعرض ،   ص 170 ،171 .

[109] – حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح  ، ص 232.

[110] – محمد حامد علي ، الإضاءة المسرحية ، مطبعة الشعب ، بغداد ، 1975 ، ص 8.

[111] – الكسندر درين  ، العناصر الأساسية لإخراج مسرحية  ، ص 383.

[112] – عبد المنعم عثمان ، الديكور في المسرح والتشكيل   ، ص 177.

[113] – محمد حامد علي ، الإضاءة المسرحية   ، ص 8.

[114] -  المرجع نفسه ، ص 9.

[115] – جيمس روس إيفانز ، المسرح التجريبي من استانسلافسكي إلى بيتر بروك  ،   ص 144.

[116] – حسين الأسمر ، المسرح في اليمن تجربة وطموح   ، ص 234.

[117] – فاضل خليل ، الموسيقى في المسرح بين التأليف والاختيار ، الحوار المتمرن ، العدد 2202 ، 25/08/2008.

[118] – عالية كريم ، الموسيقى المسرحية ،  www.maakom.com

الفصل الرابع
أهمية التراث اليمني في المسرح

4-1 الحفاظ على الهوية اليمنية في المسرح
عند الحديث عن الهوية الثقافية لأي شعب فإن جملة من المفردات تقفز في الذهن يتعلق معظمها بالتراث وأهميته في الأدب والثقافة للشعوب والأمم بما فيه من دلالات تفيد المجتمعات العربية ولا زال النقاش والجدل منذ القدم إلى يومنا هذا حول أهمية التراث العربي و اللغة المستعملة في المسرح، فالتراث عملياً ((هو المورد الذي تبنى عليه لاحقاً التطورات التي تلحق بالمجتمع على كافة مستوياته فإذا غاب التواصل مع هذا التراث فقدت الحلقة الأهم في سلسلة التقدم))( ) يوضح لنا القول أعلاه أهمية التراث في تطور الشعوب و تقدمها، وبما أن المسرح أحد الفنون الأدائية الذي يقتصر أساساً على ترسيخ الأفكار و طرحها أمام الجمهور المتعطش في ظرف زمني محدد فإن اللغة تلعب دوراً أساسياً في تجسيد الأفكار إلا أننا قد لاحظنا أغلبية الكتاب العرب واليمنيين خاصة يلجئون إلى الاقتباس من المسرح العالمي والغربي، برغم اختلافهم في استعمال اللغة لترجمة هذه النصوص المسرحية. ويوجد الكثير من الباحثين و الكتاب اليمنيين الذين درسوا التراث اليمني الإنساني(( بأن المسرح في اليمن طبق الكثير من الأدلة والشواهد المادية و الحقائق التاريخية و الاستنتاجات المحصلة التي تم الأخذ بها وفقا للأسس و المعايير المعتمدة من قبل المنظرين للدراما من العصور القديمة))( ) وتعد الموسيقى والدردشة العربية بما يمكنه التجاوز للمحلية تضاهي أي مكان من العالم.( )
فمسرحنا اليمني له خصوصياته شهد له الكثير من رواد المسرح العربي مثل يوسف العالي رعوني مكرومي من بغداد والأستاذ أحمد عامر من تونس وغيرهم من مؤسسي التجربة المسرحية العربية تكريساً للهوية اليمنية العربية بدأ الحفاظ على الهوية اليمنية العربية في المسرح من الآخذ من تراثنا اليمني نأخذ منه الفكرة ولغة حوار النص وشخصياته حتى أصبح عرضاً مسرحياً ملماً لجميع عناصر العرض المسرحي ، بما فيها من الديكورات أو الخلفيات للعرض المسرحي ، التي توحي بالشكل المعماري اليمني التي تعطينا دلالات عن هوية العرض وجمالياته، كما للرقصات الشعبية في بعض النصوص اليمنية التي يستخدمها المخرج في العرض سيكون لها تأثير لدى الجمهور، لأن كل حركة (رقصة) تعبر عن شيء مثل رقصة ( التروس) والبرع والرقص الشعبي و غيرها ، تحافظ على هوية المسرح اليمني العربي،كما للموسيقى والمؤثرات الأخرى دور في الحفاظ على هويتنا اليمنية عند توظيفها في المسرح تخلق لنا جواً مسرحياً يمنياً له خصوصياته و مقوماته ((إن الحفاظ على الهوية هي الغوص في الإرث والموروث الحضاري الذي يعطي هذه الهوية))( ) وتراثنا اليمني عريق وله جذور راسخة في التاريخ و في ذهن الإنسان اليمني إلى حد الآن و لازالت اعتقادات لدى اليمنيين ببعض الأساطير والحكايات الشعبية و غيرها، وتراثنا الشعبي متنوع ويحمل دلالات ورموز يؤهله أن يقارن بآداب الشعوب العظمى فيقول (مكسيم جوركي) (( الأدب الذي لا يفهم أدب غير جيد)).( ) و بما أن هويتنا اليمنية نستطيع أن نحدد نوعها مع مراعاة الثقافة ومستوى غالبية الشعب، لأن الكتاب يعرفون المستوى الثقافي لهذا الشعب و ذلك بتأسيس لغة مسرحية نابعة من ثقافة الشعب العربي واليمني خاصة من هويته و تراثه كي يتميز هذا المسرح عن الشكل المسرحي الأدبي، وبما أن التراث مجموعة السلوكيات التي يمارسها مجموعة من الناس في منطقة ما في زمن ما ، شاملا بذلك أصول العادات والتقاليد والأغاني والملبس والسكن و طريقة ممارسة الحياة في الزواج والزراعة و البيع و الشراء .. الخ.
وبما أن المسرح ما هو إلا مرآة تعكس الواقع المعاش وفي حالة إبداع متواصل لخلق صورة جمالية تأثر في المشاهد و تصل إليه فكرة ما فلا بد من أداة تواصل ألا و هي اللغة سواء كانت فصحى أو عامية (الدارجة) وهذا ما حافظ عليه المسرحيون اليمنيون في عروضهم المسرحية في اختيار اللغة المناسبة للعرض المسرحي لتأثيرها على المتلقي و فهم فكرته فتناول رواد المسرح اليمني في تأسيس هوية المسرح اليمني في رجوعهم في توظيف التراث الشعبي واستعمال اللغة الدارجة أي اللهجة اليمنية لأنها نابعة من المجتمع و فنونه التقليدية، تغريبه من الوجدان
الشعبي المحلي، كما أن تراثنا الشعبي يحتوي على لغة شعبية عامية يتم استعمالها في الأعمال المسرحية من أجل التأسيس و التأصيل ((فتختلف المسرحية التي تستمد حوارها ومضمونها و أحداثها من التراث و بين الأخرى التي تستمد أحداثها و مضمونها من الواقع المعاش ))( ) ويتباين هذا الاختلاف في الأعمال التاريخية والأسطورية لبعض الكتاب اليمنيين مثل عبد الكافي محمد سعيد و محمد عبد الله الشرفي والذي حاولوا الحد من السرد في أعمالهم الدرامية. (تم التعريف بهما) حاولوا تقسيم اللغة في مسرحياتهم المعتمدة على التراث ونقصد بها اللغة المنطوقة أو اللغة المسموعة التي تلقيها الشخصيات المسرحية ((كما حضي الكاتب محمد عبده غانم على قدرة عظيمة على الإحاطة الشاملة المستوية للأحداث والتفصيلات التاريخية المعروفة معمقة لأيام العرب وقبائلها بل الخاصة ببطونها وعشائرها))( ) وهذا يعطي المؤلف القدرة في بناء الفكرة و رسم الشخصيات وأبعادها الثلاثة لكي يكون الحوار له تأثيره على المتلقي ومرتبط بالحركة “الفعل” والكلمة معا، والحوار في المسرحيات التراثية الدينية اليمنية ويقوم على مستويين هما:
1-مستوى الحوار المجسد للفعل و الحدث.
2- مستوى السرد الذي يمهد للحدث أو يلخصه ويعقب عليه بالنقد والحدث، فالمسرحية التراثية ترى الأبطال والشخصيات يتحركون يتفاعلون وينمون وينمو الحدث حتى يصلوا به إلى نهايته سوى في الرواية التاريخية أو الملحمة فعندما نتناول التراث الشعبي اليمني في المسرح من تراث أسطوري وسير شعبية وحكايات شعبية وشخصيات تاريخية وغير ذلك، سنحافظ على هويتنا اليمنية في المضمون والشكل حتى لا يتعرض تراثنا إلى الاندثار والضياع و ينسب إلى غيرنا .((ليس هناك حقبة محدودة يمكن تناولها بالتحديد تاريخ هذا التراث أو حتى مصدره، بل يصل الأمر أحياناً إلى صعوبة تحديد الموقع الجغرافي الذي يشكل مكان ظهوره))( )
ونؤكد على ما سبق التشابه الكبير بين الحكايات والأساطير والألعاب و الأحاجي وعدد من الطقوس و الاحتفالات في التراث اليمني و العربي و غيره مما يؤدي إلى كلا ينسبها إليه.
وهنا تصبح الهوية مشتتة ولكن عندما نحافظ على هويتنا اليمنية في المسرح اليمني في إحياء الأحداث والشخصيات التاريخية والحكايات والاحتفالات وغير ذلك سيكون لمسرحنا اليمني شأن آخر شكلاً ومضموناً، فبعد الثورة اليمنية استطاع الكاتب المسرحي محمد الشرفي صياغة نصه المسرحي في مسرحية ” أرض الجنتين ” ومسرحية “حريق في صنعاء” ومن هنا تأتي أهمية التراث في المسرح ((أظهر من خلالها المزيد من التفوق والنضج و تطور شكلاً ومضموناً وبها انتقل من أسلوب التسجيل وصياغة التاريخ إلى النقد المباشر والصارخ إلى التغيير و كذلك إلى أسلوب المشاركة في صياغة التاريخ))( ) فهاتان المسرحيتان نموذجان متميزان في الأسلوب والكتابة المسرحية، الأول إعادة تسجيل وتصوير التاريخ دراميا والثاني مواجهة الواقع المعاش وتصويره تصويراً صادقاً من خلال خلق الأحداث التي بها يعاد الواقع المعاش دراميا، و تحديد موقف منه يكشف عيوبه سعياً إلى تغييره إلى الأفضل. و بهذا استطاع الكاتب أن يحافظ على الهوية اليمنية في المسرح مضموناً وشكلاً وهذا ما يتطلب من الكتاب المسرحيين في الحفاظ على الهوية اليمنية في المسرح ((على كتابنا المسرحيين في اليمن التوجه نحو التراث من حكايات وأساطير وغير ذلك، ليصبوا أفكارها ومضامينها و معانيها في أطر وأشكال درامية تتناسب مع فكرنا وعقائدنا وروح عصرنا الذي نحياه))( ) فمن خلال المسرح يجعلنا نتعرف على تراثنا و العودة إلى أصالة التاريخ اليمني و أصالته يعرفنا بالتراث والدعوة إلى التمسك به وبث العديد من السلوكيات التي نود إيصالها إلى المشاهد بمزج الواقع مع الخيال فيسلب عقل المشاهد، وخلق له آفاق مسرحية يوسع بها أدواره والتعرف على أشكال الحياة في تلك العصور من أفكار ومعتقدات وأزياء وديكورات و أساليب حياتهم، ومن هنا يستطيع المتلقي اتخاذ موقف معين من ماضيه وحاضره ومستقبله، ومن هنا يستطيع المسرح إيصال رسالته ويحافظ على هويته اليمنية في المسرح، إذ يشيد لنا محمد المديوني في كتابه مسرح عز الدين المدني والتراث فيقول:(( يمكن امتلاك التراث إذ لا ينظر الجمهور إلى هذه الأحداث بنظرة مطلقة بل يرى فيها العناصر السلبية والعناصر الإيجابية ويكشف معالجة الكاتب ما وقع تزييفه وما وقع تشويهه وما وقع تناسبه وما وقع تهويله و التعظيم من شأنه)) ( )
ونستنج من هذا الرأي الطريقة في التأليف وإخراج العرض وتأثيره على الجمهور ليتخذ موقف معين من هذه الأحداث التي تجسد أمامه، واتخاذ موقف معين، وهنا تكون أهمية الشخصيات لدى المشاهد والتأثر بها ومن هنا يستطيع المسرح أن يحافظ على ألهويه اليمنية في المسرح، و تشير لنا أنصاف علوي مخرجة ومؤلفة مسرحية يمنية في مسرحية “أنت” الحائزة على الجائزة الميدالية الذهبية في مصر عام 2005 فتقول ((إن الفنان اليمني يمتلك خيالاً واسعاً و يمكنه من ترجمة إبداعاته و منتوجه الخيالي الإبداعي المحسوس” سواءً أكان على خشبة المسرح أو الحفاظ على الهوية اليمنية إنما هي جزء من الحفاظ على الموروث الثقافي والحضاري العربي)) ( ) فالتراث ليس أرثا مقدسا لا يجوز المساس به بل هو أداة لابد أن تحيا ولكن بطريقة معاصرة تواكب تطلعات شبابنا و تخدم حياتهم ومشاكلهم الاجتماعية وآمالهم المنشودة التي يتطلعون إليها بمعنى آخر أن نحافظ على هويتنا بطريقة معاصرة فشباب اليوم ليسوا كشباب الأمس فتفكيرهم يختلف عمن سبقوهم فالحفاظ على الهوية العربية يميل في مجال الكتابة المسرحية وفي الوعي المبكر بأهمية التأجيل في النص المسرحي وفي موضوع الخشبة المسرحية نفسها. إذا لا بد أن تكون محافظتنا على الهوية اليمنية في المسرح تبدأ بالكتابة حتى تنتهي بالعرض ولا بد أن تكون الكتابة بطريقة معاصرة تعرف متطلبات الجمهور اليمني والعربي وتطلعاته نحو المستقبل ((إن استنهاض الهمة وإذكاء الحماسة والتضحية والاعتزاز بالنفس وغرس أحداث التاريخ وأهداف استعادة أحداثه وعبرة في نفوس الأجيال وكذلك التركيز على قيم أخلاقية واجتماعية قومية وحث الناس على حب الفضائل ونبذ النقائص بكل أشكالها))( )، وهكذا حافظ المسرح اليمني منذ نشأته على الحفاظ على الهوية اليمنية من ناحية الكتابة واللغة والأسلوب للعرض المسرحي إلى يومنا هذا للحفاظ على الهوية اليمنية في المسرح.وذلك بما يخدم المجتمع اليمني والعربي، فالحفاظ على هويتنا اليمنية والإسلامية ليست مجرد شعار بل هيا واجب على كل مثقف ومواطن يعيش في مجتمعنا اليمني والعربي.
4-2 مواجهة العولمة في المسرح اليمني .
تعد العولمة تحدياً حقيقياً على المسرح والهوية الثقافية اليمنية والعربية، عن طريق انتشار الكثير من المظاهر المادية والمعنوية التي ترتبط بالهوية الثقافية العربية لدى الكثير من الشعوب العربية، بالإضافة أن العولمة أدت إلى صنع الثقافة الاستهلاكية إلى استخدام اللغات (كالانجليزية) على حساب اللغة العربية في التأليف وفي الأعلام وفي المدرسة والجامعة، تحولت الثقافة اليمنية العربية إلى ثقافة تفضل مضمونها الكسب والإيقاع السريع لتسلية الوقت وإدخال السرور على النفس وملذات الحس وإثارة الغرائز مما يؤدي إلى طمس الأخلاق الحميدة والسلوك الجيد للمجتمع اليمني، الذي عرف بأصل العروبة، والذوق السليم واللغة النقية، وغير ذلك من الصفات الحميدة التي امتاز بها الفرد اليمني. ((لقد نمت في الجزيرة العربية حضارات متقدمة قبل الإسلام بمئات السنين، وكان مقر هذه المدينة الركن الجنوبي من الجزيرة العربية، لقد ازدهرت مدة ألفي عام قبل الميلاد ومن أشهر هذه الحضارات حضارة مملكة سبأ في اليمن))( )، فتأثير العولمة على هذه الحضارة إنما هو طمس للحضارة اليمنية بكاملها بما فيها من سلوكيات وعادات وتقاليد امتاز بها أبناء شبه الجزيرة العربية (اليمني) وصفات حميدة قبل وبعد الإسلام، وقبل أن نتطرق إلى تأثير العولمة على المسرح اليمني لابد أن نعرف أولا ما هي العولمة وكيف نشأت؟ وما تأثيرها على المجتمع اليمني إيجاباً وسلباً؟ مفهوم العولمة: يذكر سليم بركات تعرف مفهوم العولمة globlalization وتعرف على إنها مذهب القائلين بأن الرأسمالية هي ديانة الإنسانية وأن النسبة الفكرية ستكون لها الأغلبية على المطلقات الأيدولوجية، وأن مبدأ النسبة الثقافية ((هو المبدأ المعمول عليه وليس مبدأ مركزية الثقافات وفي رأي القائلين بها أن العالم الآن ينتقل من الشمولية المطلوبة إلى الديمقراطية و من خلال ثورة معلوماتية شاملة تمكن العولمة من إلغاء الحروب وحرية انتقال الناس والسلع بإحلال التفاعل و الحوار و المنافسة و المحاكمة))( ) فالعولمة لها عدة تعريفات اقتصادية و اجتماعية و سياسية و لكن ما يهم ((التعرف بالعولمة مصطلح وفكر بغية الاتفاق إلى حد ما على سمات نظامها و تحديد أهدافها و تنسيق وسائلها))( )، فأطلق مصطلح العولمة مثل الكوكبية والعالمية والقرية والكونية والغزو الثقافي والقطبية والنظام العالمي الجديد وصراع الحضارات وحوار الحضارات وغير ذلك أن مصطلح العولمة في أثرها على المسرح هو موضوع بحثنا. فاهتمام الباحثين المهتمين الثقافة الاجتماعية والأخلاقية التي تعد أكثر الجوانب أهمية في تشكيل الأبعاد العلمية الإبداعية والفنية وحينما تراجع العرب والمسلمين زمام القيادة الفكرية والثقافة العلمية للبشرية ووقفوا عن الإبداع أصبحوا مقلدين وصفقوا أمام التيارات الثقافية الغربية التي أثرت بقوة آدابهم وفنونهم وطرق معيشتهم (( إن كلمة ثقافة عريقة في اللغة العربية وهي تعني صقل النفس و المنطق والفطانة وفي القاموس المحيط تثقف ثقفا وثقافة صار حاذقا حفيفا فطنا ، والثقافة ليست مجموعة من الأفكار فحسب لكنها نظرية في السلوك بما يرسم طريق الحياة جمالا بما يمثل فيه الطابع العام الذي يطبع عليه شعب من الشعوب))( ) وبما أنه لعبت عدة عوامل مختلفة في دفع العالم العربي واليمن أحد هذه الدول التي دخلت في عصر العولمة دون استعداد للتعامل مع التحديات والمخاطر، لهذا جاءت عولمة العالم العربي من الخارج (( إن المسرح يحافظ على الهوية الثقافية عن طريق الاتصال الجماهيري وهو يعتبر أبو الفنون صادف عصر العولمة))( )، فاختلف الباحثون عن تأثير العولمة على الثقافة العربية، ويظهر من خلال ما تفرضه العولمة عليها من تحديات غير مسبوقة تدفعها أن تعيد إمكاناتها لاكتشاف مدى قدرتها على الحركة في عالم ليس في صفها، ولا تمتلك سوى مواجهته بكل تناقضاته ودفعها إلى ذلك حرضها على الوجود الفعال في هذا العالم الذي يحاور بين أقصى مظاهر التقدم وأقسى مظاهر التخلف ((تتراوح المواقف العربية حول العولمة فمنهم الرافضين الذين يدقون ناقوس الخطر وما يتضمنه ذلك من محاولات الاكتفاء الذاتي وبين التوافقيين الذين يتطلعون إلى التواصل الثقافي)) ( )، وليس من شك أن العولمة لها تأثير على المجتمعات العربية بصورة عامة، وعلى الأدب بشكل خاص لأنه يمثل الفكر للمجتمعات ومصدر إبداعها وهويتها العربية، وانطلق بعض المستشرقين على رأسهم (بونغ) صفة الإسلام بدلاً من العربية على هذه الحضارة (( إن الإسلام هو الذي وجه تلك الحركة الفكرية والحضارة الكبرى وأضلها بظله، وطبعها بطبعه فإذا كانت العروبة أداة هذه الحضارة، فالإسلام روحها وتحت مظلة الإسلام ولدت وازدهرت، بفضل ما نفحه بالإسلام فيها من روح سامية، وما هيأ لها من مناخ يتصف بالأمن والسلام، والاستقرار والتسامح وواسعة الأفق ومكارم الأخلاق)( )، وهنا نلاحظ الفرق بين حضارتنا الإسلامية والعولمة الغربية، التي تبيح بمبادئنا وأخلاقنا واضطهاد شعوبنا بمبدأ يطلقون عليه حقوق الإنسان، فأصبحت العولمة تغزو كل بيت عربي بالقنوات الفضائية المخلة بالأخلاق وغرس اليأس في شبابنا العربي وضياع وقتهم في متابعة ثقافة لا تعنيهم في واقع حياتهم بأي شيء، إلا إفسادهم وتقليد الثقافة الغربية. فالعولمة أصبحت تفرض إرادتها وهيمنتها على الشعوب النامية وأصبحت تغزو فكر اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً بكل الوسائل الحديثة ونظام المعلومات وما تبثه أمام المشاهد العربي واليمني من أفلام خارجة عن الأدب وأغاني وغيرها ((وهذا يؤدي إلى تدهور الذوق العام وأثارت بعض المشاهدين وجعلهم يقدمون سلوكيات غير مقبولة اجتماعياً)) ( )، وهذا يهدد في محو الثقافة الشعبية إذ تعمل على استبدال الرأي العام وإجباره على التخلي على مقومات الشخصية والابتعاد عن الثقافة الشعبية فيقول (رونبرج) (( إن غمر السوق بأعمال شكسبير جنباً إلى جنب مع أعمال فيكي وسيلين، يضع علماً مع أعلام الأدب العالمي بنفس المستوى مع من يتملق الجمهور بصورة رخيصة ويرجع إلى الجمهور ليس كلاً من العملين يحتاج نفس الإعداد))( بينما يعرف (هوايت) فيما تقدمه العولمة والقنوات الفضائية ((إن هناك جوانب تافهة وغير إنسانية وقبيحة تماما في الثقافة الجماهيرية))( )
إذاً فالثقافة الرفيعة التي تقدم مضموناً يراعي التقاليد الجمالية فتتسم باستجابة الجمهور له بالحاسة النقدية فالثقافة الجماهيرية ترفع إلى التفكير بل تقدم إجابات جاهزة وسهلة لخلق وعياً مبسطاً (( إن العولمة على درجة عالية من العلمنة والتي تغلب المادة وتتمثل الحياة العاجلة، وتختزل الإنسان في بعده المادي الاستهلاكي وأحياناً الشهواني وقد عزز هذا الاتجاه المخادع افتقار وجود دواعي وتنكر هويتهم المحلية لحساب هوية عالمية)) ( ) إن المجتمع اليمني أحد المجتمعات العربية والذي يعاني من سلبيات العولمة في جميع المجالات في الغزو الفكري للفرد عن طريق جميع الوسائل الإعلامية والفضائيات والأنترنت وغير ذلك، والتي بث سمومها على المجتمع اليمني والذي يعتبر جزءاً لا يتجزأ من الأمة العربية الإسلامية، فهنا يأتي دور المثقف والمسرحي في وعي الفرد والمجتمع في استخدام هذه الوسائل العلمية بما يخدم المجتمعات العربية، الإسلامية بنشر الوعي الثقافي العربي فيما يخدم المجتمع وطموح وأمال الفرد وحفاظا على هويته وأصالته، إن الدفاع عن هويتنا اليمنية العربية لا يتحقق من خلال الحفاظ عليها كما هي، أي عن الماضي ولكن من خلال إعادة بنائها من أفق المستقبل في إطار العولمة والثورة العلمية والتكنولوجية أي بناء العالمية فيها والانتقال من حالتي الرفض والاستلاب المعيقين لهذه الهوية وتطورها والمشاركة الايجابية العالمية والعمل مع القوى الأخرى، في تفكيك السيطرة الثقافية والأحادية وإعادة بناء العالمية في إطار التعاون والاحترام والتفاعل المثري. ومن هنا يأتي السؤال ما هو تأثير العولمة في المسرح العربي والمسرح اليمني بوجه الخصوص وكيف يتم مواجهتها؟ بلا شك أن العولمة تأثيرها على المسرح العربي والمسرح اليمني إيجاباً وسلباً وتأثيرها على المبدع اليمني بوجه الخصوص(( إن الأدب في اليمن يتأثر بالمكان ويؤثر فيه بقدر طاقته الإبداعية والعولمة بمعنى الخروج عن المكان إلى ساحات العالم الأخرى))( ) بمعنى السماح للمبدع أن يؤثر بصورة أو بأخرى وقد تأثر كثيرٌ من المبدعين العرب واليمنيين بالغرب وانبهر به وعلى المبدع اليمني والعربي أن يؤثر في الغرب كما يتأثر ولقد استطاع المبدع العربي أن يبهر المبدع الغربي في حكايات ألف وليلة.. انبهروا بها (( إن الفنون في العالم الغربي في عمومها تجاوزت المسلمات في مساراتها العامة أنه تخضع الموروث الغربي في المسرح واستمراريته لذا يصبح جزءً من التقاليد اللاصقة بالإنسان ومعلماً أساسياً في عالم الحضارة))( ) ومن هذا المنطلق لابد للمسرح اليمني والعربي أن ينطلق من تراثه بطريقة معاصرة لكي يرشح ثقافته وعاداته لدى الجمهور المتلقي الذي يعتبر هو أحد العناصر الأساسية لقيام المسرح فتنوع في أعمال عظام حبكتها ستجلب الجمهور مثلاً حظ التنوع في أعمال عظام المسرح الغربي و يكون هناك إجماع من ناحية الفكرة المأخوذة في أعمالهم مثلاً شكسبير وبيتر بريك كلٌ له فكره وبالإضافة إلى كدورون ونيتشه ومارلوا وبرخت وغيرهم فالتنوع في المسرح الغربي أثباتٌ للهوية الغربية.((العولمة تمحو الحدود الثقافية وتكسر الخصوصيات المحلية، وتقيل القوميات وتصبو إلى توحيد صيغة واحدة للعالم بعكس الفنون والأدب التي تعمق لحدود الثقافية والبيئية وتحافظ على خصوصية كل أمة))( ) نلاحظ هنا سلبيات العولمة وتأثيرها في محو الخصوصيات للمبدع في الأدب والفن فتشابكت العولمة في عقول الناس وتنوعت مواضيعها وتوسعت مجالاتها وكانت قوة سحرية تجذب إليها وتوحد نماذجها وأنماط إنتاجها وتهدد كل ما هو تجبر بقوة الرأسمال وبكل ما يدور في فلكها بما فيها الأدب والفن، وبما أن المسرح هو أدب إنساني وكانت صيغة المسرح الأرسطي منذ بداية علم العالم، وهناك صيغ تختلف اختلافا جذريا مع المسرح الأرسطي ونظريات أخرى كنظرية المسرح الملحمي عند (بريخت فالعولمة تكسر الخصوصيات بينما الفن والمسرح يحافظ على الخصوصيات لأمم ومنها نستطيع أن نحافظ على هويتنا اليمنية في المسرح من ناحية أولاً المضمون الذي ينطلق من تراثنا وأخلاقنا العربية والإسلامية ثانيا بشكل يمني عربي يحقق الخصوصية على المسرح مثلا العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل وهي علاقة مختلفة بين الأمم ولشعوب فيقول البروفسور كورنخان ((المحافظة على اختلاف الأشكال، ويحذر من الوقوع في توحيد الشكل على مستوى العالم فالتمايز يظهر في اختلاف، وبذلك نحو المسرح كوسيلة اتصال جماهيري كالجريدة والتلفزيون ولا ينسى الوظيفة الاجتماعية)) ( )، ويشير عوني كرومي إلى التجريب في المسرح حتى يستطيع النهوض والوصول إلى الحداثة ((إن التجريب وسيلة أساسية لتطور المسرح والغناء خبرة العاملين فيه وإشباعه بالجديد من أجل فعاليته وحياة البشر الاجتماعية واغتناء الجانب الروحي الثقافي للإنسان)) ( )، فالمحافظة على التقييم والمعايير من أساسيات الخصوصية في المسر ح والعلاقة بين الماضي والحاضر و المستقبل هي علاقة مختلفة عند جميع الشعوب، وهي فكرة الامتداد الزمني لها نتج في تكوين المجتمع ومنظوره، وبالتالي تنعكس إنتاجها في تكوين المجتمع ومنظوره، و تنعكس أنتاجها على العمل المسرحي، وأي محاولة لتوحيد الزمن هي كسر الخصوصية لكل الشعوب مثلا اختلاف مسرح “النو” الياباني وكذالك في مسرح تشيخوف وبيكيت فالعلاقة تختلف من ثقافة إلى أخرى وبالتالي فالمسرح العربي واليمني خاص وله خصوصياته في أسلوب العرض وشكله، وله صبغة يمنية نابعة من حضارته اليمنية العربية، والفن الذي يخاطب العقول والنوازع الإنسانية النبيلة يتطور ويندثر في مراحل ثم يتميز في مرحلة أخرى وهنا يأتي دور المسرحي اليمني في اختيار أسلوب عروضه وإبداعاته المسرحية التي ترقى إلى العالمية لكي نحفظ للمسرح اليمني خصوصيته والاستفادة من التجارب العالمية وما توصل إليه المسرح العالمي من تطور لكي يتم اختيار أسلوب وصبغة خاصة بالمسرح اليمني العربي فبا التجريب والبحث في تراثنا وتأصيله بطريقة معاصرة سنحافظ على هويته وخصوصيته لمسرح اليمني ونستطيع مواجه العولمة.
4-3 _ مسرحية الفأر في قفص الاتهام للكاتب اليمني عبد الكافي محمد سعيد نموذجاً.
نبذة عن حياة المؤلف عبد الكافي محمد سعيد وأعماله:يعد عبد الكافي محمد سعيد أحد الرموز الكبيرة بالمسرح اليمني شغل وظيفة عقيد (جنرال) في الجيش اليمني وأحد رموز النضال في ثورة 26 سبتمبر المجيدة في اليمن له ميول خاص في الكتابة المسرحية والإذاعية والتلفزيونية ألف العديد من المسرحيات، ((مناضل حمل البندقية والقرطاس والقلم ولد عام 1939 في قرية الرام أحد المحافظات اليمنية تسمى ( تعز) في قرية بسيطة في الريف اليمني )) ( )من أسرة فقيرة فقد أباه وهو في سن مبكرة نظراً للمشاكل العائلية بين أمه وأبيه وربته أمه ((عاش في الاضطهاد والظلم والبؤس، ناضل في حياته حتى التحق بصفوف الحركة الوطنية اليمنية لثورة 26 من سبتمبر المجيد (الثورة اليمنية) توفي بتاريخ 28/1/1992( ). بمدينة الحديدة أصيب بمرض عضال عانى منه طويلاً وعمر 51 سنة ودفن في مدينة صنعاء. تميزت أعماله المسرحية بجرأة التعبير وجدية الطرح وحسن التناول وأهم ما يمتاز به مسرحه هو (( التركيز على القضايا الاجتماعية والسياسية ومعالجتها في أطر زمنية ملائمة)) ( ).
يمكن من خلال فهمه للصراع الدرامي بمعناه الشامل وامتلاكه عناصر الفرجة اللازمة وقدرته المزج بين الفكرة والفرجة بين الإمتاع والفائدة له دور كبير في تطوير المسرحية اليمنية.
حصل على عدد من الجوائز والأوسمة مثل وسام مأرب من الدرجة الخامسة في عام 1965 وكذلك وسام من الدرجة الثالثة عام 1977، الأول في مجال التدريس في الكلية الحربية والثاني في مجال القصة والمسرح الوطني من قبل الرئيس السابق إبراهيم الحمدي.
منح وسام الخدمة عام 1985 لإخلاصه للوطن والثورة من قبل المشير علي عبد الله صالح رئيس الجمهورية.
منح شهادة تقدير لجهوده الكبيرة التي بذلها في تأسيس المسرح الوطني اليمني من قبل وزير الثقافة والسياحة الأستاذ حسين اللوزي، حصل على وسام مأرب للدرجة الثانية عام 1978م، من أعماله المسرحية (اليسك، الفأر في قفص الاتهام، السفر في الظلام، أنشودة السبعين، المضمون العام، سير موضوع الهجرة والأرض، مغترب إلى الأبد، الوردة، الغول، أفاعي الصحراء، مسرحيات للأطفال ، ومن أعماله القصصية، مغترب إلى الأبد، الأحقاف، عود الكبريت، اليسك والتي حولت إلى مسرحية، صرخة) ومن أعماله التلفزيونية والإذاعية، (مسلسل جريمة في الأعماق، مغترب إلى الأبد، الحصار)

4_ 3_1 شخصيات مسرحية الفأر في قفص الاتهام:
1- التاريخ (رجل مسن)
2- الفلاح
3- الفأر (المتهم)
4- الإدعاء (النيابة العامة)
5- الحاكم
6- مستشارو للحاكم
7- الحاجب
8- رجلا أمن
9- المحامي
10- الملكة بلقيس (الشاهد الأول)
11- وصيفة + جارية + مجموعة من الجمهور( )
12- رجل وامرأتان
13- علي بن أسعد السبائي ( الشاهد الثاني في القضية)
14- الملك أبرهه الحبشي (الشاهد الثالث)
15- الملك سيف بن ذي يزن ( الشاهد الرابع)
16- الملك الأسود العنسي (الشاهد الخامس)
4_3_2 خلاصة مسرحية الفار في قفص الاتهام:
جسد الكاتب عبد الكافي محمد سعيد (محاكمة الفأر) بمسرحية الفار في قفص الاتهام وأعلن فيها (التاريخ) محاكمة الفأر من العمالة والخيانة والتخلف والفساد وهنا يطالبنا المؤلف بمعرفة تاريخنا وحضارتنا وأبطالنا معرفة جيدة ويأمرنا بأن تكون يقظين دائماً وأبداً، من أولئك الانتهازيين الذين لا يعرفون أو يهتمون بمقدرة الشعب وينشرون الفساد والعفن في وسط الشعب بغية الوصول إلى مصالحهم الشخصية ويطالبنا المؤلف بإشهار سيوفنا البتارة في وجه كل معتد أثيم، ((ويوضح لنا أن الفئران كالأفاعي بين صفوف المواطنين في زمننا الحاضر أو الزمن الماضي الذي يعود إلى عصر الملكة بلقيس وأنها قد هدمت وعبثت كل القيم الحضارية والإنسانية))( ) وهناك رأي يقول عن المسرحية أنها ((جمعت المسرحية بين الأصالة والمعاصرة( ) وبأسلوب رمزي بسيط وعميق ففي التاريخ نتيجة الإهمال لسد مأرب تغلغلت الفئران (الجرذان) إلى شق من السد ففجرت سد مأرب العظيم وشربت البشرية وسقطت على الواقع المعاش في حبكة جيدة وذلك ما يصاب به الوطن من دسائس ومؤامرات من قبل الخونة الذين لا يهمهم مصلحة الوطن بل مصالحهم الشخصية)) وتسببت في ذلك تشريد الشعب وزعزعة أمنه واستقراره السياسي والاقتصادي ومساعدة المستعمر في العصر الحديث وتدنيس تراب الوطن))( ).
فنلاحظ حوار المسرحية يبدأ بين شخصية التاريخ والفلاح المسن واختيار شخصية الفلاح إنما ترمز إلى التراب (أي الوطن) لأن الفلاح هو من يزرعها ويرعاها ولابد عليه من معرفة أصول مهنته، فيوجه إليه التاريخ ومن شخصية ترمز إلى حضارتنا وماضينا بعض الأسئلة لمعرفة تاريخ الأجداد وما سبب انهيار سد مأرب فيجيب بأنه الفأر الذي هدم سد مأرب ولكنه لا يعرف هل تحاكم هذا الفار أم لا وهل أخذ جزاءه؟
وتسرد أحداث محاكمة الفار لكي تثبت عليه هذه الجريمة التي أدت إلى تشريد شعب بكامله و أضرمت بتراب هذا الوطن، مملكة سبأ (كانت توجد مملكة سبأ في اليمن في ولاية تسمى مأرب)، فتحاول النيابة إثبات كل الأدلة ضد هذا الفار الخائن، من أنباء جريمته، فتأتي بأدلة تاريخية بالورق الممزقة، ولكن لا تثبت الإدانة نظراً لتقطعها ثم تأتي النيابة بأربعة شهود ابتداءً من الملكة بلقيس (ملكة سبأ) حتى آخر الشهود في العصر الإسلامي الأسود العنسي (ملك حكم اليمن) وعند إثبات كل الأدلة على الفأر يختفي الفأر من قفص الاتهام عند خروج الحاكم وهذه المسرحية ((جمعت بين الواقع وأسطورة سد مأرب، وبين الشخصيات التاريخية ومسيرة الأبطال والملوك كسيف بن ذي يزن وغيره من الشخصيات التاريخية))( ). واستغلت الشخصيات جميع الظروف لمصلحتها الذاتية، فجاءت المسرحية إلى حبك وسرد الأحداث والمؤامرات والدسائس لمصالح شخصية، نافية لهذه المصالح وضربها عرض الحائط بما يخدم ويغير المجتمع إلى حياة أفضل، فهذه الفئران تسببت في تشريد الشعب اليمني الذي كان ينعم بالأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي، بل راحت نصف جرائم التي ارتكبتها الفئران الخائنة في اليمن من أجل حفنة من الذهب، باعت وتاجرت بأرضها وذويها وضمائرها.
4_3 _3 دراسة تحليلية لمسرحية الفأر من قفص الاتهام:
تعد مسرحية “الفار في قفص الاتهام” من أروع أعمال عبد الكافي محمد سعيد بما تحتويه من أفكار ودلالات رمزية تكشف لنا التاريخ وشخصياته وسلبياته وإيجابياته ((حين أعلن المؤلف عبد الكافي محمد سعيد (محاكمة الفأر) من خلال محاكمة أعلن فيها (التاريخ) محاكمة الفأر رمز العمالة والخيانة والتخلف والفساد)( ). أسقط الكاتب مسرحيته على الواقع المعاش بأسلوب بسيط ورمزي ويطالبنا بمعرفة تاريخنا وحضارتنا العريقة التي يصل تاريخها إلى الألفين وخمسمائة أو ثلاثة ألف سنة ويسرد لنا أحداثها، في حوار المسرحية، والتي تبدأ بحوار شخصية التاريخ والشخصية الأخرى الرجل الفلاح حين تفاجأ شخصية التاريخ بصوت جوهري.
الرجل: بسم الله الرحمن الرحيم- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من أنت؟ إنسي وإلا جني؟
التاريخ: (بصوت جوهري وهو ما زال يكتب) أنا الماضي البعيد أنا التاريخ
الرجل: (وهو مازال ممسكا على رأس خنجره) من أنت؟ قال ماضي بعيد.. تاريخ… بينَ أقولك من أنت؟( )
التاريخ: (يواصل الكتابة) أنا التاريخ الراسخ منذ الأزل حتى الأبد، اسمي التاريخ بقداسته.
الرجل: من أين أنت يا حاج (بسخرية) يا حاج التاريخ، مقصدي بلدك… من أي بلاد أنت؟
التاريخ: بلدي هو الأرض، بل الكون، كل الكون.
الرجل: من أين أتيت (جيت)؟
التاريخ: أتيت من الماضي البعيد.
الرجل: (مستغربا) أيواه، كم لكم هانا يا حاج؟
التاريخ: موجود في كل زمان ومكان.
الرجل: (ساخرا) بوب… بوب… عجيب (لنفسه) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يظهر أن الأخ جني أو يكون مجنون.
التاريخ: (وهو منكباً في الكتابة) أخبرني من أي بلد أنت؟
الرجل: أنا من اليمن.
التاريخ: (يرفع رأسه من الكتاب مستغرباً) أنت من الخضراء؟ أنت من بلد اليمن من ابن السميع الحميدي (من أصل السلالة للأسرة الحميرية) أنت من بلد السرور والتجارة، أنت من أرض الحضارات القديمة… إياك أن تسول لك نفسك أن تخدعني، فأنا لا أخدع، … ولا يحاول أحد أن يخدعني أفضحه وأسجل عليه لعنة الأجيال من بعده… تظل تلعنه إلى الأبد.
الرجل: ( فازعاً من كلام رجل التاريخ) والله يا حاج إني من اليمن… لكن هذه البلاد التي تقول ما بنعرفهاش… أعرف اليمن، اليمن وبس…. هذا الصدق….. لأنت تشتي احلف لك في الجامع سأحلف( ).
فنلاحظ الحوار بين هذه الشخصيات هو التعريف على الشخصيات وصفاتها وأصولها وملامحها ووصف تاريخ حضارتها والبلاد الذي يسكنها اليمنيون وما يدون التاريخ لها من أحداث وذلك من خلال حوار شخصية التاريخ الذي يقول فيها.
التاريخ: هذه بعض أسماء اليمن… عجبا لأمة لا تعرف ماضيها؟
الرجل: ويش الفائدة من معرفة الماضي؟… أحنا في اليوم، الماضي خلاص راح… مالنا وماله.
التاريخ: إذا عرفت ماضيك، تيسر لك إصلاح حاضرك، وبناء مستقبلك، نستطيع أن نساير الأمم، ولماذا لا تعرف عن دولة سبأ؟ وسد مأرب العظيم؟ وهو أول سد يقام على الأرض، هو أول عمل يشاد من أجل خدمة الإنسان ورفاهيته.
الرجل: سمعت عن سد مأرب هذا الذي يقولون أن الفار هدمه.
التاريخ: (يتنهد بشدة) سمعت عن هدمه، ولم تسمع عن بنائه؟
الرجل: نعم ….. سمعت عن تخريب السد فقط( ).
ففي هذا الحوار دعوة الكاتب لنا بمعرفة ماضينا لإصلاح حاضرنا وبناء مستقبلنا، فهذه دعوة لاستلهام التراث في المسرح، ومعرفة التاريخ معرفة جيدة حتى نستطيع إسقاطه على الواقع المعاش، ففي هذا المنظر والحوار الذي دار بين شخصية التاريخ وشخصية الفلاح شمل عدة دلالات توحي لنا بعظمة هذا التاريخ والحضارة، ويعاقب الفلاح بل المجتمع الذي لا يعرف من ماضيه شيء، ووجود حدث وهو انهيار السد الذي أدى إلى تشريد أمة، وهدم كل شيء تعب في تشييده عدد من الملوك حتى أنجزوه ولكن الفار هدمه في ساعة واحدة فيقول المخرج سعد أردش والذي شاهد المسرحية في عرض لها في دولة الكويت في بداية الثمانينات من القرن الماضي ((يتحمل الفار المسؤولية دائماً في التخريب والانهيار قد أصبحت هذه القضية مسلمة بها الذاكرة الجماعية عند العرب بشكل عام واليمن بشكل خاص))( ).
وهذا ما أكده حوار شخصية التاريخ حين سأله الفلاح في نهاية المنظر الأول
الرجل: يا حاج…… أريد أن أسألك سؤالاً واحدا؟
التاريخ: اسأل ما تريد
الرجل: هل صحيح يا حاج ما يقولوا أن الفار هو الذي خرب السد؟
التاريخ: الفأر، هدم كل شيء في اليمن… إذا أردت كل تفاصيل الجرائم التي ارتكبها الفار… يجب عليك أن تعرفني أولا.
الرجل: هو ذا أنا عرفتك
التاريخ: لا لم تعرفني بعد… حاول أن تعرفني جيدا.
الرجل: حاضر يا حاج التاريخ… ولا عليك إلا أن نتعارف …. لكن قلي؟… الفار ما وقع به؟
التاريخ: الفار قبض عليه وسيقدم للمحاكمة.
الرجل: أين؟
التاريخ: لم تعرفني… ستعرف كل شيء إلى اللقاء( ).
نستخلص من المنظر الأول التعرف شخصية الرجل(الفلاح) بشخصية (التاريخ) التي تدعو إلى معرفة أبنائه بتاريخ الحضارة اليمنية، واتخاذ شخصية الفار رمزا للإهمال والتسيب على مدار التاريخ في تخريب وتشريد الشعب اليمني القديم، أن شخصية الفار تعتبر كسوسة أو مرض يتفشى لدى المواطنين في اليمن بوجه خاص والعربي بشكل عام، من تخريب وخيانة الوطن والمواطن على حد سواء، ويعد المنظر الأول مدخل لمحاكمة الفار وجرائمه التي ارتكبها على مدى التاريخ حتى عصرنا الحالي ويكشف لنا عن العيوب التي ارتكبها الملوك على مدار التاريخ، والسبب الذي يفهم من محاكمة الفار لأخذ جزائه واستئصال هذا المرض الخطير الذي أدى إلى تشريد شعوب وأمم قديمة في تاريخ حضارتنا، ويبدأ المنظر الثاني بمحاكمة شخصية (الفار) في حشد من الجماهير وحاكم ومحكوم ونيابة ومحامي وجمهور، لتسرد لنا أحداث تاريخية وشخصيات تاريخية تقدم شهادتها لإثبات جرائم (الفار) على مدار التاريخ فيقول الأستاذ الممثل عبدالله العمري وهو أحد رواد المسرح اليمني و أحد الشخصيات المسرحية في دور (الفار) ((واجهتنا كثير من المشاكل في مسرحية الفار في قفص الاتهام أثناء التدريب لوجود بعض المتطرفين والذين يطالبون بحذف بعض المقاطع من المسرحية وهو الجزء المتعلق بالأسود العنسي وقد رفضنا مسألة الحذف لأن أهمية المسرحية تكمن في بعدها التاريخي والحضاري))( )، أحيا الكاتب في المنظر الثاني جو من المحكمة العصرية بتوجيه (الحاكم) عدد من الأسئلة للفار (أسئلة تقليدية)، ثم يطلب من الإدعاء التحدث في القضية، فيقوم الثاني (النيابة) بشرح وسرد وتوضح الجرائم التي ارتكبها الفار ويطلب أن يكون عقابه الإعدام حرقاً حتى الموت، ويأتي دور المحامي بالدفاع عن الفار ويحدث بين الإدعاء والدفاع صراع ومشادة كلامية جادة، كلا منهما يحاول أن يؤكد وجهة نظره في القضية، وحسم الحاكم الخلاف بطلب الشهود وسيكون الشاهد الأول الملكة بلقيس ))( ).
من خلال محاكمة (( يعلن فيها التاريخ محاكمة الفار رمز العمالة والخيانة والتخلف والفساد))( ).
فنلاحظ جمال الحوار في المنظر الثاني حين يوجه الحاكم أسئلة الى الفار بعد فتح الجلسة.
الحاكم: المتهم…. فار سد مأرب.
الفار: (وهو مطأطئا رأسه) حا…. حا… حا.. حاضر سيدي.
الحاكم: ما سمك..؟
الفار: ف….ف….ف…….فار….و….و…. مأرب سيدي.
الحاكم: عمرك…؟
الفار: أ….. أ….أ…. ألف…..ف….ف….فين وو…. وخمسمائة سنة يا سيدي.
الحاكم: بلدك…؟
الفار: م….م….م…..مأرب أ….أ…أ…. اليمن( ).
الحاكم: عملك…؟
الفار: بـ … بـ …. بـ … بدون …. ع ….ع…ع…عمل سيدي.
نلاحظ في الحوار التلعثم في شخصية الفار ومكره وتحديد شخصيته التي أراد بها الكاتب مع عمره منذ ألفين وخمسمائة سنة وهو العام الذي انهار فيه سد مأرب، فيشير الإدعاء واصفاً شخصية الفار بخلق بشع واختلاف شخصيته عن بقية البشر وتتصف بالقذارة بما اقترفه من جرائم ارتكبها في تاريخ البشرية لتشريد شعب عظيم ، وذلك في تخريب سد مأرب العظيم، ولم يكتفي بذلك بل ظل يبث سمومه القاتلة في صفوف المواطنين اليمنيين ويشعل نار الفتنة، جعلهم يتقاتلون ويتناحرون، فأراد الكاتب محاكمة الفار وسرد جرائمه على مدار التاريخ على يد الإدعاء أي شخصية (النيابة)، فسرد جرائم الفار بحوار سلسل ورائع ووصفت لنا بشاعة هذه الشخصية إلى نهاية المسرحية، والذي يطلب فيها الإدعاء بمعاقبة الفار فيقول (رئيس المحكمة الموقرة… السادة الأعضاء إن هذا المجرم الماثل أمامكم، اقترف جرائم عدة لا تحصى ولا تعد في حق الشعب… شعب الحضارات والأمجاد، عن هذا الفار الحقير الذي هدم مجدنا منذ فجر التاريخ… وسيظل كذلك إلى الأبد… عثرة في طريق تقدم الشعب، إن بقاءَه حياً، ما هو إلا تحدٍ لإرادة الشعب… سيدي الرئيس سيادة أعضاء المحكمة إنني أطالبكم باسم الشعب وإرادته إنزال أقصى العقوبات ضد هذا المجرم الخطير… وهي الإعدام حرقا حتى الموت) ( ).
فالحوار يشير لنا فظاعة جرائم الفار ليس هدم السد فقط بل مازال حتى في حاضرنا، وان يكون عقابه الموت حرقا، وهنا يأتي دور المحامي الفار ليدافع عن الفار بشتى الوسائل، بينما الإدعاء (شخصية النيابة) تحاول إثبات كل الأدلة التي تثبت جرائم الفار، ومن هنا يبدأ الصراع بين المحامي والنيابة لكل واحد منهما رأيه وهذا التضاد في الآراء خلق الصراع ليخدم الهدف الأسمى في المسرحية، ألا وهي الخيانة للوطن والشعب، وهولاء الأشخاص العملاء سواء كانوا في الماضي أو الحاضر، فدفاع (المحامي) نلاحظ في بداية حواره مراوغة وتهرب في إنكار جميع الجرائم التي نسبت إلى الفار فيقول بعد السماح له من المحكمة.
المحامي: هل يعقل يا سيدي، أن فأرا مثل موكلي، يستطيع أن يهدم سدا، ويبيد شعبا بكامله (صمت) سيدي رئيسي المحكمة، السادة الأعضاء، أنكر كل ما جاء به، الإدعاء ضد موكلي جملة وتفصيلا، وأن كل ما جاء به الإدعاء ليس له أساس من الصحة، ليس هناك ما يستند إليه من براهين، وأدلة قاطعة، وما هذه الدعوى إلا كذب وافتراء)) ( ).((ومن هنا تبدأ المجادلة الكلامية بين الدفاع ومحامي المتهم الفار))( ) ويستطيع المحامي إقناع الحاكم بذلك بطلبه إحضار الأدلة والبراهين التي تثبت الدعوى، وطلب الحاكم البراهين فأتى المحامي بحقيبة من الأوراق الممزقة التي مزقها الفار، ولكن المحامي أنكر وقال هذا ليس دليل واضح يثبت أن الفار هو من ارتكب الجريمة، فيطلب الحاكم أدلة أخرى، ألا وهي الشهود، وكان الشاهد الأول (الملكة بلقيس) وهي التي عاش الشعب في عهدها حياة الأمن والاستقرار فأدانت الملكة بلقيس الفار ((فنعتها المحامي بألفاظ بذيئة ووجه إليها إدعاءات باطلة، وهذا شأن كل خائن يخون وطنه))( ).
وهنا أراد الكاتب تجريد كل الصفات الحميدة من الخائن على مدار التاريخ، وأنه يستخدم كل الأساليب القذرة من أجل الوصول إلى غايته في دمار البلاد مهما أثبتت عليه الأدلة القاطعة ((ولقد أدت دور الملكة بلقيس الفنانة المرحومة مديحة الحيدري في نهاية السبعينات))( ) فجاء اختيار الكاتب الملكة بلقيس إنما هي شخصية تاريخية ملكة حكمت اليمن وساد الرخاء في عهدها بينما المحامي يتهمها بالتقصير أمام شعبها وعدم اهتمامها إلا بنفسها ونلاحظ ذلك في الحوار التالي:
الحاكم: للمحامي( الدفاع… هل سمعت الشهادة؟
المحامي: سمعت يا سيدي.
الحاكم: هل من سؤال، أو استفسار حول الشهادة؟
المحامي: نعم يا سيدي …. إذا سمحت لي المحكمة بذلك.
الحاكم: المحكمة لا تمانع (للملكة) بعد إذن مولاي.
الملكة: تفضل.
المحامي: مولاي صاحبة الجلال ألا تعتقدين أن انهيار السد كان بسبب الإهمال؟
الملكة: لا … لا… اعتقد ذلك.
المحامي: كيف لا تعتقدين يا مولاتي؟
الملكة: لأنه كان هناك فريق من المهندسين والبنائين… وكانت مهمتهم صيانة السد.
المحامي: ومن المسئول عن هذا الفريق؟
الملكة: لا اعلم بذلك.
المحامي: (للحاكم) سيدي الحاكم… إنما لا تعلم (للملكة) كيف لا تعلمين يا مولاتي، أنت المسئولة الأولى في البلاد؟
الملكة: هذا ليس من اختصاصي.
المحامي: سيدي الحاكم أرجو تسجيل هذه النقطة (مخاطباً للملكة) معنى ذلك انك لا تعلمين إلا بمصالحك الخاصة، وتهملين مصالح الشعب؟
النيابة: انأ احتج على هذه الأسئلة الجارحة.
الحاكم: الاحتجاج مرفوض.
المحامي: أرجو الإجابة يا مولاتي.
الملكة: ماذا تقصد بذلك( ).
المحامي: أقصد أنك كنت تهتمين فقط ببناء القصور المزخرفة الخاصة بك.. وتهملين مصالح الشعب الذي كان سبباً في وجودك على العرش، كنت تهتمين يا مولاتي، بملابسك بهندامك، تهتمين يا مولاتي باقتناء المجوهرات الثمينة النادرة، لتزيني بها تاجك الذي وهبك إياه الشعب.
النيابة: (مقاطعا) اعترض على هذا التجريح المباشر ضد الشاهدة.
الحاكم: الاحتجاج مرفوض( ).
المحامي: سيدي الحاكم… لو أن جلالة الملكة، وهبت شعبها ساعة واحدة من أربع وعشرين ساعة… لما أنهار السد.. إلخ وينهي المحامي حواره ببراءة موكله ولم يثبت علية الأدلة الكاملة وأن خراب السد لم يكن إلا نتيجة للإهمال واللامبالاة من قبل الملكة، ويحاول إثبات ذلك باستدعاء شاهد وهو (علي بن سعد السبائي) مزارع عاش في وقت الملكة بلقيس، فهنا وظف الكاتب لغة من حوارية ممتعة تتناسب مع كل شخصية في النص وزادت المسرحية تعقيداً، فالمحامي يستنطق الملكة بلقيس عن سبب انهيار سد مأرب حتى أوقعها في الفخ وجعلها هي المسولة عن الانهيار، بسبب الإهمال وكما يشير إسماعيل محمد الوريث في حوار معه في صحيفة 26 سبتمبر ((تطرح المسرحية في نهاية الأمر السؤال الحاسم حول مسؤولية الحاكم والشعب ومسؤولية الجماهير فيما تكتفي في مجرد الطرح ولا تتجاوز في تلقين الشعب لنفسه للمواجهة ضد هذا الخائن ولم تحدد طريقة المواجهة))( ).
ومن هنا نستنتج أن الكاتب عبد الكافي محمد سعيد وضع مشكلة الخائن الذي يخون وطنه على مدار التاريخ ولم يضع حلا لها، بل الجمهور هو الذي يتخذ قرار لحل هذه المشكلة، والعقاب الذي يستحقه الخائن لوطنه، وعلى الحاكم أن يراعي شعبه والاهتمام بشؤونه بدون تكاسل أو إهمال فقد تؤدي مشكلة صغيرة إلى تدمير شعب بكامله، كما يطالبنا الكاتب ((باستئصال المشكلة وعلى كل مواطن أن ينقض ضد المتآمرون على الوطن. فالفار في مسرحية عبد الكافي كمسرحية الذباب لسارتر من ناحية القيمة والرمز))( ) ففي هذا المنظر استرجاع الماضي للملكة حين تم إبلاغها عن انهيار السد من قبل الفلاحين وهنا إشارة من الكاتب تدل أن محاكمة الفار كانت في الحاضر فتعد المسرحية أحياء للماضي ومناقشة سلبياته وإسقاطه على الواقع المعاش وينتهي المنظر بدفاع المحامي على الفار ويتهم الملكة بأنها سبب في الانهيار وذلك بسبب الإهمال والاستثمار في حق الشعب وذلك بعد طلب المحامي شاهد من الفلاحين وأشار في شهادة بأنه تم إبلاغ الملكة عن وجود شرخ السد ولكنها لم تأخذ الموقف بجدية منها أدى إلى استغلال المحامي لهذه الفرصة ونسب التهمة للملكة وأشار إليها الكاتب في الحوار الثاني على لسان المحامي. المحامي: سيدي الحاكم، السادة الأعضاء أود إعلامكم أن سبب الخراب كان إهمال الملكة، واستهتارها برأي الشعب، ولو أنها أصلحت تلك الفجوة لما انهار السد، وأن الشاهد لم يوضح بأن موكلي فعلاً الذي أحدث الفجوة، ولكن قبل له، إلى الآخر النص ((والذي يطلب براءة موكله))( ).
ففي هذه الفقرة دلالات عدة أراد بها الكاتب وذلك عن حق الشعب على الوالي، وعدم استهتاره بشعبه ويشتكون منه، فالشيء الصغير في الشعب يتطور وينمو ويصبح شيء أكبر مما كان يتصوره الحاكم ويؤدي إلى دمار مملكته كما حدث في تشريد الشعب اليمني بعد انهيار سد مأرب، وهنا أراد الكاتب إيصال رسالة إلى كل حاكم بمراعاة ما يطلبه الشعب منه وأخذه بكل جدية وإصلاحه لأنه من حق الشعب على الحاكم وبصورة رمزية جميلة. والفصل الثاني يستدعى فيه الشاهد الثالث في القضية ويعتبر الشاهد الثاني ضد المتهم (الفار) وهو ( أبرهة الأشرم) ((والذي عاش في القرن السادس الميلادي ))( )، وهي الشخصية الثانية الذي استخدمها المؤلف في مسرحيته لإدانة الفار (أن الفار هو الذي شجعه على انفصاله من مملكة النجاشي وجعله ملكاً على اليمن، ويوضح الشاهد بأن
الفأر أول من اعترف بذلك الغازي (أبرهة) كملك على اليمن (بلد الفار))( .
وأثبت لنا النص بحوار رائع كما يلي:
الحاكم: أكمل.
أبرهة: لولا (يشير إلى الفار) هذا الرجل الطيب، لما استطعت أن أصل إلى صنعاء ومأرب، لقد ساعدني هذا الفار كثيرا، وذلل أمامي كل الصعاب، حتى وصلت إلى أعالي الجبال إنه بلا شك رجل طيب القلب وشجاع.
الرجل: لو كان رجلا شجاعا لقاتلك.
الحاكم: (يدق بمطرقته) الهدوء من فضلكم الهدوء.
الحاجب: الهدوء.
الحاكم: (يدق بمطرقته) الهدوء من فضلكم، الهدوء.
الحاجب: الهدوء.
الحاكم: (لأبرهة) أكمل، أكمل.
أبرهة: إلا أنه أناني وانتهازي.. ودليل ذلك أنه عندما وصلنا إلى مأرب، شجعني أن أعلن انفصالي عن مملكة النجاشي… وأعلن نفسي ملكاً على اليمن، وكان أول من اعترف بي كملك لبلاده… وعندما شاهد ما حققته في مجال البناء والعمران… ( ).
ففي هذا الحوار أضاف الكاتب جريمة أخرى للفار ألا وهي الخيانة للوطن وإدخال الأحباش إلى اليمن، يحمل النص دلالة على بشاعة شخصية الفار أنه موجود في أزمنة مختلفة في تاريخ اليمن، وسبب للكوارث التي أحلت به، فتزداد وتيرة الصراع بين الشخصيات وتأثيرها على المتلقي في تشويقه إلى نهاية شخصية الفار والحكم الذي سوف يصدر عليه من قبل محكمة العصر التاريخية، وذلك للكشف عن الأيادي الآثمة التي ساعدت لدخول المستعمر وبيد داخلية، وفي هذا الفصل يوضح لنا سبب دخول الأحباش اليمن، وذلك باستخدام المؤلف حواراً للمحامي والذي استخدم كل الوسائل لدفاع عن (الفار) ويقول في مقطع في نهاية حواره.
المحامي: إن جريمة الاحتلال، لم تكن بفعل خيانة شخص أو أشخاص، وإنما كانت نتيجة لعدة عوامل على سبيل المثال، كما جاء على لسان الشاهد التعصب الديني الذي دفع الغزاة إلى احتلال الأرض، وهناك أسباب أخرى لا داعي لذكرها الآن، وأطلب من محكمتكم الموقرة بالإفراج عن موكلي ورد اعتباره… حيث لم تتوفر ضده الأدلة القاطعة( ). فبراعة المحامي أدت إلى التشكيك في الحاكم لعدم استكمال الأدلة مما أدى إلى طلب الحاكم من النيابة إلى دليل قاطع فطلبت النيابة الشاهد الرابع في القضية الثالث ضد المتهم ألا وهو (الملك سيف بن ذي يزن) عاش الملك سيف في القرن السادس الميلادي ولكن المؤلف أشار بعمر سيف بن ذي يزن في ألف وأربعمائة عام وهو زمننا الحاضر الذي نعيشه أي القرن العشرين أي زمن كتابة النص، وهنا استطاع المؤلف أن يسقط الماضي في الحاضر في توظيف مفردات النص، وأدلى الملك سيف شهادة والتي تؤكد بأن الفار هو الذي أدخل الغزاة إلى اليمن ضد حكم الملك سيف، ((أن الفار خائن الوطن وساعد المستعمر في المعركة التي وقعت بين الملك سيف والغزاة الأحباش وعمل مؤامرات ضد الحكم ووجد له أعوان لتسهيل استعمار اليمن))( ) وبعد انتهاء الشهادة من الملك سيف ينهض المحامي لطرح عدد من الأسئلة ((اتهامات باطلة إلى سيف بن ذي يزن ويوجه إليه تهمة طلب عون من دول أجنبية))( ). وهنا سعى الكاتب في إثارة الصراع وتعريف بالشخصيات التاريخية وبأخطائها التي ارتكبتها، بما يخدم فكرة النص للوصول إلى الهدف الأسمى للمسرحية، ألا وهو محاكمة الفار والذي يعتبر رمزاً للخراب والعمالة والفساد على مدار التاريخ، وتحقق هذا في شخصية المحامي الذي يعري لنا التاريخ بإيجابيته وسلبياته ونلاحظ ذلك في الحوار التالي:
الحاكم: الدفاع
المحامي: هل تسمح لي المحكمة أن أوجه إلى جلالة الملك…الشاهد ضد موكلي بعض الأسئلة؟
الحاكم: تفضل.
المحامي: يا صاحب الجلالة، قلت في شهادتك…. أنكم فوجئتم بالعدو يهاجمكم من الخلف، ألستم في حالة حرب مع العدو؟
الملك سيف: نعم كنا في حالة حرب.
المحامي: بصفتكم قائداً عسكرياً، ألا تعتقد أن تسلل العدو من نقط آنذاك في الجبال، كان نتيجة للإهمال؟
الملك سيف: لأننا كنا شديدي اليقظة، وكنت أشرف بنفسي على تلك النقاط.
المحامي: إذاً أنت الذي سمحت للعدو أن يجتاز تلك النقاط.
النيابة: سيدي الحاكم أنا احتج على هذه الأسئلة الخارجة على حدود اللياقة.
الحاكم: يسجل الاحتجاج، حتى ينتهي الدفاع من أسئلته…
المحامي: أكمل.
المحامي: أجب عن سؤالي يا صاحب الجلالة.
الملك سيف: كيف يمكن لقائد أن يسمح للعدو أن يجتاز تحصيناته، هذا لا يعقل أبداً.
المحامي: هذا جائز يا مولاي… لو لم تسمح لهم شخصياً..
الملك: كيف؟
المحامي: لأنك يا مولاي، لأنك يا مولاي، وضعت في تلك النقاط والتحصينات أناساً تثق بهم أنت، ولم تضع من يثق بهم الشعب.
الملك سيف: الشعب أولاني ثقته، وأنا أوليت للجند ثقتي أليس هذا من حقي؟ إلى آخر الحوار( ).
فنلاحظ جمالية الحوار وبلاغة المحامي بذكائه واستنتاجاته، وجه اتهامات للملك سيف بن ذي يزن، وهنا أراد الكاتب أن يكشف لنا حقائق التاريخ، وأسقطها في واقعنا والتي حدثت في عمر الملك سيف منذ ألف وأربعمائة عام، فيوجد عدة دلالات في النص عن الحرب والاستعداد والغدر والخيانة وتشابك الأفكار، ووظف قصة الملك سيف بن ذي يزن في النص وما سرده الملك سيف وما حصلت من معارك وغدر في بلاده فأخذ الكاتب من المصادر التاريخية ((حروب الملك سيف والأحباش وهزيمته واستنجد بالنعمان بن المنذر والذي كان ملكاً على الحيرة (العراق) وحليفاً لكسرى فأعان الملك سيف عند كسرى، وأمده بجنود لمحاربة الأحباش))( ) وهنا استطاع الكاتب توظيف شخصية سيف بن ذي يزن كشخصية تاريخية وشخصية معاصرة في نفس الوقت لإسقاطها على واقعنا المعاش ففكرة المسرحية سردت عدة أحداث تاريخية، وبرغم شهادة الملك سيف إلا أن الكاتب لم يكتف بذلك وأضاف شخصية تاريخية أخرى كشاهد خامس في القضية والرابع ضد المتهم وهي شخصية الأسود العنسي (( فوظف الكاتب هذه الشخصية لا تقل عن شخصية الملك سيف بن ذي يزن ، وكان هناك نوع من المجازفة لهذه الشخصية لأنها أول المرتدين عن الإسلام))( ) وكما تشير المصادر التاريخية كان للوجود النصراني في نجران كبائر كنائس اليمن وكبير يهود اليمن المنتشرين بين صنعاء ونجران وأدخلهما تمخض ذلك عن خروج الكاهن (عبهله) المعروف بالأسود العنسي من بلاد أرحب والجوف ونجران (اليمن) فادعى النبوة وعرف بالأسود العنسي الكذاب، ومن هذا القول أن الأسود العنسي رجل كاذب وأثبتت المصادر التاريخية الإسلامية، ولكن المؤلف قدسه كشخصية عظيمة، بجميع صفاتها، وذلك بما يخدم فكرة النص والتي اختلفت أحيانا في تأويل الحقائق التاريخية اختلافاً كبيراً في شخصية الأسود العنسي وذلك بتصويره البطل الثائر على الظلم، وصفه المؤلف على لسان الحاجب حيث يقول:
الحاجب: الشاهد الخامس في قضية الفار، البطل اليمني الكبير الأسود العنسي( ).
وهنا استطاع المؤلف شرح لنا بعض الملامح للشخصيات من قبل شخصيات أخرى في النص المسرحي، وما يهمنا هنا كيف استطاع المؤلف إيصال فكرته ضد الفساد والخيانة في تدمير الشعوب، فأدان الأسود العنسي الفار فيقول (أنه ثائر مناضل ضد الظلم والاستبداد، وإنه لم يدعي النبوة، إنما الفار هو الذي أشاع ذلك، وأن الفار تآمر مع الفرس ومع زوجته الفارسية على الأسود العنسي وتخلصوا منه) ( ).
فتجمعت جميع الأدلة على الفار أنه سبب الفساد والدمار الذي لحق باليمن على مدار التاريخ، فيحاول المحامي تبرير جرائم الفار وإخراجه من المأزق الذي وضع فيه، وإنقاذه من حبل المشنقة تحت إصرار الشعب ومناداته بإعدام الفار، فيلجأ الفار إلى الهرب من المحكمة واختفائه من قفص الاتهام، وهنا أراد الكاتب في هروب الفأر أن هناك فئران كثيرة لازالت موجودة إلى يومنا هذا تحاول التخريب والتدمير وإبقاء الشعب يعيش في الفقر والجهل والتشريد، حتى يتسنى لها الوصول لمآربها وأغراضها.
4-3_ 4 المكان والزمن في مسرحية “الفار في قفص الاتهام”:
كما أشار الكاتب في نصه عن ثلاثة أماكن تدور فيها المسرحية ألا وهي (غرفة الفلاح في بداية المسرحية في حواره مع شخصية التاريخ، والمكان الثاني هو المحكمة التي أجريت فيها محاكمة الفار، والمكان الثالث إلا وهو غرفة من قصر الملكة بلقيس، ثم يعود الكاتب إلى المكان الأول عند شخصية الفلاح، فدمج الكاتب بين الماضي والحاضر. أما الزمن فقد حدد الكاتب زمن المسرحية من خلال حوار الشخصيات وأعمارها فأحداثها كانت في الماضي منذ ألفين وخمسمائة قبل الميلاد إلى السنة التاسعة للهجرة، ويعتبر هذا هو زمن المسرحية باستدلال الكاتب بحوار الشخصيات وأعمارها وملابسها التاريخية أما الزمن الثاني فهو ((يعد زمن الحاضر من خلال محاكمة الفار في محكمة عصرية ومن خلال استنتاجنا لقراءة حوار المسرحية وبين شخصية التاريخ والفلاح، حين يطلب منه معرفة تاريخه وأمجاد أبطاله ومعرفة سبب انهيار السد، فتعد المحكمة عصرية من خلال ملابس القضاة والجنود والدفاع والنيابة وغير ذلك وهناك أشار الكاتب في النص لعمر الأسود العنسي بعمره ألف وثلاثمائة وتسعون عام أي من كتابة النص))( ) أما خلفية الخشبة بما فيها من شعارات ورموز بينها الكاتب فهي توحي لنا بزمن الماضي، فاستطاع الكاتب دمج الماضي مع الحاضر في توحيد الزمن الذي تدور فيه فكرة المسرحية .
4- 3- 5 تحليل شخصيات مسرحية (الفار في قفص الاتهام)
قبل أن نتناول تحليل الشخصيات الخاصة بالمسرحية لا بد علينا من تعريف الشخصية الدرامية فيعرفها شكري عبد الوهاب في كتابه الإخراج المسرحي ((هي السجية أو الخلق أو الشخص وأبرز الصفات المميزة له))( ) ويرى (آن أوبر سفيلد) ((إن الشخصية المسرحية موضع تقاطع مجموعتين مسرحيتين هما: المجموعة النصية ومجموعة العرض))( ) والشخصية عند أستانسلافسكي شخصية مفهوم الإعداد إلى طوره مفهوم الميلاد ((فالشخصية تولد عنده في كل عرض من جديد وذلك من خلال طريقة الأداء والدخول إلى دوائر الخلق والتأثر)) ويرى (أرثر) في الشخصية ((ما هي إلا مركب من العادات الذهنية والانفعالية والعصبية، والمسرحية لا تقوم بدون فعل ما فإذا وجدت الشخصية مضافا إليها الفعل ذلك يعني أننا أمام مسرحية))( ) وهناك تعريف مظهري للشخصية المسرحية: يرى (اطسون) أن الشخصية هي مجموعة أنواع النشاط التي نلخصها عند الفرد عن طريق ملاحظة فعلية خارجية لفترة طويلة تسمح لنا بالتعريف عليه وتعريف مظهري يرى (واران) أن الشخصية هي التنظيم الفعلي للإنسان عبر مرحلة معنية من مراحل النمو وهي تتضمن كل ناحية من النواحي النفسية، العقلية والمزاجية، مهاراته أخلاقه اتجاهاته.
[إن الشخصية يجب أن تكون صادقة في سلوكها، صدقاً لا يدع مجالاً للشك في أنها شخصية حية] ( )
ومن هذه التعريفات السابقة يتضح لنا أهمية الشخصية المسرحية ولا بد من تحليل أي شخصية مسرحية أن نتخيلها حاضرة بيننا نحللها من عدة جوانب، ليقودنا إلى مفتاح هذه الشخصية، ولا يتم التحليل إلا إذا اتبعنا الخطوات التالية لتحليل أي شخصية مسرحية وذلك بدراسة الأبعاد الثلاثة وهي:
1-البعد المادي الفيسيلوجي
2-البعد الاجتماعي (السيسيولوجي)
3- البعد النفسي (السيكولوجي)
فهذه الأبعاد الثلاثة التي يتفق عليها الباحثون والمسرحيون في تحليل الشخصية المسرحية، والتي تبين لنا جميع الصفات الداخلية والخارجية للشخصية، تحليل شخصيات مسرحية الفار في قفص الاتهام وبصورة مختصرة كما يلي: الأولى حسب الظهور في المسرحية ألا وهي:
1-شخصية (التاريخ) رجل حسن المنظر كبير السن، طويل القامة، شعر رأسه طويل وأبيض حتى حواجبه ورموش عينيه، متعلم ومؤلف، له دراية بالتاريخ ويميل إليه لمعرفته لكي يستفيد من مستقبله، فقير ويتضح لنا من ملابسه القديمة الممزقة، باحث عن الحقيقة، يعتبر التاريخ الراسخ منذ الأزل، فصيح اللسان، حكيم الكلام. من ملامح الشخصية الداخلية والخارجية نستطيع أن نعرف أهميتها وأوصافها ((إن الشخصية الخيرة لا يمكن أن تصنع بل توجد))( )
2-شخصية الرجل مواطن يمني، غير مثقف ولا مطلع بالأحداث التاريخية، له اعتقادات من الأساطير والخرافات وظهور الجن، سلس من خلال حواره له حسن النية، غبي ولا يفهم سريعاً، تلقائياً في الكلام ومراوغ يرتدي ملابس عصرية، فبنيت هذه الشخصية أنها واقعية تعيش في الزمن الحاضر حسب روية المؤلف أحقاد الماضي على الحاضر ((إن بناء الشخصية لا بد أن يتناسب مع واقعها الذي هو صورة عن واقعها النفسي والاجتماعي، حيث تعبر الشخصية مرحلة مهمة من معاناته)) ( )، فهذه الشخصية إنما أراد بها الكاتب الجيل المعاصر الذي يعيشه الكاتب الذي لا يطلع ولا يحب الاطلاع والقراءة عن ماضيه، والقضاء على الآفات والمشاكل التي تحل باليمن حاضراً والاستفادة من ايجابيات التاريخ القديم ونظراً إلى سلبياته لتحاشي منها مستقبلاً فهي شخصيةٌ متلاعبةٌ متأخرةُ الفهم فيها نوع من الغباء هزلية نوعا ما. مسلم فقير حدها حد نفسها. من خلال الحوار ((إن الشخصية هي الأساس الجوهري للنص وهي القلب النابض للحكاية (المسرحية) لذلك قبل البدء بأي شيء لا بد من تعريف على الأسلوب الشخصية على صفاتها وأوضاعها)) )
4-محامي الإدعاء (وكيل النيابة من خلال قرائتنا للاسم سنكشف ملامح الشخصية الداخلية أصنافه إلى حوارها في النص الشخصية تفرض أفعالها وتسير في الطريق المرسوم المتفق مع منطق خالقها “المؤلف” ((بل سرعان ما تصنع قصتها بنفسها لتطور عقدة المسرحية)( )، شخصية تتمتع بالوفاء، رجل مسلم يمني، يعرف الشريعة والقانون، مثقف، جرئ، فصيح اللسان حازم، ذكي حليم يطبق القانون. وطني يطالب بمحاكمة الفأر وإثبات جميع الأدلة ضد المتهم، ميسور الحال يلبس ملابس يمنية قديمة عليها شعارات الدولة.
5-الحاكم رئيس المحكمة: برغم أن الكاتب لم يحدد لنا الصفات الخاصة بالحاكم ولكنه أوضح بأنها شخصية تمتاز بالوقار ولكن عندما نقوم بتحليل واختيار شخصية حاكم بلا شك بأننا سنقوم بتحليل مواصفاته فهو (رجل ذو وقار- يتمتع بالنسب والصبر والحلم والذكاء، صارم في قراراته، متأني متعلم في الشريعة والقانون، مثقف فصيح اللسان ميسور مادياً، كثير الارتباطات، جميل المظهر يلبس ملابس يمنية زاهية وعلى خصره الخنجر اليمين (الجنبية) المطرزة بالذهب يحمل عليه شعاره لدولة والمصنوع من الذهب المطرز بالأحجار الكريمة يتبعه أعضاء المحكمة “مستشاران” يتضح عليهما الوقار والحكمة يلبسان الملابس اليمنية مع تغيير بسيط في عرض ملابس الحاكم، فزمن المحكمة زمن افتراضي غير محدد فيه تتداخل الأزمنة وشهود المحاكمة فهي أزمنة محددة ولكن الكاتب أشار في النص من خلال الحوار (( أنه زمن الحاضر في القرن العشرين على لسان أحد الشهود وحدده في عمر الأسود العنسي ))( )
6- شخصيات الجنديين والحاجب تعد هذه الشخصيات ثنائية في العرض المسرحي تدعم العرض وتدعم المنظر الجمالي للعرض المسرحي فهي شخصيات تتمتع بالالتزام والانضباط قوية البنية، متوسطة الدخل، محتكمة بالمجتمع ومشاكله تحافظ على أمن وهدوء القاعة الخاصة بالمحكمة يتميز بالشجاعة والإقدام (الجنديان) يلبسون ملابس الجنود عليها شعارات الدولة يحملان رمحين.
7- فأر مأرب: كما هو معروف أن شخصية الفأر عندما نسمعها تفسيرها من الأسامي [كالأفعى-العقرب-الصياد ...الخ] فهي ترمز لشر فشخصية الفأر رجل مسن ضخم الجثة قبيح الخلق، غريب الأطوار، متهم، رمز للفساد والخراب سوسة أو مرض يتفشى بين الشعب، خائن وعميل، ماكر ومخادع، يحب مصلحة نفسه، خائن لوطنه وشعبه، متهم في تدمير سد مأرب، يرتدي ملابس السجناء، يعد الفأر رمز للإهمال والتسيب الذي أدى إلى انهيار السد))( )
8- المحامي: تعد شخصية المحامي شخصية قوية أثارت الصراع الدرامي في المسرحية وأحبته فملامحها الداخلية والخارجية قد تصف لنا هذه الشخصية وهي كما يلي: [رجل قانون مسلم متعلم، مثقف، فصيح اللسان، جريء، شجاع، ذكي مراوغ، سريع الملاحظة، ويستغلها لصالح قضيته، محامي المتهم، ماديٌ نوعاً ما، يرتدي ملابس محامي وعليه شعار المحاكمة والدولة محامي بارع].
9-الملكة بلقيس (الشاهد الأول): كما هو معروف عن شخصية الملكة بلقيس وما ورد في سيرتها وشخصيتها في الكتب التاريخية والأساطير العربية وفي التوراة وذكرت في القرآن الكريم وهو خير دليل وقصتها مع النبي سليمان صلى الله عليه وسلم وبما أن المؤلف قدمها كما هي هذه الشخصية التاريخية في المسرحية فنستطيع أن نستخرج ملامح الشخصية وهي كما يلي امرأة ملكة حكمت دولة سبأ في اليمن، ذات وقار، لا زالت تحتفظ بجمالها، وعبرت الشمس والقمر أسلمت على يد النبي سليمان عليه السلام، حكيمة الرأي تتبادل الرأي مع الآخرين، فصيحة اللسان، طويلة القامة جميلة المنظر، حليمة، ذكية، متباينة، لها رأي للمستقبل، غير مبالية، غنية، تحب الإعتناء بجمالها واقتناء الجواهر الذهب والمجوهرات وبناية القصور، متواضعة ((بلقيس ملكة الشهيرة قصتها ذائعة منذ القدم ورد ذكرها في القرآن الكريم والتوراة عاشت منذ القرن العاشر ق.م ارتبطت بنبي الله سليمان عليه السلام وقد جاوزت شهرتها مسرح أحداثها))( ) تتبعها وصيفة (جارية) ثرثارة أي كثير الكلام حسب ما ورد في النص.
10-علي بن مسعود السبئي (الشاهد الثاني): شخصية تاريخية عاشت في عصر الملكة بلقيس عمره ألفين وخمسمائة سنة يسكن بلاد سد مأرب مزارع، شاهد في قضية فأر سد مأرب، فقير، قوي البنية ذكي، دقيق في الكلام، شهد ضد الملكة بلقيس بأنه أبلغها قبل انهيار السد ولكنها كانت غير مبالية.
11-أبرهة الأشرم (الشاهد الثالث) في قضية الفأر: رجل قديس حكم اليمن طويل القامة، أسمر اللون، عليه الجدية والصرامة عمرة ألف وأربعمائة وخمسون عام.
12-سيف بن ذي يزن (الشاهد الرابع) في قضية الفأر: شخصية تاريخية معروفة قاتل الأحباش ورفع الظلم عن بلاده ذكرت عنه المصادر التاريخية والكتب الأسطورية عن شجاعته وأقدامه على المعارك فحقيقته التاريخية لا زالت تشغل الباحثين في التاريخ اليمني والعربي [آل يزن عشيرة يمنية عريقة ورد اسمها في لنقوش المبنية القديمة فذكرت في النقش المرسوم بـ 281. MUSNO OSMA] كما ذكرها أبرهة في نقشه التاريخي والمعروف عند العلماء بـ REPEPIGUO ( )، وهو النقش الذي يتحدث فيه الأحباش عن الثورة فهو ملك يمني [وهو معدي كرب بن مرة] كما ذكرها المؤرخون على لسان الطبري والحميري( )، فهو رجل طويل القامة عمره ألف وأربعمائة عام، ملك غيور على شعبه ووطنه يرفض العبودية، قائد جيش شجاع، مفتول العضلات، مبارز يحمل السيف والخنجر اليمني على خصره مزين بالذهب، يلبس الملابس اليمنية القديمة.
13-الأسود العنسي (الشاهد الخامس) في قضية الفأر سد مأرب: تعتبر هذه الشخصية تاريخية عاشت في السنة العاشرة للهجرة وادعى النبوة حسب المصادر التاريخية فهي معروفة بالكذب والافتراء، ولكن في مسرحيتها قدمها الكاتب بصورة بطل تاريخي رجل معتدل القوام، بهي الخلقة، جميل المحيا ذو مهابة نادرة اسمه عليه بن كعب، الملقب بالأسود العنسي عمره ثلاثمائة وتسعون عام عمله مزارع، قائد شعب ثائر ضد الظلم (ضد الفرس) يلبس ملابس قديمة وخنجراً يمنيا، خطواته ثابتة.

فهرس الموضوعات

الموضوعــــــات

الصفحات

الفصل الأول:المسرح في اليمن

15

1-1 الظواهر المسرحية اليمنية………………………………………………….. …

16

1-1-1  المعتقدات والطقوس الدينية…………………………………………………….

20

1-1-2 الاحتفالات الشعبية………………………………………………

25

1-1-3 العادات والتقاليد الشعبية…………………………………………

27

1-1-4  حلقات الشعر والحكاية…………………………………………..

32

1-1-5 الزوامل الشعبية…………………………………………………

35

1-1-6 فن المقامات……………………………………………………

37

1-1-7  فن الكركوس (القرقوز)………………………………………..

41

1-2 نشأة المسرح اليمني الحديث وروّاده………………………………………

42

1-2-1 النص المسرحي اليمني……………………………………………

50

1-2-2روّاد المسرح اليمني……………………………………………

57

1-3 المراحل التي مر بها المسرح اليمني……………………………………….

64

1-3-1 مرحلة الاكتشاف والتقليد1904 إلى 1926 …………………………..

65

1-3-2 مرحلة التأسيس والترفيه 1927الى 1944……………………………..

66

1-3-3 مرحلة النقد والمواجهة 1945 إلى 1962………………………………

69

1-3-4 مرحلة ما بعد الثورة والاستقلال 1963الى 1990………………………..

73

الفصل الثاني: التراث اليمني

89

2-1  الأساطير اليمنية…………………………………………………..

91

2-1-1 الشخصيات الأسطورية……………………………………………

98

2-1-2 الصراع والحدث في الأسطورة………………………………………..

101

2-1-3 اللغة في الأسطورة……………………………………………….

105

2-2 السير الشعبية اليمنية……………………………………………….     

107

2-2-1 بنية نص السيرة الشعبية……………………………………………

111

2-2-2 شخصيات السيرة الشعبية………………………………………….

114

2-3 الحكاية الشعبية اليمنية ……………………………………………… 

117

2-3-1 بنية نص الحكاية الشعبية…………………………………………. 

125

2-3-2 شخصيات الحكاية الشعبية…………………………………………

128

الفصل الثالث: استلهام التراث اليمني في المسرح

131

3-1 تأصيل التراث اليمني في المسرح…………………………………………

134

3-2  الكتابة المسرحية وتعاملها مع التراث…………………………………….

141

3-2-1 الشخصيات التراثية والتاريخية في بنية النص المسرحي………………………..

150

3-2-2 طبيعة الحوار واللغة والصراع الدرامي في النص المسرحي……………………..

162

3-3 التوظيف البصري والجمالي للمسرحية التراثية……………………………….

167

3-3-1 المخرج المسرحي…………………………………………………

169

176

3_3_2 الديكور والملابس في جماليات العرض المسرحي………………………………..

183

……………..…3_3_3 المؤثرات الأخرى لجماليات العرض المسرحي (الإضاءة والموسيقى )

188

الفصل الرابع: أهمية التراث اليمني في المسرح

189

4_1 الحفاظ على الهوية اليمنية في المسرح…………………………………………….

194

4_2 مواجهة العولمة في المسرح اليمني………………………………………………..

199

4_3 مسرحية الفأر في قفص الاتهام للكاتب اليمني عبد الكافي محمد سعيد نموذجاً…………….

201

4_3_1 شخصيات مسرحية الفار في قفص الاتهام …………………………………….

202

4_3_2  خلاصة مسرحية الفار في قفص الاتهام ………………………………………

203

4_3_3 دراسة تحليلية لمسرحة الفار في قفص الاتهام …………………………………..

217

4_3_4 المكان والزمن في مسرحية الفار في قفص الاتهام ………………………………

218

4_3_5 تخليل شخصيات مسرحية الفار في قفص الاتهام ……………………………….

224

الخاتمة …………………………………………………………………………

228

قائمة المصادر والمراجع ……………………………………………………………

239

فهرس الموضوعات………………………………………………………………..

الخاتمـــة

إن ثقافتنا اليمنية تتميز بمخزون وذخيرة نابعة من تراثنا في الماضي، الذي ورثناه عن أجدادنا من أساطير وسير وحكايات شعبية وأحداث وشخصيات تاريخية وعادات وتقاليد وأشكال مسرحية امتاز بها المجتمع اليمني، وهذا المخزون الذي يشكل عمقا لذاكرتها، ليس هناك انقطاع بين الثقافة الراهنة، والثقافة في الماضي، ولكي نواصل في مسرحنا اليمني لابد من ربط الحاضر بالماضي واستشراف المستقبل، ولا نقدم الماضي كما هو، بل علينا الأخذ من مادته وإعادة إنتاجه بما يساير حياتنا وأوضاعنا الاجتماعية وتطلعات مستقبلنا، فمحاولتنا أن نأخذ الجوانب المضيئة من تراثنا اليمني القديم، لكي نوجد نتائج في مسرحنا المعاصر وطرح مشاكلنا ودمج الماضي مع الحاضر، وأخذ الفكرة من تراثنا وربطها مع مشاكلنا الحالية لإيجاد نص مسرحي يمني، وإذا انطلقنا من المضمون (النص) بلا شك فإن الشكل المسرحي سينطلق من المضمون ليصبح عندنا مسرحاً يمنياً له خصوصياته، ولابد أن نأخذ من التراث ما يفيد مجتمعنا العربي واليمني خصوصاً، أما الجوانب المظلمة من تراثنا فعلينا أن ندينها ونفككها ونبين عيوبها ونحاول أيضاً دراسة العلاقة بين جوانبها المظلمة من ثقافتنا المعاصرة، والفائدة التي ستعود على المسرح اليمني، وأن نجعله ينظر إلى ثقافتنا بنظرة نقدية وليس نظرة إذعان وتقديس لتراثنا، بل عليه أن ينظر إليه بنظرة نقدية متفحصة للحفاظ على هوية الشعب أو الأمة، ليشكل ترابط الماضي بالحاضر، وبدراسة الأشكال التراثية اليمنية كالأسطورة والحكايات والسير الشعبية والشخصيات التاريخية، والظواهر المسرحية اليمنية من الطقوس الدينية والاحتفالات الشعبية وحلقات الشعر والحكاية والراوي، وفن المقامات والزوامل الشعبية والكركوس، التي ابتدعتها العقلية اليمنية، يعبر من خلالها اليمني عن قضاياه، وأحلامه وتطلعاته، ويجد فيها ما يمتعه ويزجي أوقات فراغه، ومن أجل التعرف على هذه الخصائص الدرامية لهذه العناصر التراثية والتي جعلت منها مصدراً صالحاً للاستلهام في فن الدراما والعرض المسرحي. ارتأينا في بحثنا بخصوص إمكانية توظيف التراث اليمني في المسرح ما يلي:

أولاً: إذا كانت الدراما هي فعل، فالدراما الشعبية (التراث) هو ذلك الفعل الذي تقوم به الجماعة لتعبر من خلالها عن وجودها وموقفها وأفكارها، تجاه تلك القوى المهددة لوجودها، سواء أكانت قوى غيبية أو أسطورية، أو قوى تسلط واستغلال من بين أفراد الجماعة نشأت من خلال التمايز بين الجماعة طبقياً، وتهدف الجماعة من هذا الفعل إما استرضاء هذه القوى تجنباً لخطرها، أو للوقوف ضد هذه القوى ويبدأ الصراع بين هذه القوى والتصريح المباشر إما بالتلميح أو الغمز والنقد غير المباشر.

ثانياً: تأصيل التراث اليمني انطلاقاً من تلك الظواهر المسرحية التراثية، والأخذ من الماضي (كفكرة) ووضع مشاكل الحاضر لإيجاد نص مسرحي يمني له خصوصياته.

ثالثاً: توظيف الأشكال المسرحية اليمنية في التجارب المسرحية المعاصرة، سيعطي المسرح اليمني القدرة على استقطاب جمهور عربي وعالمي لمعرفة التراث اليمني.

  رابعاً: الاستفادة من التراث اليمني من مواضيع وأحداث وشخصيات في بنية النص المسرحي اليمني، سيساهم في تطوير الكتابة المسرحية اليمنية.

خامساً: التوظيف الجمالي (البصري) للمسرحية اليمنية منطلقا من مضمون المسرحية بالديكورات، الملابس اليمنية والتي تعطينا بعداً جمالياً له خصوصياته نابع من هويتنا الثقافية اليمنية.

سادساً: لقد أغنت تجربة المسرح اليمني في توظيف تراثنا والظواهر المسرحية المستنبطة من المخزون الدرامي لتلك الظواهر التراثية، وتوظيف الراوي أو الحكاية والزوامل الشعبية والشعر ما يسمى بمسرح السرد التمثيلي أو الشعري واستعمال الديكور التجريدي لا التجسيدي والاهتمام بالمسموع أكثر من المرئي، وهي تجربة تستحق الإشادة بها.

سابعاً: استلهام الشخصيات التاريخية من أبطال وملوك وغيرهم في بنية النص المسرحي المعاصر بما يخدم فكرة النص والمجتمع.

ثامناً: ندعو جميع الباحثين والكتاب اليمنيين والعرب التوجه إلى دراسة التراث والأخذ منه ما يحيي الماضي وينفع الحاضر وينظر إلى المستقبل، والتعرف على جميع التجارب العالمية والعربية الناجحة، التي أخذت من تراثنا  حتى يصبح  لنا مسرحا له خصوصياته ومميزاته.

وفي الأخير على المبدع اليمني التوجه إلى المواضيع الإنسانية والأخلاقية التي تهدف إلى رقي الإنسان اليمني، وتجعله على صلة مباشرة مع التراث الإنساني وتجسيد همومه ومعاناته، والمحاولة التغلب على مشاكله اليومية التي تعيق التطور التي ينشرها الفرد اليمني، والنقد البناء الذي يخدم الفرد والمجتمع في اليمن وفي البلدان العربية والإسلامية بل والإنسانية أجمع ، والحفاظ على الهوية الثقافية بطريقة معاصرة، وبهذا نستطيع أن نجد مسرح يمني له خصوصياته نابع من تراثنا وحضارتنا العريقة.

تاسعاً: استلهام التراث اليمني في المسرح يحافظ على الهوية اليمنية ويستطيع المسرح اليمني مواجهة العولمة بالحفاظ على هويته الثقافية، ولا يتم ذلك إلا بتأصيل التراث بطريقة معاصرة تخدم المجتمع اليمني والمجتمعات الإنسانية.

قائمة المصادر

قائمــة  المصــادر:

القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم.     

1-     أحمد على الهمداني_ الفلكلور اليمني _ إصدارات وزارة الثقافة والسياحة_ صنعاء _ اليمن _ 2004.

2-     أرسطو_فن الشعر_ترجمة إبراهيم حمادة_مكتبة الانجلوالمصرية _القاهرة _دون طبعة وتاريخ .

3-     بارو سلاف ستيتكيفتش- العرب والغصن الذهبي- ترجمة سعيد الغانتمي- الناشر المركز الثقافي العربي- المغرب-  الطبعة الاولى  _ دون تاريخ.

4-     جيمس روس- إيافنز- المسرح التجريبي من أستا نسلافسكي إلى بيتر بروك- – ترجمة فاروق عبد القادر _ هلا للنشر والتوزيع- الجيزة _ مصر _ الطبعة الأولى _1420ه _2000م .

5-     حمزة علي لقمان- أساطير من تاريخ اليمن- دار الميسرة- الطبعة الثانية 1988/1989م .

6-     رولان بارت_  النقد السردي للحكاية_ ترجمة أنطوان ألو زيد بارت _منشورات عويدات، بيروت _ الطبعة الأولى _ 1988.

7-     رولان بارت_  النقد السردي للحكاية_ ترجمة أنطوان ألو زيد بارت _منشورات عويدات، بيروت _ الطبعة الأولى _ 1988.

8-     طه حسين- من تاريخ الأدب العربي العصر الجاهلي والإسلامي- المجلد الأول- دار القلم للملايين- بيروت- دون طبعة وتاريخ.

9-     عبد الله البردوني- قضايا يمنية- دار الفكر_ بدمشق_ الطبعة الخامسة -1416ه-1996م  .

10-    عبد الله البردوني- فنون الأدب الشعبي في اليمن- دون ناشر و طبعة وتاريخ.

11-    عبد الكافي محمد سعيد _ مخطوط مسرحية الفار في قفص الاتهام.

12-      علي بن الحسين القرشي الأصفهاني- كتاب الأغاني- دار الثقافة- بيروت لبنان- م 6.

13-    علي عقلة عرسان- الظواهر المسرحية عند العرب- منشورات اتحاد الكتاب العرب- مطبعة الكاتب العربي- دمشق- دون طبعة ،1981.

14-    الكسندرين _ العناصر الأساسية لإخراج المسرحية _ترجمة سامي عبد الحميد _ دار الحرية للطباعة _ مطبعة الحكومة بغداد _ العراق _1392ه _ 1972م .

15-    محمد احمد شهاب، الحكايات الشعبية_ دار بن خلدون _ بيروت _ الطبعة الاولى_1_11_1980.

16-    أبو محمد الحسن بن يعقوب الهمداني- كتاب  الإكليل من أخبار اليمن وأنساب حمير- حققه محمد بن علي بن الحسين الأكوع الحوالي- المجلد الأول- وزارة الثقافة والسياحة- اليمن.2004.

17-    محمد حسين الفرح- الجديد في تاريخ دولة وحضارة سبأ وحمير المجلد الأول_ اصدارات وزارة الثقافة والسياحة – صنعاء _اليمن _2004.

18-     محمد الشرفي- مسرحيتين من مواسم الهجرة والجنون والعشاق يموتون كل يوم- مطبعة عكرمة- دمشق- الطبعة الأولى _1985م .

19-    محمد يحي حداد- التاريخ العام لليمن- تاريخ اليمن قبل الإسلام- إصدارات وزارة الثقافة والسياحة- – المجلد الأول _دون طبعة _2004.

قائمــة المراجــع:

1-  إبراهيم أبو طالب- الموروثات الشعبية القصصية في الرواية اليمنية- – إصدارات وزارة الثقافة والسياحة- اليمن صعاء_ الطبعة الاولى _ 2004.

2-  أحمد علي مرسي _مقدمة في الفلكلور_ تصدير د.عبد الحميد يونس _ دار الثقافة للطباعة وللنشر والتوزيع_ القاهرة _مصر _ الطبعة الثالثة _1975.

3-  أحمد صقر توظيف التراث الشعبي في المسرح العربي- مركز الإسكندرية للكتاب- 4 شارع  د.مصطفى مشرفه- مصر.

4-  أحمد زكي- اتجاهات المسرح المعاصر وفنون العرض- مكتبة الأسيرة مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب_ مصر –   الطبعة الأولى_ الجزء الاول-2005م .

5-  بول. ب. ريكسون- الأسطورة والحداثة- ترجمة خليل كلفت- المجلس الأعلى للثقافةـ المشروع القومي للترجمة- الأهرام 1991.

6-  ثريا منقوش- سيف بن ذي زيزن بين الحقيقة والأسطورة- إصدار وزارة الثقافة والسياح._ اليمن _ الطبعة الاولى _2004.

7-     حافظ الجديدي- في الفنون المشهدية العرض والنص والأداء- تبر الزمان- تونس._الطبعة الثانية _ 2007.

8-     حسين الأسمر- المسرح في اليمن تجربة وطموح- مطابع المنار العربي- الجيزة-مصر_ الطبعة الأولى- أكتوبر 1991.

9-  أبو الحسن سلام- المخرج المسرحي والقراءة المتعددة للنص- الوفاء الدنيا للطباعة والنشر- الإسكندرية- الطبعة الأولى _ 2003م .

10-       لخضر منصوري- المسرح الأفريقي بين الأصالة والمعاصرة- محافظة المهرجان الدولي للمسرح- وزارة الثقافة الجزائر – الطبعة الأولى _ 2009م .

11-     الرشيد بوشقير- توظيف التراث الشعبي في المسرح المغارب المهرجان الوطني للمسرح المحترف- الجزائر.2010م

12-     سعد أٍردش- المخرج في المسرح المعاصر- الهيئة العامة للكتاب _ مصر _الطبعة الثانية _ 1998 .

13-     سعيد عولقي _سبعون عاما من المسرح في اليمن _دائرة التأليف والنشر بوزارة الثقافة والسياحة _اليمن _الطبعة الأولي _1983.

14-   سعد علي إسماعيل ، أثر التراث العربي في المسرح المعاصر ، دار قباء للطباعة والنشر القاهرة ، ودار المرجان الكويت _2000.

15-  سمير جاد .سامية أحمد علي_ البرامج الثقافية في الراديو والتلفزيون –دار الفجر _ القاهرة_ دون طبعة _ 1999.

16-     سمير سرحان _مبادئ علم الدراما_ هلا للنشر والتوزيع _ محافظة الجيزة _مصر _  الطبعة الاولى _1420ه_ 2000م .

17-     شكري عبد الوهاب- الإخراج المسرحي- مؤسسة جورس الدولية للنشر والتوزيع- الإسكندرية_ مصر _دون طبعة _ 2007 م.

18-     شكري عبد الوهاب _النص المسرحي ، دراسة تحليلية وتاريخية لفن الكتابة المسرحية _المكتب العربي الحديث _الاسكندرية _ مصر_ دون طبعة _1997م .

19-     صبري مسلم- النقد الأسطوري والأنساق السردية والشعرية والمسرحية- إصدار وزارة الثقافة والسياحة- صفا- اليمن-  الطبعة الاولى _2004 م .

20-     عبد العزيز المقالح ، شعر العامية في اليمن ، دار العوده ، بيروت ، 1986، الطبعة الاولى

21-     عبد الرحمن الحضرمي_ نظرة في التاريخ العام لليمن_ مركز عبادي اليمني_ صنعاء _ 2002.

22-     عبد المنعم عثمان- الديكور المسرحي والتشكيل- مطبعة سان بيتر- الطبعة الأولى- أكتوبر 2001.

23-     عبد  الملك مرتاض- الميثلوجيا عند العرب- المؤسسة الوطنية للكتاب- الدار التونسية للنشر والتوزيع- الجزائر- 1989.

24-     علي بن علي صبرة- اليمن الوطن الأم- وزارة الإعلام والثقافة-   مشروع الكتاب -  اليمن.دون طبعة وتاريخ

25-     غراء حسين مهنا_ أدب الحكاية الشعبية_الشركة المصرية العالمية للنشر_ الإسكندرية_ مصر_ الطبعة الأولى_ 1997 .

26-     غنيم سيد محمد- سيكولوجية الشخصية- دار النهضة العربية _ مصر –دون طبعة وتاريخ.

27-     فاروق خورشيد- الموروث الشعبي- دار الشرق _ بيروت_ الطبعة الأولى _1412هـ /1992م.

28-     فؤاد الصالحي- علم المسرحية وفن كتابتها- دار الكندي للنشر والتوزيع- الأردن_ الطبعة الأولى- 2001 م .

29-     فوزي فهمي- المفهوم التراجيدي والدراما الحديثة- مكتبة الأسرة- مصر_دون طبعة وتاريخ.

30-    فيصل عبد عودة- سوسيولوجيا النص المسرحي- إصدارات وزارة الثقافة والسياحة- صنعاء _اليمن- الطبعة الأولى_ 2004م.

31-    كمال الدين حسين- التراث الشعبي في المسرح المصري الحديث- تقديم مختار السويفي- الدار المصرية اللبنانية- الطبعة الأولى- 1413ه _1993م .

32-       محمد بيومي مهران- تاريخ العرب القديم _دار المعرفة الجامعية- الطبعة الثانية- دون طبعة وتاريخ.

33-       محمد حامد علي _ الإضاءة المسرحية _ مطبعة الشعب بغداد _الطبعة الأولى _ 1395ه _ 1975م

34-       محمد عبد المعيد خان- الأساطير والخرافات عند العرب- دار الحداثة-  لبنان- الطبعة الثالثة – 1981 م .

35-       موسى الصباغ- القصص الشعبي العربي في كتب التراث- دار الوفاء الدنيا للطباعة والنشر-  الإسكندرية مصر_ دون طبعة _2006.م .

36-       نعمة الله إبراهيم- السير الشعبية العربية- شركة المطبوعات للتوزيع والنشر- بيروت لبنان الطبعة الأولى_ 2001م ..

37-       هاني أبو الحسن سلام- سيمولوجيا المسرح بين النص والعرض- دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر- الإسكندرية- مصر _الطبعة الاولى _2006 م .

38-       وديع محمد العزعزي – القنوات الفضائية في عصر العولمة_ إصدارات وزارة الثقافة السياحة _ اليمن دون طبعة _2004 .

39-    يحيى البشتاوي- بناء الشخصية في العرض المسرحي المعاصر- دار ا الكندي للنشر والتوزيع- الأردن- الطبعة  الأولى_ 2004م .

40-    يحيى البشتاوي- الرؤية الأولى- دراسات الأدب المسرحي- مطبعة الروز – الأردن- الطبعة الأولى _ 2009م .

41-       يحيى محمد سيف- المختصر المفيد في المسرح العربي الجديد- المسرح في اليمن- المجلس الوطني للإعلام أبو ظبي الإمارات العربية المتحدة – الطبعة الأولى 1430ه-2009 م.

42-    يحي محمد سيف- أعلام الأدب والفن المسرحي في اليمن- الهيئة العامة للكتاب- صنعاء- اليمن-    دون طبعة- 2006.

43-       يوسف غليس_ الخطاب النقدي عند عبد الملك مرتاض _ إصدارات رابطة  إبداع الثقافة_  2002م

المعاجم :

1-              جمال الدين بن منظور، لسان العرب ، حققه وعلق عليه ، عامر احمد حيدر ، ت راجعه ، عبد المنعم خليل إبراهيم ،  منشورات محمد علي مضمون ، دار الكتب العلمية ، بيروت لبنان ، الطبعة الاولى، 1424 ه ، 2003 م ، ( مادة سطر ).

2-              مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز ابادي _ القاموس المحيط _قدم له ابو الوفا نصر الهورني المصري الشافعي _ دار الكتب العلمية _ بيروت لبنان _ الطبعة الثانية _1428_2007,

3-              طلال حرب- معجم إعلام الأساطير والخرافات- الكتب العلمية_ الطبعة الاولى.

المخطوطات والرسائل:

1-   أسماء غفجاتي- تشكيل النص المسرحي في ثلاثية عبد القادر علولة- _ رسالة ماجستير- اشراف الدكتور . امحمد عزوي _ مخطوط جامعة الحاج لخضر باتنة  _ الجائر _م 2006-2007.

2-   مخلوف فتاح – الإنتاج الدلالي في العرض المسرحي الجزائري-الجزائر رسالة ماجستير 2_ اشراف الدكتور. يوسف الاطرش _ مخطوط جامعة الحاج لخضر باتنة _ الجزائر _007 2-2008.

3-   شوقي قادة- الشخصيات في السير الشعبية دراسة لبنائيتها وخصائصها- سيرتي سيف بن ذي يزن وعنترة العبسي نموذجا – رسالة لنيل درجة الماجستير _ اشراف الدكتور _ محمد حجازي – مخطوط جامعة الحاج لخضر_ باتنة- الجزائر _2007_2008.

 الصحف والمجلات:

1-          مجلة الحكمة- نوفمبر 1985 _العدد 127 _اليمن .

2-        مجلة ملكة سبأ، الاثنين 3 مارس 2008_العد._ اليمن .

3-        مجلة غيمان  2008_ العدد السادس _اليمن.

4-          مجلة روافد ثقافية- جامعة بابل للفنون الجميلة- 2009_ العدد71_ العراق.

5-        مجلة تحولات _شباط2006_- العدد التاسع _ لبنان .

6-        مجلة الثقافة الجديدة- عام 1979 – العدد 74_. عدن _ اليمن .

7-              مجلة تحولات- الصفحة الرئيسية- العدد التاسع- 

8-        جريدة مجلة نزوي – بتاريخ 04/06/2009 العدد الثالث _ المغرب

9-        جريدة شرفات – العدد 86- سوريا  .

10-   صحفية الأيام اليومية عبد الرحمن عبد الخالق_ الكتابة في اليمن بين التوثيق والدراسة_.

11-   صحيفة الثورة- 20/06/2005.   

12-   صحية التجمع الوحدوي _ بتاريخ 21/07/2008_العدد 237_اليمن .

13-    صحيفة 26 سبتمبر _13اكتوبر 2003 العدد 1094_ اليمن .

14-    صحيفة 26 سبتمبر بتاريخ _29/03/2011م العدد 1381_اليمن ..

15-   صحيفة الجمهورية_تاريخ 29_03_9200 _العدد 1526 _ اليمن .

16-   صحيفة 26 سبتمبر _03/05/2011_  العدد 13031._ اليمن.

17-         صحيفة الشروق ،  العدد 1716- يناير 1992.،اليمن

المواقــع الالكترونيـة:

1-       http://www.islamonline.net/arabic/2003/10/images/pic01jp

2-       www.olvmpic13.com  

3-       http://www.moheet-com

4-    http//www.awudam.org/book/99/study

5-       http:// www .jamaty. com/forums/shwthre adaphp

6-       http://www.aklamm.com/Drasat/awni%20mawqif.htm

7-       www.maakom.com

8-       http://www.alkbria.maktoobblog.com_1072686

9-       http-//www.awu-dam.org

10-  http/www.stratimes.com/aspx2

11-  http:/ /afaksocio.ahtamontada.com/t115_topic

12-  www.ira giwriten @yahoo.com

13-  http:/26sep ,net :neweekarticle ;php !lng=arabic8SID=6609

14-  http/ :www.saiban.info/rb/archire/indexphp/t-6590.htm

15- http://www.shorufat.com/read.php?id=7&Pn=

16-  submihed by anthony haddad

17-  http://www.almethag.info/news/art icle3958.htm

18-  http://www.sabaaqueen.net/index.php?action=showDetails&id

19- http://www.shorufat.com/admincp/mn/mnfile/1262397404.pdf

20- http://www 26sep.net/newssweekarticle.php§lng+arabic8sid+38113l

21- maakom.com/site/articie/3458

22-  alkbria.maktoobblog.com/1072686

23-  www.aldiwan.org/news-action-show-id-3560.htm

24-  www.alnedaa.net/index.php?action=showNews&id

25-  www. alittihad.ae/details.php?id=80285&y=2011

26-  www. diwanalarab.com…

27-  www.ao-academy.org/…/index.php

28-  http://www; algomhoriah ,:net/newsweekarticle:php§sid + 37084

29-  http/:www.remenstudemnts.com/vb/showingead.php?T=22908

30- http://matarmatar.net./vb/t1086/

http://www.aboltal.com/ub/showthread

About these ads

From → Uncategorized

اكتب تعليقُا

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: